كانت خزانة الحكمة العباسية تلك البداية الماجدة لمسلسلة طويلة من المكتبات العامة والخاصة التى كشفت عن دور الكتاب الكبير فى صنع التاريخ الفكرى عند العرب والمسلمين .
وبالاضافة الى خزانة الحكمة فى بغداد كانت هناك مكتبات الخلفاء الفاطميين فى القاهرة ومكتبات مثلها واكبر منها عند امراء الاندلس وخلفائها ومثلها أو اقل منها قليلا عند عدد كبير من الامراء فى الشمال الافريقى وبلاد الشام وبلدان الجزيرة العربية وبلاد فارس وما وراءها حتى بلاد السند .
لقد كان انشاء هذه المكتبات العامة والخاصة أشبه ما يكون بالتيارات المائية التى تدفقت على إثر انهيار السدود فراحت تنتشر شرقا وغربا تغمر الوديان والسهول وتحيل القمم العالية الى جزر متباعدة . وازدهرت حرفة الوراقة وحقق الوراقون كثيرا من الكسب وتزاحم الناس على تعلم فن الكتابة والاستنساخ حتى كان الجهلة من التجار يباهى بعضهم البعض الاخر فى الاستكثار من الكتب وحيازتها وصنع الخزائن الغالية الثمن لوضعها فيها وفى هذه الظاهرة تعبير قوى صارخ عن أهمية الدور الذى لعبه الكتاب على امتداد القرون الاسلامية .
ولما كان الشئ بالشئ يذكر فان من الحق علينا أن نتحدث قليلا عن بعض القضايا المتعلقة بمادة الكتاب اللغوية .
نحن نتحدث بالطبع عن الكتاب العربى لا الكتب التى كتبت فى بلدان إسلامية غير عربية . فان مادة هذه الكتب رغم احتوائها لقضايا دينية اسلامية أو أفكار نابعة من الاداب العربية ونشاطاتها الثقافية المختلفة تبقى مادة اجنبية متأثرة بالادب العربى الاسلامى .
والكتاب العربى مكتوب بلغة عربية ذات دلالات خاصة تعارف القدماء والمحدثون من علمائها على اعتبارها ذات أصالة او عبقرية فريدة . وقد حدث أن اثير موضوع الدلالات او عبقرية الدلالات فى العربية فى مجلس من مجالس الادب فى الكويت وبتعبير اوضح فى ندوة عقدت فى جمعية الادباء الكويتيين
الموضوع هو كما يلى : هل أن هناك دلالات عبقرية خاصة فى اللغة العربية تميزها من دون اللغات الاجنبية التى نعرفها اليوم ولا سيما اللغات الاوروبية ؟
القائلون من المشتركين فى الندوة بوجود هذه العبقرية الخاصة فى الدلالات العربية يستعينون برأى العقاد فيرددونه فى المجلس على أنه القول الفصل فى الموضوع . ولكن آخرين من المشتركين فى الندوة يرون غير هذا الرأى ويعتقدون أن لكل لغة دلالاتها العبقرية وأصالتها فى الاداء بحيث لا تتميز فيها لغة من اللغات الاخرى .
وكان رأينا وسطا بين الفريقين . فنحن نؤمن بوجود هذه العبقرية الخاصة فى الدلالة عند كل لغة من اللغات الحية ولكن هذا لا يمنعنا من أن نسجل الملاحظات التالية :
( 1 ) أن اللغة العربية هى من دون سائر اللغات الحية المعاصرة تبدو لنا اللغة الاقدم فى قياس الزمن . فهى لم تظهر كأداة تعبير عن حاجات الانسان وأفكاره وعواطفه منذ الف أو ألفى عام بل ظهرت منذ سبعة الآف عام حققت فى اثنائها سلسلة من التغيرات الذاتية فى ضوء معاناة التجربة والخطأ . واذن فهى لغة حضارة منذ بداية التاريخ المسطور المعروف من قبل الدارسين . والحقيقة ان ما يسمى باللغة السامية هو شئ لم يثبته التاريخ والوثائق بل هو اللغة العربية بالذات وليست اللغات المسماة سامية غير لهجات عربية هاجرت بها موجات بشرية من الجزيرة فانفصلت عن الجذر الذى هو الام والذى استمر رغم انفصال المهاجرين عنها يتطور بمرور الزمن .
فاللغات البابلية والاكادية والاشورية والسريانية والنبطية والعبرية وغيرها كانت كل منها فى حقيقتها صورة لمرحلة من مراحل تطور اللغة الام الموجودة فى الجزيرة العربية . ثم جمدت كل صورة من هذه الصور اللغوية المهاجرة على وضعها الذى كانت عليه ولم تلبث أن تخلفت عن ركب الحضارة الانسانية فتجاوزتها فى القرون اللاحقة لهجة بعد لهجة من حفيداتها التى كانت تخرج من الصحراء العربية هكذا اصبحت تلك اللغات أشياء ناووسية فقدت قدرتها على التحول والتطور واحتفظت بصفتها الوحيدة التى هى صفة الأثار القديمة اى أصبحت سجلا تاريخيا فى جملة من السجلات السابقة واللاحقة .
ويبدو أن القائلين بوجود لغة سامية أولى قديمة قد افترضوا هذا الوجود لانهم لأسباب تمت الى العصبية بصلة يرفضون اعتبار العربية أما وينبوعا لهذه
اللغات المهاجرة من الجزيرة على امتداد القرون . وبذلك اعتبروا العربية واحدة من اللغات المنفصلة عن الجذر الاساسى الام .
ولعل أهم ما يرد دعوى المدعين بوجود جذر سامى غير العربية هو أن هجرة اللغة العربية التى تمت بظهور الدعوة الاسلامية لم تكن ثمرة فرع من أصل . بل هى ثمرة الاصل اللغوى نفسه للجزيرة . وليس أدل على ذلك من أن لغة الجزيرة العربية حتى يومنا هذا وبعد مرور اربعة عشر قرنا على خروج العرب المسلمين من اوطانهم ، ما تزال هى هى لغة القرآن الكريم الذى نزل بلسان قريش . لكأن قدرة الجزيرة على الاداء التعبيرى قد حققت ذاتها كاملة فى بداية العصر القرآنى .
وما يقال من أن تقديس العرب المسلمين للغة القرآن الكريم هو الذى حال دون نشوء لغه جديدة فى الجزيرة العربية قول يرفضه المنطق السليم والعقل الموضوعى . انه لم يحدث فى تاريخ لغة من اللغات أن تقديسها عند الناطقين بها قد حال دون تخلفها حين عجزت عن التطور او ضعفت عن الاستجابة لتحديات العصور .
اليونانية القديمة رغم ما حققته من الانتصارات فى مختلف ميادين الثقافة لم تقاوم تغيرات العصور وضغوطها . وكذلك اللاتينية التى لم تلبث حتى ثلاثشت كلغة حية رغم القداسة التى تميزت بها عن طريق الكنسية الكاثوليكية ورغم الآداب التى أخرجها اصحاب هذه اللغة الاولون . تضاف هاتان الملاحظتان الى ما لا حظناه من تلاشى اللغات القديمة فى حضارات الشرق الاوسط رغم أن كلا منها قد لعبت دورا بالغ الاهمية فى حياة كل واحدة من هذه الحضارات .
ولما لم تكن هناك لغة سامية غير العربية يمكن ان تكون ينبوعا لما يسمى باللغات السامية .
ولما كانت اللغة السامية فرضية وصفها خيال فريق من العلماء المتأثرين باعتبارات صليبية معروفة .
ولما لم يستطع هؤلاء العلماء أن يقدموا الينا نموذجا لهذه اللغة السامية رغم حماستهم فى البحث عنه .
ولما كانت اللغة العربية هى الاداة التعبيرية التى وقف عندها التطور الجذرى فى الجزيرة العربية رغم استمرار الهجرات البشرية الصغيرة والكبيرة بعد
ظهور العصر القرآنى . فأن الثابت أن العربية هى قمة الاداء فى هذه الجزيرة وبالتالى هى مستودع الدلالة الاصيلة لشجرة التعبير اللغوى فى منطقة الشرق الاوسط والشمال الافريقى وكل أرض ينطق أهلها بالعربية .
واذن فاللغة العربية تتميز بقسط من التجارب والمعاناة فى تطورها الذاتى لا تتمتع بمثله أية لغة من اللغات الحية المعاصرة فى الغرب والشرق .
أما فى الغرب فان أقدم لغاته الحية لهجات نابعة من اللاتينية او اليونانية القديمة اشتركت فيها عناصر لغوية حملتها معها الهجرات البشرية من الشمال والشرق الاوروبيين ولا يعود تاريخ الواحدة منها الى أبعد من القرون الوسطى .
لكن هذا لا يمنع القول بأن لكل لغة دلالاتها العبقرية الاصيلة مع فارق واحد لمصلحة العربية هو أقدميتها التى لا تدانيها فيها أية لغة غربية حية .
وأما فى الشرق فان أبرز اللغات المعروفة هى الفارسية . والمعروف أن الفارسية لغة حديثة نسبيا وهى غير الفهلوية القديمة الدارسة بالإضافة الى نصيبها الكبير من اللغة العربية التى انتزعت منها أصالتها التاريخية واستقلالها التام . وتفصيل ذلك عند علماء فقه الفارسية والمتخصصين يعلم اللغات المقارنة ثم تأتى اللغات الهندية والصينية واليابانية التى هى ابرز لغات الشرق الاقصى والتى تثبت النظرة السريعة اليها انها ما تزال فى مرحلة متخلفة جدا عن بقية اللغات الحية المتقدمة فى العالم المعاصر .
( 2 ) اذا تقرر لدينا أن العربية هى أم ما يسمى باللغات السامية فان من الطبيعى جدا ان نلاحظ ظاهرة أخرى فريدة ليست فى أية لغة أخرى . الملاحظ ان الكلمة قد لعبت دورا اساسيا فى صنع الحضارات بل هى أحد عامودين ارتكزت اليهما كل الحضارات : الكتابة والدولة . وفن الكتابة لاحق لظهور اللغات . أما الدولة فهى اطار قانونى ادارى اخترعه البشر لتوفير الحاجات المادية وحسن توزيعها وللحفاظ على الامن والطمأنينة . هذا الاطار هو كما يحفى ثمرة ظهور اللغة أو فن الكتابة الذى هو ثمرة الوعى المجتمعى فاللغة هى المحتوى والدولة هى الاطار . واذن فان دور الكلمة فى العربية هو أقدم دور كما انها تعبير عن أقدم وعى مجتمعى . وهذا هو السر فى ان الانسان العربى قد وجد فى سحر الكلمة من القوة بحيث أنه اعتبر هذا السحر قمة الاعجاز فى الاداء والتأثير والتوجيه المجتمعى . وفى تاريخ النبوات ما يكشف عن أهمية وعى العربى لهذا الاعجاز اللغوى وسعيه اليه .
لقد كانت معجزات الانبياء الاولين كما جاء فى الكتب السماوية السابقة هى
معجزات مادية . ومعنى ذلك أن وسيلة التأثير على انسان تلك العصور السابقة ليست هى اللغة باعتبارها قيمة فنية أو محتوى فكريا نابعا من عقل متطور بل هى الافعال المادية المحسوسة .
لو بدأنا فى استعراض تاريخ الانبياء لوجدنا نوحا عليه السلام نبيا داعية الى الله دون كتاب وكان سلاحه فى مقارنة خصوم الدعوة معجزة الطوفان . اما ابراهيم الخليل فهو رغم الصحف التى أوحى بما فيها اليه فقد تميزت دعوته بمعجزة وقوعه فى النار دون احتراقة بها . وهكذا شأن النبيين موسى وعيسى عليهما السلام ومن بينهما وقبلهما من الانبياء رغم ظهور التوراة والانجيل . فقد تميزت دعواتهم بالمعجزات المادية القارعة من فلق البحر بالعصا وتلقف عصى السحرة الفرعونيين وحبالهم بهذه العصا نفسها او احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص . وكان تأثير التوراة والانجيل تأثيرا تاليا فى أهميته لدور المعجزات المادية .
ثم يأتى عصر خاتم النبيين محمد عليه السلام فادا بالمقاييس تختلف وتصبح المعجزة التى تدهش وتعجب وتبهر هى معجزة الاداء اللغوى ويعبارة أخرى يتحول الاعلام الدينى من المعجزة المادية التى تبهر الحواس الى المعجزة التعبيرية فى شطريها الفنى والفكرى . وقد كانت السباقة فى شطرها الفنى ثم لحق بها شطرها الفكرى من بعد . وليس أدل على ذلك من أن القرآن الكريم قد كان فى سوره المكية تعبيرا اجتمع فيه سحر الاداء وروعة الصورة وقوة الخبال ثم ظهر فى سوره المدنية الوجه التشريعى منه مع احتفاظه بقوة الاداء المكية .
وليس هذا فحسب . فان الوحى الالهى قد اعتبر الاداء القرآنى ظاهرة اعجاز تعبيرى تحدى قريشا ، أن يأتوا بمثل سوره أو بعض أيات منه . ولم يستطع المعارضون للدعوة أن يجدوا فى هذا الاداء ثغرة ينالون بها منه .
وما يزال القران الكريم من دون أى كتاب فى العالم المصدر الدائم للتحدى القائم حتى اليوم . وهى ظاهرة لا نجدها فى التاريخ الادبى لاية لغة من لغات العالم .
ولئن كان القرآن الكريم معجزة اعلامية تعتمد الكلمة الفنية والفكرة المؤداة بقوة وسيلة للتأثير على الانسان واثارة دهشته واعحابه وتحقيق قناعته فمن حقنا الزعم بأن هذه الميزة التى تتميز بها لغتنا تعنى أن للدلالة العربية من قدم التجربة ومرونتها وتحقيقها لاقصى اغراض البلاغة وفصاحة دورها الخاص من دون اللغات الحية التى تعاصرنا اليوم رغم اعترافنا بأن لكل لغة من هذه اللغات دلالاتها العبقرية المتميزة .
( 3 ) شئ ثالث يلفت نظر الباحث المدقق فى يومنا هذا ويتحدد هذا الشئ بالسؤال التالى :
ما هو مصير العربية بعد ظهور مرحلة الانحطاط الحضارى لعدد من القرون المتأخرة فى حياة العربى ؟ وما هو مصدر التخلف الفنى والفكرى فى عالم العربى المعاصر ؟
الجواب عن هذا التساؤل يمكن فى تقرير الحقيقة التالية :
انه لم يحدث فى تاريخ الشعوب أن أمة استطاعت أن تحتفظ بتراثها اللغوى بعد تخلفها عن الركب الحضارى العام غير الامة العربية . وهى ظاهرة لا نجد لها تفسيرا كافيا عند أهل الاختصاص اللهم غير القول بأن القرآن الكريم هو الذى حفظ لغة العرب وحال دون دروسها واندثارها رغم انهيار الحضارة العربية الاسلامية . وهو تفسير لا يقوى على مواجهة الوقائع والحقائق . فهناك كتب دينية بقيت حتى اليوم لكنها لم تستطع الحفاظ على اللغات التى نزلت بها لان هذه اللغات قد عجزت بطبيعة بنائها عن مرافقة الركب الحضارى فى العالم . واذن فان الذى حفظ للعربية استمرارها أن الوحى القرآنى قد نزل بها بعد أن توفرت لها الشروط الصالحة لاستمرارها ولقدرتها الذاتية على الاستجابة لتحديات العصور .
(( والله يعلم حيث يبعث رسالته وفى أية لغة ينزل وحيه )) انه منطق المؤمنين دون ريب ولكنه منطق صحيح حين نتعرض لمناقشته فى ضوء الوقائع الحية . ان مجرد استمرار لغة القرآن حية حتى اليوم هو الدليل على صحة هذا المنطق .
وقوله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم : (( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون )) نابع من سنة الحياة التى هى من صنع الله والتى تعنى فيما تعنيه دوام ما هو صالح للدوام وبقاء ما تتوفر فيه شروط البقاء المرن القوى .
فالعربية باقية رغم تقادم الزمن ورغم عجز العربى عن متابعة حركة الاستنارة العالمية ، لانها تتمتع بقدرة ذاتية خارقة ولان القرآن قد نزل بها وحيا وهى على هذه الصورة من القوة والتكامل .
والثابت أن جهودا فائقة قد بذلت من قبل الغرباء والمتواطئين معهم من أبناء العرب بوعى او بغير وعى من أجل تغليب العاميات القطرية . واثبتت التجربة ان حظ هذه العاميات من الغلبة حظ يقارب الصفر رغم كل الخطط الموضوعة لخلق ادب عامى ومسرح عامى واعلام عامى وكتابة للعامية وحرف مستعار من اللغات اللاتينية . وما تزال المعركة محتدمة حتى يومنا هذا .
ولا يشك أحد فى أن الفكر المستورد قد حقق غزوات واسعة فى عقول النخبة من أبناء العرب المثقفين وبات فى حكم المسلم به عند كثرتهم الساحقة أن العربية عاجزة عن اللحاق باللغات العلمية الاجنبية بعد أن اثبتت التجربة عجز دعاة العامية عن إثبات تخلف العربية فى مادة العلوم الانسانية وضؤولة العاميات القطرية أمام عملاقية لغتنا الفصيحة . كما لا يشك أحد أيضا أن عصر الاستنارة الذى بدأ منذ قريب فى العالم العربى قد استطاع رغم كل المعوقات التى تطرحها وتصطنعها أجهزة اعلام اجنبية أن يكشف عن مرونة العربية وقدرتها على الاستجابة للتحديات وهى التى كانت حتى بداية هذا القرن مجموعة من المحسنات البديعية ومهارات فى تحقيق لعب كلامية .
وكانت الاداب التى ظهرت فى العقود الاولى من سنوات هذا القرن حتى الحرب العالمية الثانية برهانا على متانة اللغة العربية وحيويتها وقدرتها على اختصار المسافات التى تجاوزتها بها آداب اجنبية .
ومما يؤكد أن التخلف الذى نعانى منه اليوم هو من صنع عناصر بشرية تخريبية ظهور هذه الموجة الشديدة من الاستغراب الذى يرافقه استهتار مقصود بعمود الشعر والنثر وبقواعد العربية وافتنان فى اصطناع المبررات السخيفة لموجات التخريب تحت شعارات التقدمية فى الاداء والتحرر من القوالب وهى لا تعنى غير تغليب الجهالة وتسويغ الفوضى وتغذية الغوغائية فى الفكر والاداء
ومع ذلك فان ما يؤكد الانهيار المرتقب لكل هذه المحاولات هو الفشل الذى يرافق جهود الدعاة الى العامية والسطحية ، وتلاحق الازمات الذى يعنى فى منطق النظرة العلمية الحديثة نمو مقاومة داخلية شديدة فى صميم الوعى العربى واذا كانت هذه المقاومة لم تبلغ اغراضها المنتظرة فلانها فى حاجة الى عنصر الزمن من ناحية والى الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الملائمة من ناحية أخرى . وليس ما يجرى اليوم غير توكيد للفراغ الذى تعانى منه عقولنا وثقافاتنا . أو ليست النكسات والهزائم التى نسجلها منذ بداية المواجهة بيننا وبين الغرباء هى عنوان هذا الفراغ والآية على انحراف الخط التعبيرى .
واذا كان التباين بين اللغة العربية المتقدمة وبين العرب المتخلفين ظاهرة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها .
واذا كانت العربية حصيلة خبرات وتجاوب حضارية موغلة فى القدم تكاد تتصل ببداية التاريخ القديم للاستنارة البشرية .
واذا كانت اللغة العربية قد حققت خطوات تقدمية رغم الرجعة الشديدة التى اتصفت بها الاجيال العربية المعاصرة .
واذا كانت قصة الاضاليل التى تناولت التراث العربى عقيدة وفكرا وأدبا قد عجزت عن ربط مصير اللغة بمآسى الهزائم والكوارث فى صميم الحياة القومية العامة لشعوب العربية رغم الترويج الشديد لالوان العاميات في ألوان من أساليب التعبير والثقافات المستوردة ، فان الثابت بعد هذا كله أن لغتنا العربية بما تحتويه من التراث ستحتفظ بمكانتها الخاصة وتقدميتها واصالتها حتى يستيقظ العرب على دورهم التاريخى الحقيقى .
ولا غرابة فى هذا التقدير الذى نقدره وان كنا عاجزين عن تفسير استمرار العربية لغة متقدمة على أمتها العاجزة . ولعل تخلفنا فى ادراك القوانين الدقيقة لمعادلات التطور البشرى بعامة ، والعربى او الاسلامى بخاصة هو وحده الذى يدفعنا الى اعتبار التقدمية فى اللغة العربية دون الشعوب الناطقة بها ظاهرة مستعصية على التفسير المنطقى . فالاستعصاء على التفسير ناجم فى الحقيقة عن تعدد العوامل التى تكشف عن طبيعة المعضلة . ان منها العوامل التى اشرنا اليها قبل من مثل قدم التجربة الحضارية فى العربية ووجود القرآن الكريم وان منها عوامل جغرافية ذات طابع استراتيجى خاص . وان منها قانون التناقض الذى يضع شرقى المتوسط وغربيه فى حالة تفاعل مستمر . كما ان هناك عوامل تتصل بالتكوين النفسى الجغرافى لشعب الجزيرة العربية من ناحية والشعوب العربية فى الاقطار العربية الاخرى من ناحية ثانية . فالحاجة ماسة الى قدر اكبر كثيرا من التأمل والدراسة الاكادمية لتسليط الضوء على خلفية هذه الظاهرة القومية الخاصة .
واذن فليست العربية كلغة هى مصدر التخلف لكن المصدر الحقيقى هو الوضع الشاذ للشعوب العربية . هذه الشعوب التى ما تزال تتردد خائفة مذعورة من مواجهة الحقيقة واتخاذ المصارحة خطة لها ووسيلة . ان شأن الجيل العربى المعاصر هو شأن المصاب بعقدة نفسية مريضة أحدثت له حالة انفصام تعجزه عن مواجهة الواقع فهو يرفض الاعتراف بما يجرى حوله لانه يخافه و يؤثر اللجوء الى عالمه الخيالى الخاص بعيدا عن دنيا الحياة والاحياء .
وقد يتساءل بعضهم عن السبيل العملية لخلق جيل ذى صفات غير الصفات التى نعانيها فى الجيل المعاصر . . . وقد يظن البعض الآخر ان السبيل الى هذا الخلق هى فى تصحيح أساليب التعليم وتدريس التراث الاسلامى . لكن الواقع
غير ذلك . الواقع ان تصحيح أساليب التعليم وان تدريس التراث الاسلامى هما النتيجتان الحتميتان الناجمتان عن تغير أخلاق الجيل لا مقدمة له .
ان أمة قوية ذات اخلاق ترتبط بشرف الكلمة ورجولة الفكر لا يتحققن وجودها ما لم تتحقق لها مواجهة عملية فى دنيا معركة الغداء والتضحية . ان قانون التغير فى مصير الشعوب هو الذى جاء على لسان الوحى الالهى فى قوله سبحانه وتعالى (( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) .
وما دام أن هؤلاء القوم لا يجرؤون على تغيير ما بأنفسهم من الخوف والضراعة والسعى الى الحلول الهينة حتى ولو كان ذلك على حساب حياتهم وكرامتهم فقد قضت سنة الله فى خلقه ألا يغيرهم أبدا فيبقون حيث هم تطاردهم كوابيس الذعر المريض .
ان مواجهة العدو بعقيدة واضحة الابعاد عميقة الجذور هى وحدها بداية الطريق الى التغيير . فالشعوب لا تحقق نهضاتها بالدوران حول المعضلة بل باقتحام المعضلة والفكر الواقعى لا يتكامل وجوده بالاحلام المريضة او ما يسمى باحلام اليقظة . ان التراث لا يحمله غير ركب المواطنين الاحياء وان اللغة النامية لا تصبح اداة التعبير القوى الحافل بالحرارة والفتوة الا بالسنة الرجال والنساء ذوى الارادة المصممة على النصر . واذن فلن يكون التراث مصدر النتاج العبقرى للامة . ولن تكون اللغة مرآة لهذا النتاج ما لم يتحرر قومنا من وضع المستسلم ومن السلبية الروحية المريضة . ان أمة لا يستهويها العيش فى الخطر ولا تشدها الرغبة فى الانتصار على الذات ومجاهدة النفس الميالة الى مواقف الصفف والهزيمة هى أمة مغلوبة على أمرها .
وقد يظن البعض أننا نتجنى على معطيات المنطق السليم حين نعتبر التغير فى أخلاق العرب شرطا لتغير لغة الفكر ومحتوى الثقافة ولظهور الفاعلية فى دور التراث العربى الاسلامى . لكن التشابك فى طبيعة الحياة ، وهى سنة من سنن الخلق الالهى قررتها مباحث العلوم الانسانية المختلفة ، هو وحده الذى يؤيد صدق ما ذهبنا اليه من ربط مصير اللغة والتراث العربيين بمصير ظاهرة الكفاح العربى من أجل حرية صريحة عارية من مناورات الانهزاميين والمنحرفين والجهلة .

