ما أضمك ايها الانسان وما أقصاك . ما ابعدك عن محجه الصدق ومظنه الصواب . يا لترهاتك المزيفة ، وحججك الواعية ، وتلونك تلون الحرباء والمنافقين .
أجل . لقد نعت أول نيسان بالكذب زورا وبهتاننا ، وحدثت عليه دون اعتراض ومناقشه منه . فالصقت به هذه الكذبة الشنيعه المصطنعة الى ابد الا بدين ، وهو برئ منها ، بعيد عنها . . فلماذا وقع نظرك على شهر نيسان بالذات وقر رأيك عليه لتجعل اول يوم منه
محللا للنفاق ؛ ! ترى هل استضعفته فوصفته ، أم حلا لك الخروج من رقدة الشتاء المملة الى الاستجمام بخيوط اشعة شمسه الذهبية الرائقه المسللة بين طيات الغمام البيضاء ؟ وقد تبرمت بأشهر الشتاء . وضيق الحال وبعد الاصدقاء فخرجت من عزلتك تكذب على من حولك تفريجا
لكربك ، وترويحا لنفسك . .ثم اتبعت نيسان بالكذب الصراح جهارا وعلنا ، والناس بين مصفق لك ومزمر ، وغاضب عليك ومولول !
ترى ايقال الكذب في اليوم الاول من نيسان فقط دون ايامه الاخرى ، ودون ايام الشهور الباقية ؟ ! واذا كان هذا صحيحا فهل نعتقد ان الايام الاخرى مبطنة بالصدق الخالص لا يمازجها كذب ، او خداع او غش ؟ ثم هل تلك الايام فاضلة ، طاهرة ، عفيفة ، لا تشوبها الشوائب الدهماء ولا تعكر صفوها المنكرات السوداء ؟ كلا . . ثم كلا !
يا لغباوتك الباهتة وادعاتك المافونة . .
يا لجهلك الرقيع وتساميك المصطنع ، وظنك الخليع !
انظر ها هو العالم امامك واسع الارجاء . متعدد الانحاء بما فيه من كائنات حية وجوامد وسوائل وغازات وهباء . . كلها امام عينيك واصحة جلية ، على مسافات بعيدة وقريبة
منك . . كلها قائمة قاعدة تضج بالحركة والتزويق ، وتلح فى الظهور والادعاء !
هل تعلم ايها الانسان كم من اناس تهلك ، ومال يتبدد ، ونفوس تزهق من جراء كذبك ؟ وكم من اناس أبرياء صالحين يذهبون ضحية غدرك ؟ ! المقصود وغير المقصود !
ألم ياكل أبوانا الاولان آدم وحواء الحصرم فكانت النتيجة ضرسنا ؟ ألم نكن ضحية خطيئتهم الكبرى عندما أثر عليهما الشيطان بدهائه ومكره ودلهما على الشجرة فاكلا من تلك الشجرة المحرمة فبدت لهما سواتهما ، فأدركا انها ليست شجرة الخير ، وانما هي شجرة الشر . .
ولذا فقط طردا من الفردوس وحكم عليهما بكل انواع الشقاء والموت فانتقل ذلك الى سلالتهما . . الينا ! من هذا ترى ايها الانسان ان الكذب موجود منذ اقدم الازمان ، فكيف تلصقه بنيسان وحده فقط ؟ !
الم تسمع بالمقالب العظيمة التى اقر بها الغادرون والمغدورون على صفحات الجرائد والمجلات وفيهم الممثل والحاكم والكاتب والمعلم والقاضى والتاجروا والعامل وكم كلفتهم من مال ودماء وألم
وها هي الدنيا جماعات وافراد ، بشر وحيوانات ، كل منها لها كذبها
فى اعمالها ومعاملاتها ، وسلوكها وتصرفاتها ، فى اماكنها الرسمية وغير الرسمية . . الطبيب يكذب على مرضاه دواما ليهدئ من روعهم . ويخفف من مصابهم ، حتى الذين شارفوا على الموت يطمنهم بالشفاء العاجل والراحة التامة وكذلك الممرضون والممرضات . . والشعراء يجعلون من الحبة قبة كما تقول العوام . إذا تغرب واحد منهم كتب يقول :
" ابلى الهوى يوم النوى بدني ،
وفرق الهجر بين الجفن والوسن .
كفى بجسمى نحوا اننى رجل
لولا مخاطبتى اياك لم ترنى . "
وهو والحق يقال كالفيل جثة . . ومن قائل آخر : " والصدق ان القاك تحت العطب ، لا بارك الله فيه واعتصم بالكذب . . فهم في كل واد يهيمون ! واذا سألت آخرا ما اعذب الشعر قال : اكذبه . والأمهات يخفن اطفالهن " بالبعبع " و الوحش
وشتى التخيلات الكاذبة إذا عسعس الليل ولم يناموا . . وكذلك قل عموم الكائنات الحية لها طرقها الخاصة وحيلها البارعة : المعلمون والتلاميذ في المدارس والمعاهد ودور العلم الأخرى . والقادة والجنود في المراكز وساحات الوغي . والرؤساء والموظفون في المكاتب والدوائر . .
والتجار والعمال فى المتاجر وشتى حقول الاعمال الحرة . والباعة فى محلاتهم . والنساء فى حلقات سمرهن . والرجال فى انديتهم وقهواتهم . حتى القطط احيانا تمؤ وتتلوى وهي ريانة ، والكلاب لا تمنع صاحبها بصبصة محاباة وتملقا
في الامس القريب كان الانسان يصدق أخاه الانسان الى اقصى حدود الصدق . فكان ذا ثقة غالية واحترام صادق . فكانت الديون بينهما وعدا حرا . . دون تحرير أو تحبير صكوك ، وكان البيع دون سندات او شهود ، وكان الكذب عندهم من العادات المستقبحة . .
أما اليوم فعلى نقيض ذلك ، تحرر
الصكوك وتحضر الشهود والمحامون وتقام المحاكمات والمرافعات لأعلاء كلمة الحق وازهاق الباطل ، ودحر الكذب والنفاق ، حتى أصبح الكذب اليوم عند فئات كثيرة من الناس من الفنون الجميلة
" وأخيرا ان الانسان يا نيسان العزيز لو استطاع ان يصدق فى جميع شؤونه مع الناس ومع نفسه لعاش غريبا ومات غريبا . ولو ان هذه الدنيا صادقة كل الصدق نقية كل النقاوة لكانت حالتنا ومعيشتنا غير ما هي عليه اليوم ! فالمسالة ليست كذبة نيسان ، وانما كما يقول الدكتور أحمد أمين : " انما العالم كله نيسبان .

