الفات نظر : - أرى وفرة العلماء الساحقة ، يفكرون فى خلق الكائنات وخلق أعمالها ، ويمعنون فى التفكير ، ويبحثون ويبالغون فى البحث (( وهذا مفروض بتأكد )) ولكن لا أراهم يفعلون مثل ذلك فى جلال المكون ، وجلال صفاته . ولا يفتشون عن الوسائل ، التى تقربهم اليه زلفى ، وتنيلهم رضاه ، وتورثهم السعادة الأبدية : اما ايثارا للوقت أن ينفق فى غير ما هم فيه . واما اشفاقا على نزواتهم ، أن تكتب ان كانوا من أهل النزوات .
وهؤلاء يرجى لهم العودة الى أضواء الايمان وايثار الخير لأنهم من أهله . ولكن هناك شرذمة طاغية متمردة ، يقاومون فطرة الايمان فى أنفسهم ويسخرون من توجيهاتها النيرة الخيرة ، ويحاولون تعطيلها بما يخدعون به أنفسهم من هذيان أقلامهم المنحطة ، فى مثل هذا القول الواهن (( هذا من صنع الطبيعة ، وما تصنعه الطبيعة لايسأل عنه : لأنها خرساء لا تتكلم ، فلماذا نتكلم عنها ! ؟ ولأنها عمياء لا تبصر فلماذا نبصر عنها ! ؟ ولانها غير مدركة فلماذا ندرك عنها وننسب الى أعمالها المقاصد والغايات ! ؟
واذا قلنا لهم : هذه مغالطة منكم ، واعراض عن دلائل وجود الخالق العظيم ، أجابوا بكل وقاحة : ((المغالطة ليست منا بل من الطبيعة نفسها . . ))
وهكذا لا تلقى منهم بعد طول الحوار والمناقشة الا العناد والإصرار ، على الالحاد والتعطيل ، ولو قدمت لهم نيرات السماء دلائل وبينات . لأنهم يهدفون من وراء اصرارهم وعنادهم ، أن يطرحوا مثل الوحى العليا ، لينطلقوا في اهواء الشيطان ، شأن مقلديهم ، وفى زعمهم أنهم لن يحرزوا القابهم
الا اذا حاربوا الايمان حربهم . وان كانت حقيقة الايمان لا تحارب الا بالمفتريات والمغالطات ، واشعال النزوات . والا فمن قال لهم : الطبيعة خرساء ، وهم أنفسهم عالم من عوالم الطبيعة ، وناطقون . . ونسوا أن منكر الحقيقة شيطان أخرس . ومن قال لهم : الطبيعة عمياء وهى ذات العيون . النجل ، ولكن العمى فى بصائرهم (( فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور )) .
ومن قال لهم : الطبيعة لا تشتمل على قصد ما ، فى عمل ما من اعمالها . وهم الذين يحاولون أن يظهروا بمظهر العلماء فيسدوا ما اكتشفوه من معارف الطبيعة وعلومها وفنونها . (( كعلوم الطبيعية ، والعلوم الفلكية ، والنباتية ، وعلوم الطب والتشريح والأدوية والأغذية والمعادن ، وسوى ذلك مما هو كثير بالنسبة للانسان ، وقليل جدا بالنسبة لما هو لا يزال مكنوزا فى غيوب الطبيعة ، وغياهب بحورها . . ))
وهكذا يعودون الى انفسهم بأنفسهم فيصفعون مواطن الجهل من رؤوسهم بنعال العلماء ، حين يعلنون أن الطبيعة كلها معارف
سافرة ، وعلوم ناطقة ونظم دقيقة تدل على العليم القدير الذى أودع ما أودع فيها . . أما نحن المؤمنين . فانا بحكم نظرنا الحر الصريح وبحكم ايماننا الواعى البصير ، وبحكم نضالنا فى كشف واقع المعرفة وبحكم ما تفضل الله به علينا من ايثارنا الحق على الباطل . ولو تجمع حول الباطل كل زينات الدنيا ، وكل قواها وكل مغرياتها ومفاتنها . فانا لن نجهل أن هذه العلوم والمعارف التى تزخر بها الطبيعة تدل أصدق الدلالة - قبل كل شئ - على عظمة خالقها , وجليل صفاته ، واتقان ما صنع . .
ألا وان هذه الدلالة الناطقة الصريحة هى التى حمستنى لكتابة هذه الكلمة الحرة النبيلة حول الايمان ، بجلال الخالق العظيم ، وما خلق ويخلق مباشرة أو من وراء الاسباب ، بأسلوب مألوف للغاية صريح للغاية .
برهان الالحاد أسطورة واقع كل كائن يدلك دلالة ناطقة على أن له صانعا أوجده . لأنه يشتمل على جملة من التعينات التى هى تصميم تكوينه . ومحال أن يسلم العقل أن تعيينات التصميم التى بموجبها يكون الكائن ، توجد بدون موجد قد قصد تعيينها قبل ايجاده .
وتعينات الكائن لن تكون الا قبل ايجاده ، وتأخرها عنه مستحيل لأنها تصميم وجوده وعلم الانسان التقدمى مجتهد فى الدرس وانعام النظر لاكتشاف جملة تعيينات كل كائن بالذات ، وهذه هى :
١ - تعين اولية وجود الكائن . ٢ - تعين مكان وجوده بين الكائنات . ٣ - تعين نوع ذاته وأعمالها الخاصة ,
والقصد منها بالنسبة له ، ولأفراد الكائنات ومدى تأثيره فيها ، وتأثره بها .
٤ - تعين السنن الكونية الخاصة به ، والعامة التى سيخضع لها وسوى ذلك . .
ولا ريب أن الاهتداء الى خصائص التعينات فى أفراد الكائنات الظاهرة والخفية . هو اهتداء الى جلال خالقها العظيم ، وكمال صفاته جل وعز .
والعلم قد تطور فى هذا العصر ، واتسعت امكاناته ، حتى استطاع ان يكشف أن للحياة أولا ، وأن للانسانية أولا ، وأن للارض نفسها أولا . وهلم جرا . .
ولن تجد وجودا غير مفتقر إلى سبق خصائص التعينات ، سوى وجود الخالق العظيم جل وعز . لأنه لو افتقر وجوده الى ذلك ، لكان مخلوقا له أول ، لا خالقا ليس له أول .
والشئ الواحد يستحيل أن يكون له أول . وليس له اول . وهكذا نجد الكائنات تدلنا دلالة ناطقة صريحة على جلال خالقها العظيم ، وعلى كمال صفاته اللائقة به ، كالعلم والارادة والقدرة وسائرها .
وهذا حق فان الواقع يكشف لنا أن أى صانع لن يستطيع أن يحقق مصنوعاته الا اذا كان عالما مريدا قادرا . وبدون علم وارادة وقدرة لن يستطيع أن يحقق شيئا . الا اذا صدقنا الاسطورة الروائية : -
(( أن أحد حجارى قدماء المصريين كأن يقطع الاحجار ويجلبها من جبل ناء ويقذفها على شاطئ النيل ، كيفما يتفق له . ومازال يقطع ويجلب ويقذف . والاعوام تمر والاحجار تتراكم حتى سمت على الهرم الاكبر .
وسمع أهل الاقطار المجاورة بذلك ووفدوا ليشاهدوا صنع ذلك الحجار ، فاذا هم
يشاهدون العجب العجاب ، وسحر السحر . يشاهدون أنس قصر فى الوجود ، فقالوا (( هذا قصر أنس الوجود )) ومن ذلك اليوم , صار هذا الاسم علما له . ومن ذلك اليوم والوفود تسبق الوفود اليه ليستمتعوا بمفاتنه العبقرية المسحورة وفنونه النابغة الجميلة ، دون انقطاع .
ووافى الملحدون القصر ، وخدعتهم الاسطورة ، وجازت عليهم ، ولذت لهم ، ومنتهم الأمانى فاتخذوها برهان الحادهم ، وتنادوا بها فى كل مكان : (( هذا قصر أنس الوجود الحافل بغرائب العلم ، وعجائب الفن ، وجد اتفاقا دون ما تصميم سابق ، من اجد وما وجد كذلك الا ليكون برهان قولنا : (( ان الكائنات وجدت اتفاقا ، دون تصميم سابق من أحد )) . وهكذا نجد فى النهاية برهان الحاد الملحدين أسطورة . .
استعراض العوالم اذا أنعم الدارس نظره فى صنع الكائنات ، وفى عجائبها ، وفيما تأتيه من أعمال غريبة مدهشة . فانه يخشع هاتفا : (( صنع الله الذى أتقن كل شئ )) . .
١ - عالم الكواكب : - هذه شمسنا فانا نجدها ذات جرم كبير هائل ، وذات لهيب متقد دائم ، وذات أضواء ملونة ممتدة ، وذات جاذبية هائلة كل ذلك بمقادير من القوى موزونة ، وهيمنة من سنن الكون معينة كما نجد لها ولجملة كواكبها اللائى يسبحن حولها ، ويتصلن بها فى تكوينهن وأعمالهن وحركاتهن أدق نظام محير ، لا يطرأ عليه خلل من زيادة أو نقصان أو تقدم أو تأخر على مر الدهر .
وهذا العلم الحديث قد اكتشف لارتفاعها
وانخفاضها ، وللكواكب الدائرة حولها أو الخارجة عنها المتصلة بسواها من الشموس ، أعمالا كونية مقصودة تخلقها قدرة الله من وراء ستائر الأسباب .
ومهما يكن فكل هذه الاجرام السابحة فى أبعاد الفضاء ، واعمالها المدهشة المحيرة سواء ما اكتشفه العلم منها او لم يكتشفة تغشاة بستار من نسيج الأسباب والاستمرار . فمن استطاع أن يزيحه بالتأمل العميق ، والدرس الدقيق ، والنظر الحر الثاقب . فانه يلمس قدرة الخالق العظيم الفعالة . .
واذا كانت العقول تلمس سلطان علم الانسان المحدود ، وارادته المحدودة , وقدرته المحدودة ، فى مصنوعاته المختلفة وأعمالها الضئيلة . فكيف لا تلمس سلطان علم الله الشامل وارادته المطلقة وقدرته التى لا يعجزها شئ ، فى مصنوعاته الهائلة والتى لا تتناهى ، وفى اعمالها العظيمة التى تفوق الحصر ، وفى نتائجها الباهرة واغراضها الكثيرة وموازينها المقدرة وفق استمرار الكائنات وبقائها المحدود . .
٢ - عالم النبات : - وهذا عالم النبات فانا نجد فيه من غرائب الاعمال ، وعجانب الصنع مثل ما وجدناه فى عوالم الفضاء : نجد آلات صنعية دقيقة عجيبة ، ونجد ثمرات أعمالها أدق واعجب انها تخرجها للناس وفق استمرار الحياة , ومقضياتها الخاصة والعامة .
ويكفر ان اقدم آلة واحدة لتكون مثلا يقاس عليه سائر آلات عالم النبات ، وصناعاتها المختلفة ، وغايات ثمراتها . وما علمنا منها وما لم نعلم . تلك آلة صنع البطيخ : أى بذرته التى جعلها الله فى حجم قلامة الظفر ، وقد أخفى أعمال قدرته تعالى
فى تركيب خلاياها ، ووظائف كل خلية بالذات . هذه لصنع الالوان ، وتلك للطعم ، وثالثة لصنع البذور ، ورابعة للغلاف الخارجى الواقى من الجراثيم وهلم جرا . .
والخلايا كثيرة ، والأعمال اكثر . والبحث يطول لو حاولنا أن نستوفى خصائص عمل كل خلية بالذات . وانى اعتقد انه لو تحولت بذرة البطيخ ، الى سعة أكبر ما نعرف من معامل الانسان وأضحت كل خلية من خلاياها , بمثابة جناح ، له خصائص انتاجه ، وكان يقوم عليه اكبر المهندسين الاختصاصيين وأحلق العمال الفنيين القادرين ، وكان بين أيديهم أجود المواد الخام التى يصنع منها البطيخ ، على وضعه المعروف وأنواعه المختلفة . أى بين أيديهم أخصب التراب ، وانفع الساد وأنسب الماء والهواء ، وشعاع الشمس . أى لو تحقق هذا كله لعجزوا جميعا ، عن صنع البطيخ على وضعه المعروف وأنواعه المختلفة ومنافعه الكثيرة ، وهذا العجز محقق ، وهو الآية الناطقة بجلال أعمال القدرة الألهية المحجبة بشتى الاسباب ، واستمرارها وتكرارها .
ولا ريب أن وعينا هذا لواقع أعمال بذرة البطيخ فى عالم النبات يكفى وحده ليوقد فى مجال افكارنا شعلات الإيمان بجلال القدرة الالهية ويحمس هواتفه فى اعماق قلوبنا بنشوة وخشوع وقناعة وسعادة . . واقرب مثل من مصانع العالم الانسانى تجده الجماهير موافقا لمصنع البطيخ هو مصنع الشوكولاتة فان آلاته لا تقدمها فى الاسواق حتى يتوفر لدى المهندسين المشرفين على صنعها ، جميع موادها الاولية الخاصة بها . لأجل أن يقدروا ضم بعضها الى بعض بمقادير موزونة معينة . . ومهما يكن فأن حبة الشوكولاته لا تصل الى اغلفتها الواقية
من الجراثيم حتى تمر بمراحل عدة . كل مرحلة لها خصائص اعمالها ناهيك بالعلماء الذين أخرجوا آلات صنعها للناس
وكم من آيات بينات فى مصانع الطبيعة الحية أشباه مصنع البطيخ ، يمر بها الملحدون غير مكترثين ، ولا مبالين بما تشتمل عليه من الدلائل ، على جلال قدرة الصانع الاعظم المبدعة ، كأنها فى نظرهم شئ تافه ، لا تزيد على لعب الاطفال . . !
بيد أنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها اذا مروا بمصنع من مصانع البشر : فمن اعجاب الى اكبار الى حمد وثناء ، ألا تراهم وآكلى العشب سواء . تشغلهم عن دلائل قدرة الخالق العظيم المبدعة شهوتا البطن والفرج . وما اصدق قول الخالق العظيم فى حق هؤلاء :
(( وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون )) ١٢ ١٠٦
٣ - عالم الحيوان : واذا انتقلنا بالدراسة الى عالم الحيوان ، وانواع فصائله ، واعمال كل فصيلة وخصائصها ، فانا نجدها فى منتهى العجب العجاب . ونجد اعمالها ناطقة بجلال القدرة الالهية التى ابدعتها واتقنتها صنعا .
والحيوانات فى كل اعمالها ، يسيرها الالهام الغريزى العضوى وفق مخطط القدر كالنحل مثلا فان القدرة الالهية تسيره فى اعماله الدقيقة الصنع التى تستتوقف بالاكبار والاعجاب اكبر العلماء العبقريين وأمهر المهندسين الفنيين وان كان هو غير مدرك لها ، كالطائرة التى يسيرها العقل الآلى .
ولا يسع العلماء حيال ما يشهدون من اعمال عالم الحيوان بعين العلم الدقيقة
المستقصية الواعية الا ان يرددوا : سبحان من (( اعطى كل شئ خلقه ثم هدى . ))
٤ - عالم الانسان : واذا انتقلنا الى عالم الانسان الذى يعتبر جزءا من عالم الحيوان ، وأنعمنا أنظارنا فى مظهر القدرة الالهية : فى خلق أفعاله المنسوبة اليه ألفيناها تختلف عنها فى سائر الحيوان . اذ نجد له فوق أعمال الالهام الغريزى ، أعمال الارادة المخيرة الناجمة عن الفكر كالايمان والكفر ، والطاعة والعصيان ، والقيام والقعود ، والذهاب والاياب . .
الى جانب الافعال العضوية الجبرية ، كالتنفس وتمدد الشعر والاظافر ، والحاجة الى الطعام والشراب والمكان ، وكفت الجاذبية وكل ما يتصل بهذا القبيل .
ولامتياز الانسان بأفعال الادارة الحرة المخيرة بالعقل ، خص بالتكاليف ، وانواع الاجزية من مثوبات وعقوبات . .
أ - مسؤولية الانسان عن افعاله المختارة :
كل التكاليف وليدة المسؤولية . واينما تجد المسؤولية تجد التكاليف . وكون الانسان مسؤولا عن افعاله المختارة - وان لم تكن من خلقه - واضح . . لانه يملك الارادة الحرة التى يتصرف بها وفق ما يختاره من افعال : خيرة او شريرة . وأقرب مثل ما يكشف مسؤولية الانسان عن افعاله المختارة هو سائق السيارة اذ يملك ارادة التسيير . . لا قدرة التسيير ، وان كانت قدرة التسيير طوع يديه حتى يخيل للناظر السطحى الذى يجهل فعالية الوقود ان السائق يمتلك قدرة التسيير أيضا . .
وهنا قل : لو لم يكن السائق يملك ارادة التسيير ، لما كان مسؤولا قضاء عن اخطائه ، ومعذرته انه لا يملك قدرة التسيير
مرفوضة ، لتجاهله أن المسؤولية تتبع ارادة التسيير فقط ، ولعل معترضا سطحيا يقول : (( ما دامت قدرة الخالق العظيم هى التى توجد اعمال الانسان الخيرة والشريرة معا . وما دام علمه الازلى يكشف بحكم احاطته وشموله أن ذاك سيحرق يبدر هذا مثلا ، فلماذا يجعل قدرته العادلة الحكيمة تستجيب لارادة الانسان الظالمة الشريرة , فتشعل لها النار الضارة . ولا تبطل فعاليتها كنار ابراهيم . وهب انه أحرق البيدر ، ولم يفطن لجريمته أحد ، فلماذا يعاقبة يوم القيامة ، وما هو فى عين اليقين الا سبب ظاهرى )) . .
والواقع ان مثل هذا الاعتراض لا يصدر الا عن سطحى يجهل ان الله عز وجل خلق عالم الانسان حرا فى اختيار افعاله الارادية ، ويجهل ان الله لو ارغم الانسان على فعل الخير ، دون فعل الشر لتحول عالم الانسان الى عالم جبر على الطاعات كالملائكة .
وتحويله يقضى تغيير السنن الخاصة بالعالم الانسانى المقدرة ازلا . والله لا يغير السنن الخاصة ، او السنن العامة التى اقتضت حكمة الخلق أن يفرضها على العوالم مجتمعة او منفردة . . من اجل ان فلانا او فلانا لم تنكشف لهم الحكمة ، فى كائن ما ، وقد تكون الحكمة لا تنكشف الا بانكشاف كل حكم الخلق ، فى كل الكائنات . .
ومن هنا نتبين ان الاعتراض من اساسه ساقط ، لأن العلم الذى يكشف سنن العوالم وصلاتها المتشابكة ، وخصائص تعيناتها كافة ، ويكشف واقع الحكمة فى خلق كل كائن بالذات تفصيلا - لا يتسنى الا لمن كان علمه محيطا بأسرار العوالم جمعاء , وهذا خاص بخالق الوجود وحده .
أما العقلاء من سكان العوالم كافة فمهما
أوتوا من سعة فى المعارف وشمول . . فان معارفهم تظل محدودة ، بالنسبة لمعارف العوالم المجهولة لهم ، والمعارف المحدودة لا يكون حكمها صادقا على ما تجهله ، فالجهل لا يكشف العلم ، وانما يكشف العلم بالعلم فهذا الاعتراض باعثه الجهل .
فهو من ذاته ساقط ومهما يكن فالعلم المختفى فى ضمير أى كائن ، لا ينكشف الا بالعلم وهل كشف ويكشف ما فى ضمير الذرة سوى العلم .
والواقع ان سكان العالم أجمعين لا يعلمون من غيوب معارف الوجود ، الا ما تعلمه النملة عن عوالم الكرة الارضية او قل دون ذلك - لو اوتيت عقلا عالما .
اذن فكيف لا يكون الاعتراض من أساسه هراء فى هراء ؟ ! على أن المعترضين أنفسهم لو وجهت الى ما يؤثرونه من أعمال ، حواجز القدرة الالهية - لاحتجوا قائلين أين هى الحرية الاختيارية التى يعلنون أننا فطرنا عليها فى صميم كياننا ، وها نحن اولاء نجبر على ترك ما نختار من اعمال ، فاذا أشعلنا النار فلا تحرق واذا ضربنا بالسيف فلا يقطع ، واذا تحدثنا بما نحب أن نتحدث به فلا نجد السنتنا تستطيع ذلك . وهكذا دواليك .
والخلاصة ان قدرة الخالق العظيم هى التى خلقت العوالم ابتداء وهى التى تخلق اعمالها من وراء ستار الاسباب والسنن سواء أكانت من العوالم العاقلة لأعمالها كعالم الانسان ، أم من العوالم غير العاقلة أعمالها كعوالم الحيوان والنبات والجماد ( ١ )
أرادة الانسان الحرة هى منحة من ارادة الخالق العظيم جل وعز لتكون للانسان علة مسؤوليته وما يتبع المسؤولية من ثواب وعقاب .
ولو لم يكن الانسان حرا مخيرا ، فى كفره وفجوره ومجونه ومباذله ، لكان عذابه فى العالم الثانى ، أو فى الدنيا ظلما ما بعده ظلم . . لأنه حينئذ يكون مجبورا ، والمجبور على شئ لا قدرة له على مخالفته ، ويكون حينئذ تكليف بسواه من باب التكليف بالمحال والتكليف بالمحال لا يصدر عن الخالق ، قال الله تعالى : ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) وقال ايضا : ( لا يكلف الله نفسا الا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
تصور مقلوب ما رأيت فكرا منكوسا ساذجا ، وتصورا مقلوبا واهيا ، فى قول ، ما رأيت فى هذا القول :
القاه فى اليم مكتوفا وقال له
اياك اياك ان تبتل بالماء
فيا ايها السارح فى علم الارواح ، لو ان الله اجبر البشر على نياتهم وعقائدهم وافعالهم ، ما استطاعوا ان يختاروا ما يشاؤون : من ايمان او كفر ، ومن خير أو شر ، ومن طاعة او عصيان .
بل لكان ما أوحاه الله من عقائد وتكاليف عبثا ، لان المجبور لا يكلف ، بغير ما هو مجبور عليه من افعال .
وأحسبك قرأت قول رسول الله صلى عليه وسلم : (( ان احدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل اليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات ، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ، فوالله الذى لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه
وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها ، وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها )) .
أجل احسبك تصورت فى هذا الحديث الشريف نزوعا الى الجبر . . مع انه بيان لانفراد الخالق العظيم بالعلم الازلى بكل يصدر عن مخلوقاته من قبل خلقها .
فها هو الملك حين يرسل بروح الجنين المكتوب له الحياة - سواء الرحم فقط او حياة الرحم والدنيا معا - يؤمر بكتابة ما تكون عليه حياته وما يكون منه ، سواء ما يكون منه على طريق الجبر : كأعمال الروح فى عالم الرحم ، وبعض اعمال حياة الدنيا كخضوعه لنواميسها . أو ما يكون منه على طريق الاختيار : كأعمال الإيمان والكفر وسواهما .
وهذه الكتابة بيان لشمول علم الله الازلى لكل ما كان ويكون فى محيط العوالم البسيطة والمركبة ، حتى لا يدخل فى بال احمق مغرور ، ان خالق الخلق يجهل ما يكون عليه خلقه وما يصدر عنه جبرا كان أو اختيارا . لان الصانع - لصنعة ما - محال أن يجهل ما يصدر عن صنعته ، ولو جهل لاستحال أن يكون هو صانعها .
وهذا عين ما جاء به الوحى الآلهى قال الله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) . . وقال ايضا : ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين )) ٣٤٠ - ٣
واقع القدر واقع القدر بالنسبة لجانب الحياة
الانسانية المختارة هو ما يفعله الانسان بمحض مشيئته : من ايمان او كفر ، من خير أو شر ، من قيام أو قعود وهكذا . .
ومن ثم نتبين أن الانسان هو الذى يتجه الى قدره المختار ويعينه . ولا تباين بين مشيئة الخالق العظيم الازلية ومشيئة الانسان الحادثة . . ما يشاؤه الانسان بمحض اختياره ويتجه اليه اعتقادا وعملا محال أن يكون الخالق العظيم يجهله ، أو لم يكن شاءه أزلا . . ليست حرية الارادة الانسانية هى منحة من مشيئة الله ؟ ؟ !
ولو لم يكن الامر كذلك ، لكان الخالق العظيم يجهل اعمال الانسان المختارة قبل خلقها . ونسبة الجهل الى الخالق العظيم جل وعز عين الكفر : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) .
وعلم الخالق العظيم الازلى الكاشف لكل أعمال الانسان المختارة ، لاجبر فيه من الوجهة العملية المشاهدة . . فعلى الانسان أن يفعل الخير ، ما دام قادرا على فعله وحينئذ يكون ما عمله عين ما علمه الله وشاءه ازلا وهذا هو القدر .
ومن اكبر الظلم ان يلقى الانسان المنحرف مسؤولية سوء افعاله ، وما ينجم عنها : من مهالك وبلايا وآلام فى العالمين ، على الاقدار الآلهية فى تصوره الفاسد سلاسل من الفولاذ وسدودا من البلاتين ، تصده أن يفعل ما فيه الصالح له ، دون الطالح . . والتجربة والمشاهدة اكبر برهان على فساد تصوره هذا .
ومن هنا ندرك ان احتجاج الاشرار بالعلم الآلهى الازلى ، وما هو مسطور فى اللوح المحفوظ ، من اعمال العبادة وحركات الوجود ما هو الا احتجاج شيطانى ، يقصدون به تبرير ايثارهم الشر على الخير ، والباطل على الحق ، والرذيلة على الفضيلة ، والظلام على النور .
وقد ارشدنا الله عز وجل ، فى محكم الوحى اليقينى الى افتراء أمثال هؤلاء وأنهم لا يقصدون بمثل هذا الاحتجاج الا تبرير سوء اختيارهم . تأمل قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين أمنوا أنطعم من لو شاء الله أطعمة إن أنتم إلا فى ضلال مبين ) .
ألا ترى سوء اختيارهم للشح مغلفا بمظاهر الإيمان المكذوب بالقدر : ( أنطعم من لو شاء الله أطمعه ) فهم يظهرون أنفسهم أنهم في أدب مع القدر ، فما دام الله يعلم أنهم جياع قطعا ، ولم يطعمهم ، فكيف هم يتخطون قدره ويطعمونهم قسرا ؟
وما اعلمهم أن الله لم يشأ اطعامهم ، لعلهم كانوا ينتظرون أن ينزل عليهم مائدة من السماء ليعلموا أنه يريد اطعامهم ، ولو حصل ذلك لما احتاج مؤمن أن ينتدبهم لأطعامهم .
والحقيقة هى انهم بخلوا ، ولم يجدوا وسيلة لاخفاء بخلهم الا ان يعلنوا للناس أن الله هو الذي لم يشأ اطعامهم - لاهم - على أنهم لو أطعموهم لكان حتما هو عين ما قدره الله ولكنهم بخلوا واخذوا يتثعلبون فى اقوالهم دفعا لتأنيب المؤنيين .
ومن أجل ذلك أخبرنا الله عز وجل أنهم فى ضلال مبين عن حقيقة القدر ، وهم لا يقصدون بمثل هذا المنطق المجرم المتوارب ايمانا بأقدار الله ولا شبه ايمان ، وانما يهدفون الى العبث والافتراء وتبرير شحهم أمام الرأى العام .
نظرة سطحية رعناء ان من حماقة الغرور ، وعماية الوجدان وشرود الفكر وسطحية المعرفة ، أن يعتقد انسان ان الاسباب نفسها هى التى خلقت وتخلق العوالم كافة . ويجحد قدرة الخالق العظيم الفعالة ، فى الواقع ونفس الامر .
يا هذا ان عوالم القوى البسيطة كالجاذبية والمغناطيس وسواهما . . لما تحصر . . ولما يحط بكنهها علم الانسان التقدمى الصاعد . ان القدرة الالهية التى خلقت من جملة عوالم القوى البسيطة ، القوى التى كونت منها الذرات ، ومن الذرات العناصر ومن العناصر المواد ، ومن المواد مختلف الكائنات المادية . أى ان القدرة الالهية التى خلقت العوالم البسيطة والمركبة جميعها ابتداء بكل خصائص تعيناتها . . هى بالذات التى تخلق كل ما يصدر عن الكائنات من وراء ستار الأسباب على استمرار وتكرار .
ولا أدرى كيف يدخل فى عقل انسان أو علمه أن الذرات الصماء غير المدركة ، والعناصر المؤلفة منها ، والمواد المؤلفة من العناصر هن اللائى خلقهن عوالمهن الحيوانية والنباتية والجمادية السائلة والغازية وسواهما على اختلاف اسبابها ونواميسها وتعيناتها وأعمالها الباهرة وغاياتها التى لما تحصر فى علم الانسان وأن تحصر . . وهو يعلم ان نفس القوى المكونة منها الذريرات (( ٢ )) والذرات لا تملك عقلا ولا علما ولا ارادة ولا اختيارا . على ما فى صميم تكوينها من العقل والعلم والارادة والاختيار
هذا ما سيشاهده عباقرة العلماء فى مختبراتهم ، بعد انفلاق الذرة والذريرة وتجريدهما من كثافة المادة وعودتهما الى القوة البسيطة التى كونتا منها ابتداء . . وتدوين ما انكشف وينكشف من معارفها .
نعم قد يتصور هذا الهراء ويعقله ويعلمه ويدين به الاغبياء والمجانين والهوسى النيام أما العقلاء المفكرون ، أما العلماء العبقريون أما الأيقاظ الواعون ، فمحال أن يتصوروا أن
مثل هذا يحصل . . بله اعتقاد حصوله الا اذا كانوا من المؤمنين بأسطورة بناء قصر أنس الوجود المتقدمة .
وما من عالم - تثبت معارفه الفائقة العميقة انه عالم - يسمح لنفسه أن يدين بالاساطير . وأولئك الملاحدة الاسطوريون لا تجدهم الا من الذين سقطوا دون قمة التفوق والتجديد ، فى اكتشاف معارف الوجود . فما وجدوا وسيلة يشغلون بها الافكار عن سقوطهم ، سوى التظاهر بالالحاد والحملة على حقائق الايمان المتجلية فى معارف الوجود . . والسبب الذى جعلهم يتصورون أن التظاهر بالالحاد يشغل العقول عن سقوطهم دون القمة ويخيل للناس أنهم بلغوها . . هو ما يجرى عادة على بعض ألسنة عباقرة العلماء فى بداية دراستهم للعلوم والفلسفة من كلمات الحادية تقليدية ، يتعجلون بها اعلان أنهم بلغوا القمة . ولكنهم حين يبلغونها فعلا ويلمسون حقائق الايمان الكبرى ناطقة فيما بين ايديهم من معارف الوجود بسيطة ومركبة ، ويعلنونها للمجامع العلمية كافة وهم فوق القمة فانهم يرددون حينئذ ويردد العالم الانسانى معهم (( سبحانك ، سبحانك - يا خالق الوجود . يا من تجلى علمه وارادته وقدرته وجلاله فى كل كائنات الوجود لا اله الا انت ، لك الملك ولك الحمد . . ))
مسؤولية الانسان مسؤولية الانسان ناتجة عن اعماله الارادية المخيرة . وأقرب مثل نقدمه لكشف واقعها هو المثل السالف مع بعض التوضيح قيل :
(( ان مخترعا أحكم صنع سيارة تسير بتيار كهربائى يوجهه اليها من مختبره , وقد أعد لمن يقودها احسن المثوبة ، أن
التزم توجيههاته وجنبها المخاطر . . وأسوأ العقوبة ان خالف وانحرف )) .
ومن أجل هذه المسئولية المفروضة ، ترك لمن يسوقها حرية قيادها ، بكل ما يملك من ارادة حرة مخيرة . كما ترك طوع يديه قوة التسيير ، على كل الاحتمالات . . ورعاية لحق المسؤولية عين له الطريق المعبدة المأمونة وحذره سوء المنقلب .
(( هب أن هذا السائق استعمل حريته الاختيارية فى الاعراض عن الطريق المستقيمة المعبدة ، وانحرف عنها عامدا حتى اودى بالسيارة . ))
فهل يقبل القضاء احتجاجه على رب السيارة اذا قال له : (( ما دمت مشاهدى وما دام فى يديك وحدك قوة التسيير فلم لم تحجزها عنى وتبطل حرية ارادتى لتحول دون تحطيم السيارة ؟ )) .
لا لا ، لن يقبل القضاء احتجاجه هذا لانه اخفى أنه كان يقود السيارة بكل ما يملك من ارادة حرة مخيرة دون معارضة . . حتى ولو حطمها . . كما أخفى أنه لو قطع عنه قوة التسيير لاحتج على ذلك بقوله
(( أين هى الحرية المخيرة التى منحتنى أياها ، على كل الاحتمالات ، وها انت ذا تقف فى وجهها )) .
ولو قال له رب السيارة حين ذاك : ان وراءك خطرا محققا اقتضى ذلك . . لرد عليه : انى مسؤول انى مسؤول ! !
ومهما يكن فاعتراضه على انزال العقوبة عليه تضليل مكشوف . لأن اتجاهات ارادته الحرة الى الخير او الشر مائلة فى كل اعماله ولن توارى . .
واخيرا اخاله نسى أنه يحاول أن يضلل من لا يضل ولا ينسى . .

