ساعة مع مجموعة مسرحيات " فى الليل لما خلي " للدكتور عصام خوقير
قوام اى عمل في الحياة ثلاثة امور : ١ - الصدق ٢ - الأمانة ٣ - الاخلاص
فاذا تجرد من احدى هاته الخصال الثلاث فعدمه خير من وجوده ، وأى عمل أدبي يظهر الى حيز الوجود لا يختلف عن أعمال الحياة الاخرى الواجب أن يتوخى فيها هذه الخصال الثلاث .
والأدب هو " تراث الامة " كما يقال وهو المترجم الأول لحياتها وعنوان تقدمها والصورة الناصعة لمفاخرها .
" والاديب الحق يعيش بقلب طفل برئ لا يعرف الحقد ولا يضمر البغضاء وتنسيه قطعة صغيرة من الحلوى كل أذى الناس وتسعده الكلمة الطيبة ويقنع من الحياة بسعادة غيره بل يعمل لاسعاد الناس ولو كان في ذلك شقاؤه الاليم "
" الادب أيضا هو الذي يخفف آلام البشر بترياق أدبه ويحبب اليهم الحياة اذ
يجلوها لهم عروسا جميلة فتانة . فخيال الاديب عنصر روحانى يكشف للابصار ما غمض واستتر من اسرار الحياة ، فالمثل العليا هى هدف الادب الذي يستمدها من تطورات الحياة ، والادب خلاصة عقول الامم فكما يقطر الزهر فيصير عطر فواحا ، ويحبس في قارورة للمحافظة على أريجه ، كذلك الادب يحفظ في سجلاته من مروا في طريق الحياة " .
والقاص هو ذلك الفنان الاصيل الذى يستوحي قصصه أو تمثيلياته أو مسرحياته من واقع المجتمع الذى يعيش فيه ويبرزها في ألواح أخاذة باسمة جذابة ، يخيل لمن يشاهدها أنه يعيش فى عالم آخر يسوده الخير وترفرف عليه اجنحة السعادة .
وأنا يسعدنى أن أسمع أن أحدا من ابناء بلادي ممن له اختصاص في المجال الادبى قد أصدر مؤلفا ما في احد فروع الادب . . تفاؤلا بازدهار الحركة الفكرية وتطورها وانتعاشها .
فترانى أهرع لاقتناء هذا المؤلف الجديد .
ثم أبدأ جولتى القرانية بكل شغف بحيث ألتهم سطوره التهاما ، ولا أدعه حتى أتم قراءته ، واستوعب ما فيه وألم بالنواحى التى يعالجها والمآخذ التي هي فيه فاسجلها ببعض صفحاته الخالية كاشارة للانتهاء من قراءته . معلنا الشكر لمؤلفه فى الحالتين لأنه ضحى بماله وبوقته وفكره في سبيل ذلك العمل ولكنني على أية حال لا أسكت عما قد يقع فيه من المآخذ والتلميح اليها لتلافيها مستقبلا .
بين يدى الآن مجموعة مسرحيات ( فى الليل لما خلى ) للدكتور عصام خوقير ولربما كانت آخر مؤلف مسرحى سعودى ، صدر كما أظن وقد سبقتها قصة ( الجدار الآخر ) للجفرى وتقع فى ( ٢٠٨ ) صفحة من القطع المتوسط اصدار الدار السعودية للنشر . وتشتمل مجموعة المسرحيات على احدى عشرة مسرحية قصد بها مؤلفها معالجة بعض الاخطاء التي قد نقع فيها بين الفينة والاخرى . اما عفوا ، أو قصدا على أن الموضوعات التى قصد المؤلف علاجها وهدف اليها مطروقة الابواب متكررة الوقوع ، وتتردد على ألسنة الجدات صباح مساء ولا تخلو منها بشكات ( اليابات ) .
ومؤلفها - وفقه الله - من كتاب البلاد وله اسلوب خاص في معالجة الموضوعات التي يعمد الى كتابتها وقد يميل فيه الى الفكاهة احيانا .
وقد كان له نشاط ملموس في جريدة الندوة .
قد يقول القارىء ان من حقه على ، أن أعرض صورة موجزة لاحدى هذه المسرحيات قبل بيان المآخذ . . ليكون على علم بها ولكنى استميحه العذر فجميع المسرحيات لا جديد فيها يستحق العرض فما يدور فيها من حوار ومشاهد نشاهده بام أعيننا كل يوم وعلى الاخص فى مراكز اليابات وفي مجالس الجدات وفي الكزينوهات ذات المكيفات الباردة .
ويكفى هنا أن أورد بعض الاصوات الواردة في مسرحية : ( في الليل لما خلي ) باعتبار أنها المسرحية الطويلة ذات الفصول
العديدة التي احتلت الصدارة في الكتاب ( وفص من الثوم يكفي ) كما يقول المثل المشهور . .
اسمع هذا الصوت العندليبي الذى يبعث على الحسرة والأسى على لغة الضاد والترحم على اهلها " طز . . يا أخي هو أنا خايفه ؟ بس هو يقول عليه أيه ؟ طول النهار وكل الايام شايفني قدامه ملطوعه صورة ومعلقة على الجدار لا هو عارف بقيمتى ! " .
وفي مكان وصوت آخر يقول
" اخص على دى أخلاق . . واخص على دى تربية " .
ومن قبيل الذوق السليم لا يمكن بحال من الاحوال أن يأتي أى كاتب مسرحي عرف اصول المسرحيات بأمثال ( طز . . واخص )
ولغة جميع المسرحيات والحوار فيها على هذا النمط .
وتدور المسرحية حول ناحية عائلية معينة سبق ان مثلت في الاذاعة والتلفاز وكتب عنها عديد من الكتاب .
" والمسرحيات ليست كاسمها فقد كان الاولى أن تسمى حكايات .
" فأين السياق المغرى ؟ وأين الانشاء الأنيق ؟ وأين الحوار البارع ؟ والتحليل النفسي الصادق السليم ؟ "
" أما الموضوعات التي تدور المسرحيات حولها .
أما الاخطاء المطبعية فلسنا بصدد ايضاح شىء منها . . ولغة السرحيات عامية . ومن يلجأ لاستعمال اللغة العامية فى قصصه ومسرحياته يعد
ذلك تبريا منه في استعمال اللغة العربية الفصحى . والدكتور عصام كما نعرف يجيد اللغة العربية الفصحى . فلم عدل عنها الى هذه العامية الشوهاء ؟
" ليست القصة مجرد الحوادث أو الشخصيات انما هي قبل ذلك الاسلوب الفني أو طريقة العرض التى ترتب الحوادث فى مواضعها وتضع فى أماكنها . بحيث يشعر القارىء ان هذه حياة حقيقية تجرى وحوادث واقعية وشخصيات تعيش " .
( المآخذ )
١ - اللغة العامية التى كتبت بها المسرحيات افقدتها رونقها الاصيل وقللت من قيمتها الفنية فجاءت كأنها حكايات تروى في مجالس ( الجدات ) أو مراكيز ( اليابات ) .
٢ - ولست أدرى كما قدمت آنغا ما الذى حدا بالمؤلف الى تفضيل اللغة العامية على الفصحى في جل مسرحياته فاللغة العربية كفيلة بأن تؤدى لنا سائر الادوار والاغراض التى نريدها في جميع المجالات الكتابية .
المؤلف مثقف وله كتابات فى الصحف ذات لغة فصيحة . نعم لست أدرى أكان ذلك منه ان قبيل تيسير الفهم على ذهن القارىء وهذه دعوى واهية فشل مروجوها أم من قبيل استعراض عدة لهجات محلية - سعودية - مصرية - شامية كيفما اتفق ؟
على اني لا أرى ان يتكلم رجال العامة في المسرحيات بلغة فصيحة بحتة لا يفهمون - هم - معناها ولكن هناك - لغة وسط - كما يقال يفهمها العامة والفصحاء على نسواء وهذه وحدها يجب
أن تكون لغة الحوار والا فالشامي لا يفهم عن العراقي ، والمصري لا يفهم عن الاثنين . والحجازي لا يفهم عنهم جميعا " .
٣ - يخطئ من يقول أن اللغة العامية تؤدى دورا لا تؤديه الفصحى من حيث الفهم في ادوار المسرحيات و القصص فمن الطبيعى أن المسرحيات أو القصص لا تكتب ليقرأها العامة ، فالعامة لا يفهمون الا ما يسمعونه أو ما يشاهدونه ولكنها تكتب للطبقة المثقفة الذين من الله عليهم بنعمة القراءة والكتابة ( لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا الى حال من الجفوة جعلتها كالدخيلة علينا والغريبة عنا وجعلتنا من ضعف فهمنا لها بحيث نضطر الى التماس شئ غيرها نفهمه "
" ان اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الامة ، والامة تكاد تكون صفة لغتها لانها تمثل حاجتها الطبيعية التى لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها "
٤ - انعدام المشاهد المثيرة والحماس المألوف في المسرحيات ، كل ذلك جعل المسرحيات تفتقد عنصرين مهمين لها هما التشويق والاثارة .
٥ - وبالرغم من أن لغة المسرحيات هى العامية فان الغموض قد ساد معظم الموضوعات فيها حتى ليخيل لمن يقرؤها أن لكل مسرحية بقية لم تكتب بعد . او تحت التسويد .
٦ - لو عاد المؤلف الى ما سبق أن قرأه من المسرحيات المشهورة لكتاب المسرحيات المشهورين . أقول لو عاد لها وقارن بينها وبين ( مسرحياته ) لكان في ذلك له خير ولنا ربح .
٧ - ومجمل القول أن القارئ لجل مسرحيات " في الليل لما خلى " يظن أنها كانت تمثيليات اذاعية أو تلفزيونية ضلت طريقها الى عالم المطابع فعالم القراءة .
وأخيرا أشكر للمؤلف اتاحته لى هذه الفرصة ، وكنت وما زلت أود منه أن يكتب مسرحياته بالاسلوب الذى كان يكتب به يومياته .
وآمل أن ألتقى معه مرة اخرى وفى مسرحيات غير " في الليل لما خلى " والى اللقاء .

