الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

خطوات عملية ( ؟ ) نحو التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتاية :

Share

لغة الحديث تشمل اللهجة الساذجة التى يستعملها العوام كما تشمل اللهجة المهذبة بقربها من الفصيحة والتى يستعملها المثقفون فى احاديث الحياة اليومية ، وقوام الاولى كما بين الاستاذ القرمادى فى مقاله القيم المنشور بنفس العدد . ثلاثة عناصر : البربرية ، الفرنسية والايطالية ، واخيرا ( اللهجة التونسية الدارجة المعايشة للعربية القديمة معايشة مستمرة منذ اقدم العصور )

اما قوام الثانية فنسبة ضئيلة من جميع هذه العناصر من ارتفاع محتواها من العربية الحديثة النازعة الى نبذ الغريب والفاظ التقعر والشذوذ عن القياس . .

ولغة الكتابة هى الاخرى تشمل فى الاقل نوعين : ما عرف بلغة الجرائد وهو قريب من الصنف الثاني من لغة الحديث المشار اليه ولكن مع اقتراب من الفصحى اكثر الا فيما يخص مراعاتها وتبنيها للالفاظ الدارجة او الاجنبيه التى يصعب على طبقة قرائها ادراكها بالفاظ من الفصحى . . .

اما الصنف الثاني فهو لغة الكتابة الرصينة المنزهة عن اللحن وتلقين الجمل اى البليغة . . . ولا فائدة من اضافة لغة الكتابة القديمة الى هذا القسم الاستبعادى ان يكون الدكتور قصدها وهو يفكر فى موضوعه

فاذا تقرر هذا حق لنا ان نسأل الكاتب عن أى نوعين من هذه الانواع يدعو الى التقريب بينهما ؟

والواقع أن الدكتور لم يعين ببيان ذلك ، وقد لا يكون رأى داعيا للتفصيل والتصنيف ، ولكن الداعى قائم فى الواقع وبدون البيان لانستطيع أن نعرف ما اذا كانت دعوة التقريب تلك تستهدف جميع العناصر الموجودة في كل من لهجة الحديث ولهجة الكتابة بصرف النظر عن اصل كل عنصر على حدة ام انها على خلاف ذالك انما تستهدف التقريب بين عنصرين معينين

وما يترتب عن ذلك عظيم الاهمية لا بالنسبة الى منطق التدقيق وحسب بل وايضا بالنسبة الى اللغة ومصيرها فضيلا عن مساهمته فى اجلاء ما للمقال من قيمة . . . عملية اولا

اما هذه الاهمية التى نسبتها للتفضيل المفقود فتتمثل فى ان وجوده هنا يساعدنا على اقرار او رفض النقط التالية 1 ) هل للعربية المنشودة ان تتبنى الالفاظ البربرية ؟ 2 ) هل لها ان تتبنى الالفاظ الاجنبية المشار اليها ؟

هذا من جهة الطرف ( المقرب منه ) فأما من جهة الطرف المقرب اليه فيثار هذا السؤال : وهو هل على العربية أن تكتفى - فى حالة اقرار النقطتين السالفتين - بحالة قبولها لهذا النوع من جانب المفردات وحسب ام عليها ايضا ان تتنازل عن بعض خصائصها كالنحو مثلا ؟

لست انوى هنا الادلاء برأى ولكنى فقط اردت بسط المسألة على وجهها الحقيقى ومتعدد معطياتها . وان كان لامانع فيما اظن فى أن أضيف أن حضرة الدكتور قد عنون على أمر وكتب فى أمر آخر . فاما العنوان فيفهم أن هدفه هو الدعوة الى لغة ثالثة تكون نتاجا من العامية بخصائصها ومن العربية كذلك ولكن مع اتصافها بصفة زائدة وهى صفة ( التركيب ) . . . على مقتضى القاعدة الصحيحة فى المواضيع الانسانية صحتها فى المواضيع الطبيعية ، القاضية بأن تغيير الكم ينتج تغيير الكيف . . .

ذلك من حيث العنوان فاما ما كان من امر الموضوع فليس غير الدعوة الى التقريب بين العربية والعربية نفسها ! اى بين نوعين منها . فهو مثلا يدعو الى الاقتصار على صيغة واحدة يعرفها العوام فيماله صيغ متعددة من الالفاظ

كما يدعو الى نبذ التعابير المحلية التى هى عربية ولكن قد حرفت قليلا عن اصل معناها او اخذ مجازها مأخذ الحقيقة ، وذلك على حدة : كنازلة فى مقابل قضية وكفرصة فى مقابل العطلة المدرسية . .

والفقرة الوحيدة التى بدا فيها الدكتور اكثر مجاراة لعنوانه انما هى دعوته الى الاقتصاد في استعمال العربية العليا والعامية السفلى ، وهو اذا كان قد مثل لكل منهما فانه لم يكن فرق بينهما واجلى حدودهما المميزة ، هذا من جهة ومن اخرى فانه لم يقدم حتى المثال للغة " الوسطى بينهما " اى الناتجة من التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة

نظرا لكل ذلك ولتخصص الدكتور فى اللغة والادب على ما اظن كنت ارجو ان يكون عمله اكثر دقة واقل اطلاقا واوفر شجاعة . وهى صفات لابد منها فى معالجة شؤوننا معالجة جدية ، فاما الاكتفاء بالاشارة المجملة والغمزة العابرة وأثارة جو من الضباب الفكرى بدل الوضوح والصفاء .... فامور لم تعد تليق كما لم تلق فى اى وقت مضى . . .

هذا واذا نعينا على الدكتور حظ كلمته من قيمتها المتامة بخصوص قضايا علاج اللغة وامراضها فاننا لانغفل عن التنويه بقيمتها المتعلقة بحياة العربية على الاطلاق ، فسواء أأحدث تطويع جذرى لهذه اللغة ام لم يحدث وسواء اخذنا براى ام بأخر . . . فانها تظل جديرة بالتلبية دعوته هذه وهى ( ان مايكتب بالعربية يجب ان يفهمه القراء بسهولة فى كل البلاد العربية . . . ص 24 ) ولا يضير افراد القبيلة ان يلبوا دعوة " حكيمهم " الى الاكثار من الدواب ، فهى فى الموسم الخصب نافعة لنقل المحصول ، نفعها فى الموسم المجدب لنقل الخيام على ما يروى المثل المعروف . . .

اشترك في نشرتنا البريدية