دخل الحانة حانقا وشعور بالتعاسة يخنقه . بحث بعينيه عن مكان قصى يرتكن اليه . يلقى فيه بهموم يومه . لا مكان يبدو شاغرا . الموائد كلها محجوزة . داعبت أنفه رائحة السجائر المحترقة . قرر العودة من حيث أتى لكن رائحة التبغ جذبته إليها وضيق مؤلم سد أمامه سبل الفرار . تبع خطى نظراته . قادته أخيرا إلى ركن منعزل حيث قبع عجوز أمام زجاجة نبيد يشرب فى هدوء . ابتسم مستأذنا فى الجلوس . جلس ونظرة العجوز تشجعه مرحة .
ابتسما . طلب زجاجة جعة . زاد أخرى ، دخن آخر سجارة فى حوزته . النقود فى جيبه قليلة ، قليلة جدا . والجعة فى طريق الغلاء ، بل كل شئ فى سبيل الغلاء . وهو يعلم جيدا أنه غير قادر على السباق معها لكن الهموم تهصره بلا رحمة . المكان لا يشكو الفراغ . إذن من أين لهؤلاء بكل هذه النقود التى يبعثرونها ؟ عاد العجوز يبتسم إليه وهو يرتشف من كأسه بلا مبالاة ..
- يبدو أنك وصلت إلى مرحلة من العمر لم تعد تطلب من الدنيا شيئا . أليس كذلك يا سيدى ؟ حان لك أن تعرف الراحة ..
- أوف ..
- يبدو وكأنك ارتديت حلة القناعة والاستسلام .. حتما أخذت حظك من الحياة.. إنما نحن ، نحن الذين لم نبدأ بعد رحلة الحياة ..
- أوف..
- هل تعرف ، مزية الخمرة أنها تجعل المرء ينظر إلى متاعبه وكأنها لا تمت إليه بصلة . لكنها لم تعد مباحة للجميع . نقودى لا تفي بالرغيف . أخشى أن أكون على شفة الخراب.. هل سمعت بالمجاعة وأنت فتى ؟
- أوف.. - كاد يصدمني بسيارته الفاخرة . لم يعرفني من أول وهله . لكنه بعد عناء تذكر سحنتى المريضة . كان جارى . سكن دهرا معى فى أحد الاحياء الشعبية . بيت ضيق وأم وأطفال وتجارة لا يكسب منها إلا ما يغلق به فم الزوجة الصارخ دوما . ارتحل يوما ولم نلتق . واليوم بعد ثلاث سنوات . ثلاث سنوات فقط أراه في أبهة مفجعة . سيارة فاخرة وخاتم ماس فى الإصبع وبدلة مستوردة ورائحة عطر ذكي تفوح منه .. شد ما تغيرت الأحوال بالنسبة له..
- أوف.. - يقول أصبح مديرا مسؤولا . عن ماذا ؟ لا أدري.. لم أسأل : أين ؟ الصدمة سلبت عقلى . كيف يصبح الناس أثرياء بين سنة وأخرى . يلزمني عشرة صناديق حعة أشربها دفعة واحدة علني أجد جواب ذلك ..
أوف.. - أتعرف ما قاله لى ؟ يا للحديث الذي ما زاد إلا فى انحدارى.. ! - تحسنت الأمور والحالة غدت حسب ما اطلب . أشكر الظروف التى خدمتنى..
- الظروف إلي الآن لم تقدم لي شيئا . إن صادف وحاولت التقدم بى تجد دوما من يقف في سبيلها حجر عثرة ..
- لا تحزن ، ستجد فرصتك في يوم ما .. - متى ؟ لا أخال هذه الفرصة آتية . كأن الحظ وزع ولم يعد لى نصيب فيه ..
- إقبل القليل حتى يأتيك الكثير . حكمة قديمة لا تهمل.. (( يا للحكمة الآتية من رأس لص شبع ! ارتقى ووصل ولا من يدري كيف ؟ كيف ؟ .))
- اذكر أيام الفقر والجوع فيقشعر بدني . أزمة رحلت مع الزمن الغابر .. - لكنها بالنسبة لي لم ترحل مع الزمن الغابر . هي أزمة متجددة ، راسخة مدى رسوخ قدمي على ثرى الحياة .
- الحقيقة كنت دوما كثير التشاؤم لا تعرف كيف تعيش ولا كيف تتصرف لتصل إلى ما تريد .. أنت تفهم ما أعني . لا تكن غبيا . الحياة فن . إن درست
أصول هذا الفن وصلت إلى النجاح ، والشهرة والمال فإفهم ما أقول ..
- فى الحقيقة إنى فى تعس لا يترك لي فرصة التفكير .
- أرأيت ما حقق من إنجازات وما لحق المدينة من تطور .. ؟ الازدهار فى أوجه..
- ولكنني ما زلت حائرا فى القوت اليومي . - يجب أن تفكر في المجموعة لا فى الفرد .. - وأنا الست من هذه المجموعة . خوفى أن نكون انقسمنا الى مجموعتين . مجموعة تعيش وتكسب وأخرى تكتفى بالمشاهدة والتحسر ..
- قلت لك : لا تحزن وكن مؤمنا . ستأتى فرصتك في يوم ما . اليأس هو عدو الحياة الأول . أمامى اجتماع عاجل .. أتركك بخير ..
- آه يا سيدى ، ترى كم زجاجة جعة سأشرب حتى أجد جواب اسئلتي ..؟ - أوف..
- لست أدرى ماذا يفعلون حتى تتغير أحوالهم بهذه السرعة ؟ ربما حالي عدم لأني لم أستطع إلى الآن أن أصبح مسؤولا .. وسأصبح مسؤولا أين ؟ لا يهم فى الجحيم ، فى غيره ، فى أى مستنقع به ثروة..
- أوف . . - أظن أنه لم يعد لى مكان فى هذه المدينة . أأخرج مدحورا من أرض أجدادى ؟ - أوف ..
- ربما بيعت الأرض ونحن لا نعلم . بيعت المدينة واشتراها الغير . كل ما فيها يدل على ذلك . لم نعد نستطيع مواكبة خطوتها ..
- أوف .. - وغدا إن جاء صاحبها يريد انتزاعها ، ما علينا ساعتها لم يبق لنا غير الانسحاب . لكن من قبض الثمن ؟
- أوف . . - يقولون حسبنا التغنى بالأمس المفقود ولنفكر في الغد الموعود . لكن أين هو الغد الموعود!؟ مهما كان أخالني سأبقى سجين القاع . هذا الغلاء الفاحش ، والفرص المحتكرة لا تدفع بنا لغير القاع ..
ما رأيك في ذلك يا سيدى ؟ لا تجيب . لك الحق . وماذا يهم رأيك أو رأيي ، هل سيغير رأينا وجهة التاريخ أو يحدد مسيرة العالم ؟ على كل سنة أخرى ولن نقدر على المكوث هنا . لا بد من التفكير فى الهجرة . كما قلت لك :
كل ما في هذه المدينة يشهد أنه لم يعد لنا شئ فيها . سعيد أنت تتدثر بعباءة شيخوختك ، إنما أنا يا للدهر الطويل الذي ما زال أمامى ! كم سأحتمل وكم .. سيدى ألا تسمع ما أقول .؟ سئمت شكواى كما سئمنا نحن الكلام المعاد والوعود المجترة دون أن تأتى فرصتى المنتظرة ولا وجدت دورى فى هذا البلد . تخامرنى فكرة لو أصبح بهلوانا . أحسن مهنة تدر الأموال الطائلة وتفتح أمام صاحبها أبواب الرزق ..
ألىست فكرة معقولة . العالم الآن لا يصفق إلا للبهلوانات ، فلأجرب حظي ربما أصبحت زعيما لبهلوانات هذا البلد .. ما رأيك يا سيدى ؟
وقف مذعورا . رجه من كتفه بعنف . سقط رأسه على صدره وشحوب قاتل يغزو تجاعيد وجهه النحيل . عوت الجعة فى حلقه كذئب يقتل غدرا . دفعه النادل نحو الحائط زاجرا..
- ألم تر أنه ميت .. مات الرجل .. ضرب بكفه على الطاولة . وقعت القوارير أرضا . تراخت مفاصله وخارت قواه . مادت الأرض تحت قدميه ودوار رهيب يلفه . أخذته نوبة قئ . . قال النادل بهدوء :
- عليك بلفحة هواء .. ستتحسن بعدها الحال . - أوف .. - لكن ، ما الذي قتل الشيخ المسكين ؟ أسكتة قلبية أم .. ؟ - أوف . .
- لحظة سيدى .. سآتيك بفاتورة الدفع . سأضم حسابه إلى حسابك . من سيدفع عنه اذن ؟ - كان يجب أن يدفع قبل أن يموت . هذا تهرب من الدفع بطريقة غير شرعية ..
- أوف . . أوف .. سقط على الأرض مغشيا عليه وغيبوبة رحيمة تنتشله . تقذف به فى عالم ضبابى مريح . لكن النادل راح ليأتى بورقة الحساب ..

