للتقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة وسائل بعيدة مثل انخفاض الامية وارتفاع المستوى الثقافي العام ، وله وسائل قريبة هى موضوع هذا المقال
العربية العليا والعامية السفلى
كتب بعضهم عن رجل يخرج من بيته صباحا ويعود مساء ، فقال : " كان ينسل من كوخه مع الفجر قبل ان تذر ذكاء قرنيها من المشرق ، ويعود اليه مع حمرة الشفق حين تصبغ المغرب بلون قان .
هذه عربية عليا تقبل من بعض الشعراء فى بعض الاحوال ولا تقبل من غيرهم ، وقد جاءت فى خبر محلى نشرته جريدة " العمل " فى احد اعداد شهر نوفمبر 1959
وفي الشهر نفسه سمعنا من محطة الاذاعة التونسية عدة تعاببير من نوع " الفرادى " و " ولد الاميمة " و " الحنينات " و " فى اسراه " ، وهى عاميه سفلي قد انقرضت طبقة المتكلمين بها او كادت ، فلا معنى للمحافظة عليها بالاكثار من استعمالها .
للصحافة والاذاعة اثرهما الكبير فى تطوير اللغة ، ويمكن ان تتعاونا على التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة بالاقتصاد فى استعمال العربية العليا والعامية السفلى
التعايبر المحلية
سألني اديب سورى : مامعنى الخطايا عندكم ؟ قلت : هى الذنوب والآثام طبعا . ولما اطلعني على موضعها فى جريدة " الصباح " قلت : هى هنا بمعنى الغرامة المالية . قال : لماذا تقولون خطيئة اذا اردتم غرامة ؟ قلت : هذا كما تسمون انتم العطلة المدرسية " فرصة " . وكان حديث طويل قال فيه الاديب السورى : ان القضية مشتقة من قضى يقضى بمعنى حكم يحكم ، ومنها القضاء بمعني الحكم ، والقاضي بمعنى الحاكم ، فلم لا تقولون قضية وتقولون " نازلة
والنازلة فى اللغة هى البلية والداهية والمصيبة الشديدة ؟ قلت : هى بلية مثل بليتنا بأذار وأيار ونيسان وحزيران وشباط وتموز وكانون الاول وكانون الثاني وتشرين الاول وتشرين الثاني ، مضاف اليها حزيران واشباط وأذار وتموز . لماذا تصرون على التاريخ بهذه الاسماء غير العربية وتنتظرون من يقيم المتكلمين بالعربية ان يحفظوها او يبحثوا عنها فى القواميس كل مرة ؛
ان ما يكتب بالعربية يجب ان يفهمه القراء بسهولة فى كل البلاد العربية والتساهل فى استعمال الالفاظ والتعابير المحلية لا يساعد على ذلك
نقول فى لغة الحديث : شهر ذى القعدة ، بفتح القاف ، وهو صحيح وتقول القواميس العربية ، حتى الصغيرة منها مثل المنجد ، انها ذو القعدة ايضا بكسر القاف . ويميل بعض الخطباء والمذيعين الى استعمال الصيغتين بالتناوب ، فيضطرب الامر على المستمع ولا تتعود اذنه على صيغة واحدة صحيحة .
للفعل ضحك يضحك اربعة مصادر فى " المنجد " وخمسة فى لسان العرب ، فلم لا نكتفى باستعمال اقربها الى لغة الحديث وهو الضحك بفتح الضاد وسكون الحاء ؟
فى القرآن لا نجد الا نقم ينقم ، بفتح القاف فى الماضى وكسرها فى المضارع ، وفى القواميس العربية نجد نقم ينقم ايضا ، بكسر القاف فى الماضى وفتحها فى لماضارع ، فلم لانقتصر على الصيغة الواردة فى القرآن ونسهل بذلك مسالة عين المضارع التى هى من اكبر صعوبات اللغة العربية ؟
فى القواميس العربية عدد ضخم من صيغ الجمع اخترعها الشعراء لتقويم اوزانهم وقوافيهم ، او لمجرد الاتيان بالنادر والخروج عن المألوف ، كما فعل ابو الطيب المتنبى فى " البوقات " التى دخلت القواميس العربية فصار جمع البوق ابواق و " بوقات "
ان تعدد الصيغ يضخم القاموس العربى بدون فائدة ويباعد ما بين لغة الحديث ولغة الكتابة ، وهو ايضا يجوىء على اللغة ويسهل الخطأ فى استعمالها اذا كان من الجائز ان تكون عين المضارع مفتوحة او مكسورة او مضمومة وان يكون للفعل الواحد خمسة مصادر فأكثر ، وان يشكل الاسم على صورتين الى تسع كما فى كلمة " الاصبع " اذا كان الحال كذلك فلا حاجة للتثبت . . لان
المتكلم لا يمكن ان يخطئ واليك آخر مثال سمعته من هذه الجرأة اللغوية . فى شهر ديسمبر 1959 استمعت الى حديث ادبى فى محطة الاذاعة التونسية ، جاء فيه :
العمامة - مرة بفتح العين ومرة بكسرها ، والصواب كسرها الجبة - مرة بضم الجيم ومرة بكسرها ، والصواب ضمها الزى - بفتح الزاى ، والصواب كسرها الذهاب بكسر الذال ، والصواب فتحها بلغ القمة - بضم القاف ، والصواب كسرها
ولولا الاعتماد على تعدد الصيغ وممكنات القياس والتخريج لما كانت هذه الجرأة المؤدية إلى زيادة الفوضى
للصيغ المختلفة قيمتها التاريخية واهميتها فى الابحاث اللغوية وهى محفوظة فى القواميس المطولة ، اما القواميس الصغيرة الموضوعة لاستعمال الطلبة وعامة القراء فيحسن الاكتفاء فيها بصيغة واحدة تكون هى الصيغة المستعملة فعلا فى القرآن او الحديث او النصوص العربية المعتمدة ، والا فالصيغة الاقرب الى المشهور فى لغة التخاطب ، مثلا : الاصبع بكسر الهمزة وفتح الباء هى الصيغة المستعملة فى صحيح مسلم والترمذى والنسائى وجمعه اصابع هى الصيغة الواردة فى القرآن ، فيحسن الاكتفاء بذلك . ولكن " المنجد " يذكر تسع صيغ لمفرد الاصبع ويضيف اليها صيغة عاشرة هى اصبوع وجمعه اصابيع
نقول ان كثرة المترادفات فى العربية تضخم القاموس العربى ، والواقع ان تعدد الصيغ هو الذى يضخم القاموس ويسبب الحيرة والفوضى ويصعب التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة

