الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

خمس وعشرون نجمة

Share

من الاعمال ما يكون ضربا من ضروب التحدى ) 1 ( يغالب التيار فيعكس مجراه ويتصدى للمعطل من القيم والموروثات فيبددها ويشيع فى المدينة عادات جديدة تخرج بالناس من أقسية الخوف والوهم الى ساحات العمل والبذل والخيال .. وهذا العمل - التحدى الذى يعتنق فكرة عظيمة رغما عن قسوة الواقع وصعوبته .. والذي يتجاوز المكانية والزمانية ويحدد مساره فى مستوى لا يذعن ولا يخضع الا لذى عزم شديد واقتدار كبير وصبر لا ينفد على الشدائد وعلى الناس وعلى الزمن

و الفكر ، من فصيلة هذه الاعمال الفريدة النوع العميقة الاثر فى حياة الناس .

بدأت الفكر مع انبعات أول دولة تونسية منبثقة من صميم الشعب فواكبت مسرة تونس الجديدة الخارجة من ظلمات الاستعمار مساهمة فى انارة سبيل المناعة أمامها وغذت بما توفر لديها ولد النخبة العامله معها من وطنية وحماس وغيرة ، أصول هذه الشجرة التونسية المباركة الضاربة بحذورها في أرحام التاريخ الرافعة أغصانها نحو الشمس .

فكيف لا تستمر هذه المجلة حية نابضة بالحياة دون فتور أو زوغان عن خطها طيلة خمس وعشرين سنة وهى التى تاقت منذ خطواتها الاولى الى دفع حدود الممكن .. واعتنقت غاية عظيمة الا وهي بناء انسان تونسى متحرر من اغلال التبعية الفكرية والتفسخ الحضاري مؤمن بذاتيته المميزة تواق الى الضرب بسهم نافذ في حركة الخلق والانشاء ؟

ان الاعمال العظيمة لا يوقفها الزمن ولا تعطلها الاحداث ذلك انها هى التى تحرك الزمن وتخلق الاحداث .

كان امل " الفكر منذ انبعاثها أن تكون ملتقى المثقفين العاملين لخير الوطن والفكر في تونس ولخير الحضارة العربية الاسلامية . والآن وقد مر ربع قرن على انبعاثها يمكن ان نقول ان أملها ذاك قد أصبح واقعا ملموسا والدليل على ذلك هذا العدد الكبير من الاسماء التى تعد بالمئات الذي حفلت به المجلة طيلة ربع قرن والذى جمع بين كل الاجيال وكل التيارات وكل المشارب الفكرية فى كنف الاحترام والتكامل والتواصل

وان فى ذلك سببا من أسباب بقائها . ذلك أنها لم تتتوقع أبدا ولم تغلب مدرسة على اخرى أو جيلا على جيل بل ظلت فاتحة صدرها لكل المواهب والطاقات لتسجل وجودها وتعبر عن همومها فى وقت كان فيه مجال التعبير أحيانا ضيقا للغاية .. وكانت دوما سباقة لابراز كل موهبة مغبونة لمست فيها علامات الجدة والطرافة والنبوغ .. وما من موهبة طريقة الا وقاس فى بدايتها العنت والغبن .

فظهرت اسماء ولمعت أقلام وبرزت مواهب ما كان لها ان تبرز وتلمع لولا ما تميزت به هذه المجلة من رحابة صدر وايمان بان الاختلاف فى الانماط والمشارب والمفاهيم بين مختلف التيارات الفكرية والادبية هو على الاصح علامه صحة وعنوان حيوية وفتوة حيث انها عرفت كيف تفرق بين الجدل والجدال .

وكيف لا يكون الامر كذلك وصاحب هذا الانجاز الفكرى الضخم وصانعه ، رجل حوار ..

رجل جعل من الفكر رسالة ومن الجهاد فى سبيل تونس قدرا .

ان الثقافة التونسية مدينة لهذا الرجل الفذ بجانب وافر مما هى عليه الآن من حركية وثراء مثلما يدين له الوطن بالاعمال الجليلة التى يعرفها الجميع التى انجزها كمسؤول على الصعيد القومى فى ميادين الاعلام والدفاع والصحة والتربية .

وقد ظل اجتماع رجل الفكر ورجل العمل فى شخص استاذنا محمد مزالى بمثل بالنسبة لنا قدوة حسنة نهتدى بها ونسير على منوالها فى سعينا للمساهمة فى حركة التنمية والانشاء .

ان الفكر اذا حل فى الواقع تجرد من ضبابيته وأصبح طاقة تدفع الى الامام وتعبد الطريق وترسم ملامح المستقبل .

فى هذا المعنى قال الاستاذ محمد مزالي : " الفكر لا يشرف الا اذا حل فى الواقع وتسلط عليه واقتحمه وجها لوجه وعالجه حتى فجر أسراره وراضه حتى أذعن .

هذا هو المعنى الكبير الذى نستخلصه من جهاد محمد مزالي رجل الفكر الذى وظف فكره لا لخدمة نظريات ضبابية مطلقة بل لخدمة مشروع بنا انسان تونسى جديد .

اننا اذ نهنئى الاستاذ محمد مزالى بهذا المنار الفكرى الشامخ وهو يهتك حجب المستقبل بخمس وعشرين نجمة فانما نهنئى فى الواقع أنفسنا ونهنئى بالتالي الثقافة التونسية والفكر التونسي

والآن وقد تبوأ أستاذنا مرتبة من المسؤولية عالية يحق لنا ان نقول ان حظا فريدا قد حالف تونس بان أوكلت قيادة حكومتها الى رجل هو رمز للنضال من أجل قيم عليا والاخلاص للمبدأ والمقدرة الفائقة فى معالجة شؤون الامة

ولهذا فان مساندته تعتبر لا مساندة لشخص بقدر ما هي مساندة لمشروع حضارة .

اشترك في نشرتنا البريدية