مشهد أحزننى . . ثم أبكانى : لم يكن صغيرا فى سنه . . بل تعدى الثامنة عشرة . . ولم يكن جاهلا فى تعليمه فقد أوتى نصيبا من العلم لا بأس به .. رأيته وهو يخاطب أمه فى كبرياء وعجنهية . . مخاطبة لا تليق بها وبمكانتها كأم له .. بل كأنه يخاطب خادمة له . . مخالفا بذلك قول الله تعالى : (( ولا تقل لهما أف ولا
تنهرهما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا ))
أجل . . أين انت أيها العاق من قول الله تعالى فى فضل الوالدين . . نعم أين أنت من ذلك ؟ أين أنت من الطاعة المحتمة عليك نحوهما . . نعم أين انت من ذلك ؟! ألم تدر أن الجنة تحت أقدان الامهات . وان عملك مهما يبلغ ذروته فلن يقربك من الله ما لم تكن طائفا لوالديك ومؤديا لحقهما المشروع عليك !!
عد إلى رشدك وصوابك واستغفر الله وتب اليه . . واستعطف أمك لتعفو عنك ما دمت الى جانبها وهى الى جانبك قبل فوات الآوان . . وقبل الوداع الاخير . . وما دام باب التوبة مفتوحا . . والا فستندم يوم لا ينفع الندم . .
ومما يتناسب وموضوعنا هذا : أن أما أصيبت بمرض عقلى فلم يترك ابنها البارعيادة الا وعرضها على طبيبها ولا مستشفى الاوأدخلها فيه ولكن دون جدوى فخصص لها غرفة بداره مع أسرته ليقوم بخدمتها والاشراف على علاجها ورعايتها . . لم يهملها رغم خطورة مرضها ورغم أذيتها له ولم يدعها بأحد المستشفيات رغم العناية بها . . بل فضل أن تمكث معه ببيته ليراها وتراه ويشرف عليها مضحيا بجل وقته فى سبيلها حتى يقضى الله أمرا كان مفغولا ..
انها المثالية فى البنوة لحق الوالدين وقوة فى الايمان وتجمل بالصبر . ولله در القائل :
واطع اباك فانه
رباك من عهد الصغر
واخضع لأمك ارضها
فعقوقها أحدى الكبر
حملتك تسعة اشهر
بين التالم والضجر
فاذا مرضت فانها
تبكى بدمع كالمطر
فاطعمها وقرهما
كيلا تعذب فى سقر
صوت من المجتمع : لا . . لا يا عماه . . أريد زوجى .. أحبه . . أضحى فى سبيله بكل ما أملك . . لانه أحبنى وحشمنى . . وأحسن الى ولم يكن قاسيا معى فى معاملاته لى أو شاذا فى تصرفاته بل وجدت فيه الرجولة الكاملة والزوج المثالى . أعاد الى حنان الامومة بعد افتقادى له . نعم .. أنا ملكة فى دارى وسعيدة فى زواجى .. نعم أقول هذا بكل جرأة وصراحة .. وانك تريدنى يا عماه أن أظهر بمظهر الزوجة البائسة المعذبة . . تريدنى أن أرتكب اثما بدون سبب وأسلك مسلكا غير حميد .. كل ما في الامر يا عماه أن زوجى لم يحقق لك ذلك المطلب المادى وتريد أن تنتصر عليه بعصيانى له ، لتشفى بذلك غليل غضبك عليه .. ان زوجى يا عماه كثيرا ما قدرك وأحسن اليك . . ووفى بواجب الرحم نحوك وزيادة .. ومع هذا فهو مقصر فى نظرك ! . . لا دخل لى يا عماه بما حدث بينك وبين زوجى مما لا يدخل فى نطاق الزوجية . . ولا أريد أن تدخلنى فى الشرك فأفتقد زوجى وأيتم
أطفالى . . لا . . يا عماه ليس عدلا هذا . . ولن يحدث فى يوم من الايام أن أدعى بدعوى زائفة على زوجى هو برئ منها . . في سبيل ارضائك . . دعنى سعيدة هانئة الى جانب زوجى . . رؤوما لأطفالى ، ولا تعكر صفو حياتنا . . فيحل بك غضب الرب وتخل بواجب الرحم . . أريدك يا عماه أن تكون ناصحا لى فيما فيه فلاحى ، لا أن تدعونى الى ما فيه خذلانى وحرمانى . . وتذكر وصية أبى لك . . ( من أننى أمانة فى عنقك بعد الله )
وكم من عدو في ثياب صديق : واستطرد صاحبى فى تعداد من يذمنى ومن يمدحنى غير انى قاطعته الحديث بقولى له : دع من يذمنى يقول ما شاء ان يقول فليس بضائرى الا باأذن الله ولى اسوة فى قول المتنبى :
واذا أتاك طعن من نلقص
فهى الشهادة لى بأنى كامل
أما من يمدحنى فان اصاب منى ما يستحق المدح فله الأجر وان أخطأ فقد رفعنى فوق قدرى بما أنا غنى عنه .. على ان الانسان لا يخلو من الاضداد فكم عدو فى ثياب صديق ولعل ابن الوردى قد أجاد فى هذا المعنى عندما قال :
ليس يخلو المرء من ضد ولو
حاول العزلة فى رأس الجبل
رسالة الى مجهول : وتظاهررت لى بالصداقة وبالغت فيها عن حسن نية ونبل وقصد أيقنت من صدقك لى ووفائك معى . . ولم تلبث أن كشفتك لى الايام تماما مغتابا تكن لى العداء
والكراهية فى الخفا وتتظاهر بالوفاء والاخلاص فى الجهر . .
أما وقد كشفتك الاحداث فأرجو أن تخلع رداء الصداقة الذى تتستر وراءه وتظهر به أمامى وأمام غيرى ممن قد انخدع بشخصيتك المهزوزة فذلك أليق بك وتقلدرداءك الاصيل رداء النميمة والاغتياب لانه الرداء الذى يتناسب وصناعتك مع الآخرين .
أما أنا فلم تعد تصلح صديقا لى لاخلالك بالمقومات الواجب توفرها فى الصديق ورحم الله القائل .
جزى الله الشدائد كل خير
عرفت بها عدوى من صديقى
رجعي الى الابد : قال : لم لم تطعم مكتبتك بلون من ألوان الادب الاوروبى فهو أدب القرن العشرين المعتبر اليوم ؟!
قلت : أنا مفتون بأدبى وتراثى واكتفى بمحصوله الثر ، عما سواه من الآداب غير اننى متى ما تمكنت من دراسته والتوغل فيه فلا مانع من ان أطلع على بعض الآداب الاخرى من قبيل العلم بالشئ ولا الجهل له !
قال : اذن . . ما دام هذا رأيك فأنت رجعى الى الابد ! .
قلت : اذا كان فى اعجابى وتمسكى بأدبى القديم والدفاع عنه أمام كل جاحد ومكابر يصيرنى فى نظرك رجعيا فيسرنى ان اظل رجعيا الى الابد !
ويحسن بك وبأمثالك من المتنكرين لأدبهم ، المتناسين لتراثهم ، المقلدين لغيرهم أن يقرأوا مع كتاب الدكتور محمد محمد حسين ( الادب العربى فى نظر القومية العربية ) وبالاخص الفقرة التالية منه
ص(٢١)التى تقول : ((أما الذين ينتقصون الادب العربى القديم ويعيبونه فهم يذكرون عيوبا ليس من بينها عيب واحد يثبت على التحقيق وأكثر هؤلاء من المفتونين بالادب الاوروبى يريدون أن يحملوا الادب العربى عليه ويفنوه فيه فيجعلوه بابا من ابوابه واسلوبا من اساليبه وشعبة فى واديه فهم لا يستحسنون من تراث العرب الا ما وافق مذهبا من مذاهب الغرب ويقحمون على هذا التراث كل ما يجدونه فى أدب الغرب ولا يجدون له نظيرا عندنا . فعابوا على الشعر العربى نظام القافية لان الشعر الاوروبى خال منها . ووصفوا التأنق فى التعبير والاحتفال بجرس الالفاظ بالغثاثة والتفاهة لان اللغات الاوروبية فى فقرها وضيقها تعجز عن مجاراة اللغة العربية فيه وزعموا أن ذلك يحد من قدرة الشاعر على الانطلاق ويستنفد من جهده ما يغض من المعانى وتنسيق الصور . وقد جمع شعراء العرب فى مختلف عصوره بينها وبين خصب الخيال ودقة المعنى وروعة الاسلوب . ولكن العيب عيب الفتى الضعيف الذى لا يستطيع أن يجمع بينها فلا يستوفى بعضها الا بالغض من البعض الآخر والجور عليه )) أ.ه
دعاء : اللهم أرزقنى القناعة فانها العفة والكفاف . .
وهبنى الصحة فانها المال الوفير الذى لا ينفد .. وألبسنى حلة من الصبر أقاوم بها صروف الدهر ونوائب الحياة . . وألهمنى الهداية فانها السبيل الى الرشد وعرفان المصير . . واغرس فى قلبى حب الخير للغير ليكمل اسلامى . . وحببنى الى عملى وحبب عملى الى نفسى ..
( الطائف )

