يقول زين العابدين السنوسي فى كتابه الادب التونسى فى القرن الرابع عشر الهجرى عن الشيخ الصادق الفقى (1) : ولد الشيخ الصادق الفقى عام 1313 ه . باحدى جنان صفاقس الفيحاء بين افياء الزياتين وعببير الرياحين ، على عدوة من بحر ، فتن الانسان والهاه منذ كان حتى اذا اشتد ساعده اتخذ منه مركز حركة وتصدير فاذا هو ميناء الوسط التونسى وصرة حياته بما بشر الشاعرية ويستفز العقل المنقب المدرك . على ان ما فى تربة صفاقس من بركة . وما فى الشجرة المباركة الزيتوتة من تبر لحرى بان ينفخ فى خيال الناشئة كل تصور وتطور . وقد حفظ القرآن وانهى تعليمه الابتدائى فى المدارس الدولية ثم سافر الى العاصمة حيث التحق بالكلية الزيتونية فاتم نخرجه بحائزتها ( التطويع ) وهو منذ خمس سنوات يزاول التدريس بالمدارس الدولية بين جنائن صفاقس الزاهرة الزاهية .
أدبه :
يستلفت نظر من أدبه ما يشق عنه من دماثه اخلاق واخلاص هما صفتاه اللتان يمليهما عليك منظر احتشامه وتواضعه عند اللقاء ، ويلاحظ الانسان بسهولة أن أدبه مشبع بعاطفتين عزيزتين وهما :
1) الروح الوطنية التى تشبع بها ايام مزاولته القراءة بالعاصمة .
2) ترديده وشدوه بوصف الطبيعة ولطائفها مما يلهمه جنات صفافس وبدائعها .
ونشر له فى صحف مختارة من شعره القصائد التالية :
جنة - مليحة - حفلة طرب - بين الزهور والاوتار - الورد - فى دار انسى - أشواق وتسلية - حب صادق - النشيد الخزندارى - الاحلام المؤلمة - نشد الطلبة - لست أنساك - يا ليت شعرى - مناجاة - دمعة على الاخلاق - تأييد - دخول الكماليين للأستانة - صوت طرابلس العرب - وطنى - تونس .
ويقول الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور فى كتابه ( الحركة الادبية والفكرية فى تونس ) (2) : " واذا كان الدور الماضى قد رفع بالشعراء الى التغنى باحياء المجد الاسلامى والتطلع على عظمة مستقبله فان روح الانبعاث الاسلامى والغيرة على عزة الاسلام وعزة راية الخلافة قد حركا القرائح بالشعر الحماسى المتولد عن الاحداث الحية والمتأثر بما تحركه الاحداث من الشعور القومى السامى ، فتطورت روح الغيرة القومية الى شكلها الايجابى العملى الذى يشيد بالروح الكفاحية ويدعو الى الجهاد ويمجد المجاهدين وكان أقرب الاحداث مساسا باحساس الشعراء التونسيين هو حدث حرب طرابلس فاندفع صالح سويسى وسالم بن حميدة والصادق الفقى يصرخون بحماسهم في وصف المعارك ومواقف الابطال ... فاخرجوا ضربا من الشعر صورت فيه الحرب الطرابلسية بمقابلاتها الدامية وبما وراء المقابلات من عواطف وانفعالات على طريقة شعر الملاحم " .
اما عكاظية تونس (3) فقد نشرت له فى الجزء الاول قصيدتين : 1) فى أسبوع الجيش يقول فيه :
قوة الجيش منعة ونظام وحياة مرضية وسلام
جيشنا جنة لنا ووقاء من صروف الازمان وهى جسام
غمرتنا المكارم الغراء الوثقى وحبل لا يعتريه انفصام
كما نشرت له القصيد الذى ألقى بين يدى الرئيس الجليل فى حفل توزيع المكارم على الادباء وهو قصيد طويل يقول فى طالعه : (4)
أيها الجيش أنت عروتنا وحبتنا العواطف الشماء
وقد عرفت العكاظية بالاستاذ الفقى واوردت موجزا من حياته تقول فيه : " ولد الشيخ الصادق الفقى بصفاقس عام 1894 وتلقى تعلمه الابتدائى بالمكتب القرآنى حتى حذق القرآن ثم أحرز على شهادة ختم التعليم الابتدائى فى جوان 1910 والتحق بالتعليم الزيتونى بمعهد صفاقس ثم بالعاصمة وفي عام 1916 أحرز على شهادة التطويع وباشر التجارة اثر ذلك مدة عامين . وفى عام 1924 باشر التدريس بالمكاتب الابتدائية بصفاقس وفي اكتوبر 1945 ادار أول مدرسة ابتدائية للفتيات بصفاقس تحت اسم مدرسة ( الفتاة ) واستمر على ادارتها ا لى عام 1953 الذى أحيل فيه على المعاش واقتصر على الامامة والخطابة بجامع سيدى منصور والتطوع للتعليم فى فرع البنات التابع لمعهد صفاقس الزيتونية
هوايته : يهوى ركوب الخيل والسباحة والرماية متأثرا فى ذلك بالبيئة الخاصة .
نشاطه الاجتماعى : أول من رسخ الدعوة الى تعليم الفتاة بصفاقس وألف من الفتيات طبقة أدبية بما نظمه من الاناشيد ووضعه من الروايات .
مؤلفاته وبحوثه : له ديوان ضخم طبع جزء منه فى ( كتاب الادب التونسى فى القرن 14 ه . ) للاستاذ السنوسى ( كما أشرنا إلى ذلك سابقا ) وهو أول من حيا تأسيس الحزب الحر الدستورى اثر الحرب العالمية الاولى وأيد شهداء الكفاح القومى . ومن أحرزوا على جائزة الفرق الشعرية .
اسلوبه الشعرى : يتبع الاستاذ الفقى فى أسلوبه الشعرى الطريقة المدرسية أو الاسلوب الكلاسيكى فالنفس واحد فى تأديته لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود والزعيم الدكتور ثامر والوطنى الحبيب المعزون وأمير الشعراء خزندار والملك الوطنى المنصف باى ، واناشيده المدرسية على كثرتها لها طابعها الخاص فى الرقة والاحتشام . وتدخل الطبيعة فى شعره بلون لطيف يستمد رقته من رياحين صفاقس وحدائقها فيقول فى الياسمين :
الياسمين اذا تبسم نوره يحكى النجوم تلعلعت بسماء
والطير تشدو حولها فكانها الحور الحسان تزينت للرائى
ويقول فى الحديقة :
هب النسيم عليلا اضناه لطف الربيع
والجو أضحى كفيلا بكل حسن بديع
والماء يجرى كليلا فى هيبة وخشوع
بهذا عرفت عكاظية تونس فى جزئها الاول (5) بالاستاذ الفقى ، ونشرت له صحفنا ومجلاتنا الوطنية منذ سنة 1920 قصائد عديدة وآخر ما طالعت له قصيدة فى رثاء ابنه العزيز الطاهر وكان عنوان القصيد ( لوعة أب ) وجاء فيه قوله : (6)
أرأيت كيف الراسيات تزول تهوى الى الاعماق وهي تحول
هذا قد كان الفقيد شرفنى قبل وفاته ببضعة أشهر بأن طلب مني تقديم ديوانه ( الرياض ) وما ترددت لحظة فى الاستجابة - ووضعت مقدمة الديوان ، وجاءت منه رسالة (7) يقول فيها : " تلقيت بمزيد الغبطة مقدمتك القيمة التى دبجها يراعك السيال بآيات البيان واملاها شعورك الفياض بالمودة والاحسان . وأراك قد تغلبت عليك العاطفة الشاعرية المفتونة بالطبيعة ومحاسنها . وبالاغانى ومزاهرها ، فأوغلت في مروجها ، واطنبت فى ابراز مفاتنها ومباهجها ، فلله درك لقد حببتها للمطالعين ، وحركت العواطف والشجون وقدمت محتويات الديوان أحسن تقديم ، وشوقت اليه طبقات الشعب . وأشرت بايجاز غير مخل الى المواضيع المسطرة فيه وكم وددت لو يذاع شئ من هذا للعموم بواسطة الاذاعة والصحافة ليكونوا على استعداد لتلبية دعوتك الحارة اياهم ليقتنوه ويطالعوه . هذا وانى أجدد لك الشكر الوافر على تلبيتك طلب التقديم الذي اعتبرته تشريفا منى فلا غرابة فى ذلك منك اذ كل اناء ينضح بما فيه وما رجوت لى من الامانى وعلى اشارتك بهذا الديوان وما فيه فجازاك الله عنى خير ما يجزى به المخلصون من عباده ... " .
وكانت هذه الرسالة (7) المؤرخة فى 17 نوفمبر 1978 آخر ما اتصلت به من الفقيد حيث كانت بينى وبينه مراسلات أدبية منذ سنوات ترجع الى أيام الشبان المسلمين والاتحاد الصفاقسى الزيتونى - ثم تطورت بحكم الزمالة الى
تلك اللقاءات الشعرية التى كانت تجمعنا فى اللقاءات لدينية ولوطنية ، وقد رغب مني الفقيد مرة ان ابذل جهدى فى اقناع ادارة الاذاعة بالعدول عن اللحن المميز الذى كانت تفتح به صفاقس برامجها الاذاعية ( فى قلالة نشبح زوج بنات ) وكان الله قبل رجاءه فاستبدل اللحن بسواه . ورغب منى مرة أخرى أن أساعده بالكتابة فى الصحافة فى قضية رآها رحمه الله اعتداء أدبيا عليه ذلك أن أحد رجال التعليم المرموقين غير له أبياتا من قصيد ونشره فى أحد تأليفه بدون استئذان منه . وهذا يدل على غيرته رحمه الله على الادب وحبه الخير لبلاده وكيف لا وهو الذى تخرج على يديه من فتياننا وفتياتنا أجيال يمثلون اليوم الاسر المثقفة فى بلادنا - وهو الذى تغنى طويلا للناس وغنى لوطنه وابنائه أخلد الاغانى وأرقها وأشذاها .
وهو الذي ترك لهم فى ديوانه ( الرياض ) 173 قصيدة فى 176 صفحة موزعة على العناصر الآتية ( الوطنيات ) ( فالاجتماعيات ) ( فالادبيات ) ( فالتهانى ) ( فالمراثى ) ( فالاناشيد ) ...
حضر الشاعر زفاف صديقه شيخنا المرحوم الصادق جبير فانشد يقول : ( 8 )
أى فوز فى هذه الليلة الغراء أغلي من اعتناق الأمانى
أى شئ فى هذه الروضة الغناء أشهى من استماع الأغانى
بين أنس ولذة وهزار يتغنى بمورق الأغصان
تعزيف الأوتار يحدث فى النفس ارتياحا يودى بصرف الزمان
بين ورد وياسمين ونسر ين وفل ونرجس فتان
فتنتنى ترائب الكأس ملدا اذا تهادت عرائس الاقحوان
وسقتىي مراشف الورد كأسا غار منها القرنفل الارجوانى
وعروس النسرين قد ظللتنى وحمتنى من نرجس قد رمانى
ومياه رقراقة الحسن تجرى رائعات تزرى بحسن الحسان
حبذا تلكم النجوم اللواتى يتبدى من حولها الفرقدان
هكذا نحن في حمى القبة الزرقاء نصبو للمنظر الاضحيان
لو تراءى الجمال حسا لطيفا لقطعنا في الحين كل بنان
صاح استمر واقطف جنى سرور رددته حمائم الوجدان
وأنس ليلاك والتواجد فيها وحنينا لفائز الاجفان
هذه جنة المتاحف والانس أراها وريقة الافنان
هذه السنة العظيمة منها نترجى نتائج الاقتران
أيها الصادق الامين تفضل وتقبل منى بديع التهانى
على مثل هذا الاسلوب وبمثل هذه الروح الطبيعية كان الشاعر يحيى مجالس الانس والصفاء ويساهم فى ملتقيات الفكر والوفاء - وظل طول حياته ذلك الرجل الوديع الرقيق الذى يحب اصدقاءه وينصحهم ولا يبالى - ل بعث الى مرة بورقة مطوية بواسطة صديق وفتحتها فاذا بها :
وغير كثير ألف خل وصاحب وان عدوا واحدا لكثير ... (9)
واعترضنى مرة بالطريق ليقول لى : ما أروع العجز الذى قلت فيه ( وانبرى أحمد جبارا قويا ) وما أروع كلمة ( قويا ) فلولاها لوقف وصف الرسول عند قولك ( جبارا ) وهو ما لا نرضاه - الى غير ذلك من الملاحظات التى كنا نتقبلها بصدر رحب وثغر باسم .
حقا لقد كان الشيخ الصادق الفقى وفيا لاخوانه وهو الذى وقف متحسرا لما بلغه نعى مدير الاذاعة الجهوية المرحوم عبد العزيز عشيش وانشد :
غاب الهزار الذى قد كان يملؤها أغانيا ما له عود وأوتار
مات العزيز الذى قد كان يشملها بعطفه فاعتراها منه ادبار
نفديك لو يقبل الرحمان فديتنا هيهات لا تقبل التعويض اقدار
ولم يتخلف الشاعر الفقى عن مواكبة أطوار التحرير ومسايرة أيام البناء ومسيرة التنمية ... ولا أنسى قصيده ( آيات مجيد ) الذى ألقاه بين يدى المجاهد الاكبر بمدينة صفاقس وفيه يقول : (10)
يا فرحة الشعب اذ حفته عن كثب عناية منك لن يحصيها القلم
ما للرياض نشاوى فى نضارتها والورد فاح على الاغصان يبتسم
والياسمين تهادى فى خمائله كانه أنجم في الجو تزدحم
والطير ترقص فى افنانها طربا تشدو فتنسجم الالحان والنغم
هذا هو الاديب الشاعر والمربى الكبير الشيخ الصادق الفقى الذى فارقنا يوم الجمعة 6 أفريل 1979 . ولم تفارقنا أعماله وآثاره وأخلاقه فهى باقية تشهد له بالصدق والوفاء لوطنه ودينه واخوانه ، فسلام عليه يوم ولد ، ويوم مات ، ويوم يبعث حيا .

