الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

خواطر ، في للالتزام والشك واليقين والموت والمراة والحلم

Share

( ننشر فيما يلى تعريبا للحديث الذي افضى به الاستاذ محمد مزالى وزير التربية القومية ومدير مجلة " الفكر " الى الصحفية السيدة نفيسة بن سعيد ، والذي نشر بجريدة " لاكسيون " (I’Action) فى عددها الصادر يوم الاحد 28 ديسمبر 1975).

س : سيدى الوزير هل لكم أن تحدثونا عن الالتزام السياسي ؟ ما هو فى رأيكم ؟

ج : الالتزام السياسى فى رأيى ، طريقة كينونة وأسلوب حياة ، وهو ضرب من الوفاء للذات ، أعني الوفاء لسلم القيم الاخلاقية والانسانية التي نؤمن بها ونكرس لها حياتنا . انه مستوى مدني واخلاقي ينزع فيه "العمل" الى الامتزاج "بالذات" .

ويختلف الالتزام السياسي عن الالتزام الفكرى المجرد من حيث أننا في السياسة لا نقتصر على تداول الافكار بمهارة ، فنحن لسنا مغلفين بالورق الشفاف ولا عائشين فى قبة من بلور بمأمن من تأثير تيارات الهواء والاهواء الغالبة على الحياة الاجتماعية ، كما أننا لا نميل الى تعقيد " اللاوجود " ولكننا نخوض غمار العمل مختلطين بالناس ، منهمكين فى أوضاع ملموسة ، متقلبة ، وأحيانا عسيرة الادراك.

ان الالتزام الحق يظهر فى المجهود المتواصل المبذول لملاءمة السلوك والافعال مع المثل الاعلى والقيم التى تعتنقها .

ليس اسهل - ولن ليس أعقم أيضا - من أن يرقب المرء العالم عن بعد ، من أن يضع الخطط بين أربعة جدران ، من أن يفضل هديل " الملاحظين" الملقبين أنفسهم "بالمحايدين" ، من أن يشارك فى لغط مآدب العشاء "المنتفخة"

من أن يلتحق بمعسكر مزدردى الاشاعات أو ينضم الى فئة مروجى الارجيف ، من أن يلعب دور المدافع عن الحقوق المهضومة ومقومى الاعوجاج ، من أن يقع فى المازوشية المتظلمة ، من أن يكون فى صف الثرثارين المتشدقين المتفيهقين . . .

ان الصعوبة تكمن فى أن نخوض المعمعة ونغمس اليد فى المعترك فتخرج نظيفة ، خلافا " لهودرير " بطل مسرحية " الايدى القذرة " لسارتر . . وان نتعهد مع ذلك حقنا فى الاختلاف ونتمسك بالخصوصية ، ونقاوم الذوبان فى الكثرة ، وننفر من الانقياد الاعمى ونأبى كل أنواع التكييف التى تفرضها الحياة العصرية وأن نحتفظ باستقلالنا فى اصدار الاحكام.

الالتزام السياسى ، بفضل مجهود ضاغط على الذات أى بفضل ضرب من التصوف ، هو الذى يسمح للمرء بأن يتجاوز امكاناته ، وأن يتجدد بدون أن يتنكر لذاته ؛ وذلك ما يميز رجل السياسية من دعى السياسة أو " المتسايس " .

أن الالتزام الحق هو آخر الامر وضوح الرؤية الكافى لنتبين المثالية فى الاختبار والسلوك من النجاح الرخيص وهو قدر ضرورى من قوة النفس وعلو الهمة لا يثار الحقيقة على الالتزام نفسه .

س : لو لم تكونو وزيرا ، ماذا كان بودكم أن تكونوا ؟

ج : لو لم أكن وزيرا ، لاحببت مواصلة العمل الذى اخترته منذ أن كنت تلميذا بالمدرسة الصادقية وهو التدريس.

وفضلا عن ذلك ، فان الوزارة بالنسبة الى ، وسيلة أخرى لمارسة التعليم والتربية . فالامر لا يتعلق فى نظرى بمهنة بل بفرصة تتاح لى لتبليغ رسالة ، والتأثير فى الاحداث والتحاور مع جمهور من المستمعين أعم وأشمل من جمهور الفصل.

ان شعورى بأنى أقدم عملا صالحا لوطني وللمجتمع الذى انتسب اليه هو نفس الشعور بالرضا عن النفس الذى كان يغمرنى أيام كنت مدرسا .

س : من هم الفلاسفة العرب والمسلمون الذين اسهموا فى تكوينكم ؟

ج : قد يكون الفيلسوف الغزالي الذي كان فقيها ايضا ، هو الذي أثر في أكثر من سواه ، وذلك ليس بحصيلة ما كتب ولا بمحتوى مواعظه بل بخط سيره الروحى ، فهذا رجل عرف الشك حقيقة ، لا شك ديكارت المنهجى عندما كان يعالج الموضوع فى سكون الليل قرب الموقد محبرا فى اطمئنان ثمرة تأملاته ، بل الشك الوجودى . لقد عرف الغزالي القلق ، القلق الحق . . فساءل نفسه عن معنى وجوده طارحا نفسه بآستمرار للمناقشة والبحث. لقد ظل الشهور الطوال فى حال هو أقرب الى الحنون منه الى العقل ، واذا به بجد فجأة "اليقين" بفضل حدس ونور قذف اليه فى القلب ويكتشف للوجود وللمصير البشرى مفهوما .

ان ما بهرنى من الغزالي هو ذلك الطلب الصادق الدائب عن الحقيقة ، هو ذلك البحث المستمر عن الذات.

انى لم انفك اعتقد أن الفيلسوف الحق ، وأن المثقف الحق ، هو الذي يشك وهو الذى يبحث ولا ينى يبحث عن ذاته ويتكشف عن أبعاد ذاته .

... من شأن الذين تملكهم الزهو ومستهم الحذلقة وظنوا أنهم بكل شئ عارفون ، بينما هم عقولهم فى آذانهم ، أن يذكرونا - لهول ما هم فيه من " بؤس " - بان الحقيقة نسبية وأنها حصيلة " تفاوض " مستمر من العقل " العاقل " المجادل " ، وبين واقع يتحول أبدا .

فالحقيقة ، اذن ، حل وسط وتجاوز دائم ، وواخز أحيانا ، لتناقضاتنا الداخلية وكذلك للتناقضات الموجودة بين أتواقنا وأشواقنا وبين الواقع المنساب منا والمتلاعب بنا .

ان الحقيقة بهذا المعنى هى ما نبحث عنه أكثر مما نعتقده .

إن اندحار الايدولوجيات العصرية وصمت السماء والعدوان الذي تسلطه بعض التكنولوجيات وانعدام الحوار بين الناس ولا مقروئية الكثير من الآثار المحتويه والمقالات المعاصرة وقلق الشبان واحساسهم بكونهم بجهلون لماذا

يعيشون وفرارهم الى الامام سواء عن طريق العنف الجامح أو عن طريق المخدرات والانتحار ، كل هذا يذكرنا بحقيقة أولية ، هي أنه ليس هناك حقيقة مطلقة ولا ايديولوجية منزلة ، وانه علينا أمام " الآخرين " وأمام العالم، أمام الكون أن نعول على أنفسنا وان نواجه منزلتنا البشرية وأن نحمل مصيرنا على كواهلنا وان نمسك قدرنا بملء الذراع . ينبغى لنا ، كما سبق أن قلت ، أن نتفاوض وان نتحاور وأن نعمل مع الآخرين من أجل الآخرين.

ان الفعل الذي سماه الاغريق " التطبيق العملى " (Praxis) وذلك قبل ماركس وكتابه " نظريات حول فيورباخ " لهو حركة خلاقة.

انه يعيد خلق الانسان ويصنع التاريخ.

س : هل لكم ان تحدثونا عن مولد مجلة " الفكر " فى أى اطار برزت للوجود وماذا كان هدفها فى البداية ؟

ج : لقد كنت أستاذا فى سنة 1955، وقد أذهلني قصر نفس كل المجلات الثقافية التى ظهرت بتونس منذ 1881 الى 1955 وكنت أسألنى فى الكثير من الاحيان عن السبب الذي جعل فى تونس كل مجلة لا تتجاوز السنتين أو الثلاث سنوات من حياتها . وكنت أتألم من أن كثيرا من التونسيين - وحتى المثقفين - كانوا مقتنعين بأنه ليس بوسع تونس أن تستصدر مجلات جدية دائمة .

كانوا ينتظرون دائما أن يأتيهم النور من الغرب أو من الشرق ، وهكذا ظلوا قانعن يكونهم "مستهلكين" لا "منتجين" فأردت بحمية الاستاذ الشاب الذي كنته ، أن اتحدى الوضع وقلت فى نفسى انه بوسعي ، اذا كرست كل وسائل وحركت همم بعض الزملاء الشبان ، أن أكتسب الرهان المتمثل في اقامة الدليل للتونسيين والاجانب على أن مجلة ثقافية غير تجارية تحترم القارىء ولا تتملق أهواءه ولا تكون أسيرة الظرف ولا الغريزة ، بامكانها ليس فقط أن تبقى بل أن تتقدم أيضا .

سن المجلة اليوم 21 عاما ، وكل الاعداد صدرت بانتظام أى فى اليوم الاول من كل شهر ، بدون تأخير على الاطلاق.

صحيح أن هيئة الفكر التى اضطلع بشرف تنشيطها تتكون من مثقفين مؤمنين بوجود ادب تونسى أصيل ، مقتنعين بأنه بامكان هذا الادب التونسي ومن واجبه لا اثراء الادب العربى والثقافة الاسلامية فحسب ، بل كذلك وبالخصوص ، الاسهام فى اثراء الانسانية قاطبة.

هل حققت الفكر ولو جانبا من هذه الغاية ؟

الحكم موكول الى النقاد والاجيال القادمة ... كل ما استطيع أن اقوله هو ان لهيئه " الفكر " ما يدعوها الى الاعتزاز ، بعد مضي 21 سنة على ظهور أول أعدادها منذ فجر استقلال بلادنا .

وفعلا ، استطاعت الفكر:

أولا : تكوين أجيال من الادباء التونسيين . كم من شاعر وقصاص وكاتب مسرحى خطوا فى الفكر أولى خطواتهم وهم يعدون اليوم ضمن أكبر أدبائنا. ثانيا : استطعنا بمجلدات الفكر الواحد والعشرين التى يعد كل منها ما يزيد عن الالف صفحة أن ننمى المكتبة التونسية ، وان نجعل من هذه المجلة أكمل وأبلغ مرجع لدراسة الثقافة التونسية المعاصرة ، منذ الاستقلال خاصه ، وهذا ما يفسر فوق ذلك ، اتخاذ عدد من أطروحات دكتوراه الحلقة الثالث فى تونس وفرنسا ، مواضيع تدور حول مجلة الفكر.

س : الحلم هو الحق الوحيد الذى لا يقبل الجدل من حسن الحظ ، فهل يتاح لكم ان تحلموا ؟ وبماذا يحلم وزير ؟

ج : نعم ان حق الحلم مقدس !

الحلم ... هو أن نتخلص من الحياة اليومية ، من الروتين ، من الخدر الايديولوجى.

هو ان نهزأ بنوع من الواقعية يشكل انغماسا فى الماضوية أو تواطؤا مع الظلم .

الحلم . . . هو أن يتجاوز الانسان منزلته ، أن يرسم لنفسه أهدافا هي "لا واقعيه " فى نظر بسطاء العقول ، أن يعمل بحمية ، أن يتعذب مع بني حنسه نزوعا الى مثله الاعلى ، واقترابا منه ، وان يبحث عن جزاء عمله فى طبيعة المجهود المبذول .

هذا هو " الحلم - العمل " اذ العمل تجاوز مستمر للواقع.

أحلم . . بأمة تونسية عربية اسلامية أنصع أصالة وأكثر التحاما ، واوثق اتحادا ، تتركز فيها العلاقات بين المواطنين على المحبة ، لا على البغضاء ، ويدعمها الشعور بوحدة المصير.

أحلم كذلك بثقافة لا تكون مجرد تعمية لثقافة الاقوياء وأصحاب الامتيازات المفروضة على الضعفاء ، أحلم بثقافة انسانية تنزع الى الانسان ، تبقى وتشجع على الخصائص القومية ، وأصالة الشعوب وتسمح بفتح " الحوار الحقيقى " الذي ينبغى أن يثرى كافة الاطراف بدون أى استثناء .

أحلم ايضا بأن أرى الوفاق حاصلا بين الروحانيات التى لا تتم بدونها الطمأنينة الداخلية ولا السلم الحقيقية ، وبين الفكر العلمي والتكنولوجيا الذين ينبغى لهما ضمان رفاهية الانسان وبالخصوص تمكين شعوب العالم الثالث من استثمار طاقاتها الكامنة ومن النهوض بانسانيتها.

ولكن الخطر فى الحلم هو أننا عندما نتصل بالواقع ، نكون ضحية الخيبة والاستسلام وبالتالى المرارة - الحلم الحقيقي هو ما يتيح لنا الرجاء والمبادرة والعمل .

تذكرى كلمة " قيوم تال " Guillaume Tell الشهيرة التى استشهد بها المحامى الشاب الحبيب بورقيبة فى رسالته الى مارسيل بيروتون M. peyrouton سنة 1935 حين كان مبعدا في الجنوب التونسي وقد  وصفه اذ ذاك بيروتون امام المجلس الكبير " بالرجل الصريع " : ليس من الضرورى أن نؤمل لنبادر ولا أن ننجح لنثابر.

هل هذا الا حلم شاب كان يحمل على كاهله مصير أمة ؟

من واجب شباب اليوم أن يحلموا ، أى أن يستشفوا روابط أفضل بين الناس وان يعتصموا خاصة بالجد والعزم لتحقيق احلامهم.

بذلك يصبحون رجالا ، وعلاوة عن الظفر بالسعادة ، يمكنهم أن يكونوا جديرين بالعظمة . أو لم يقل جان جوريس J. Jaures السياسي الفرنسي الكبير " السعادة حلم من أحلام الشباب تحققه الكهولة ؟ " .

س : هل من السهل أن يكون الانسان كما هو ؟

ج : ليس ذلك بالامر الهين دائما : يطيب لكثير من الناس أن يصطنعوا لانفسهم شخصية ، أن يتقمصوا دورا ، أن ينساقوا الى مهاوى الكبرياء المجنونة .

انى اعتقد أن فضل كل واحد منا يتناسب مع الجهد الذى يبذله لا ليبقى هو هو بمعنى القرار والجمود بل ليصبح من جديد وفق ذاته لاننا فى الواقع نكتمل بصورة مستمرة وبدأب متواصل.

نحن فى البدء جملة من الامكانات وفى مقدور التربية والمجتمع والبيئة وخاصة المجهود الشخصى أن تساعدنا كلها على اكتمال ذاتنا وعلى أن نصبح " رجالا " .

منذ مائة وخمسين سنة خلت لاحظ " ميشلي " أن الابهة والترقية ورغد العيش فى امكانها أن تفسد الانسان ، ان تغيره فى اتجاه التقهقر والنكوص وأضاف قائلا : " ان اغلب الذين يرتقون فى سلم المجتمع يؤول أمرهم الى الخسران لانهم يتغيرون اذ الصعوبة ليست فى الصعود بل فى أن يحتفط المرء بحقيقة ذاته وهو صاعد " (كتاب " الشعب " ألفه في سنة 1846).

س : ا تخشون الموت ؟

ج : كلا لانى مسلم قبل كل شئ ثم لان الموت هو اليقين الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

انه بامكاننا فى هذه الحياة الدنيا أن نسيطر على كل شئ وان نغيره تغييرا ، أما الموت فلا .

اعترف انى أفكر أحيانا فى قصر عمر الانسان الامر الذى يعوقه عن تحقيق كل المشاريع التى يستنبطها ويخططها واعترف اننى آسف لذلك.

إنما هو ذا شرف الانسان : يسلم بنهايته كأمر محتوم ويكافح مع ذلك ويتعذب من أجل الخلود ، من أجل المطلق ...

س : للتنظيم العائل مدلولات عدة فما هو تعريفكم الشخصى اياه ؟

ج : التنظيم العائلي هو قبل كل شئ وسيلة لتحرير الرجل والمرأة في نونس وفى كل مكان من طوق الحتمية و " المكتوب " ، هو وسيلة لجعلهما يعيان مسؤوليتهما بازاء ذريتهما باعتبار أن الدولة والمجتمع والمدرسة لا  تستطيع أن تحل محل الاولياء فيما يتعلق بتربية الاطفال فى جو من الحنان والحب والصحة المعنوية .

وهكذا تهدف التربية الديمغرافية الى الرفع من مستوى المواطنين حتى يتسنى لهم أن يقرروا بأنفسهم حجم عائلاتهم والفواصل الزمنية بين الولادات ، كما ترمي الى مدهم بالمساعدة الطبية والاجتماعية لتحقيق غاياتهم . .

ويهدف التنظيم العائلى كذلك ، فى اعتقادى ، الى انقاذ الامهات من البؤس الذي يتخبط فيه الكثير منهن ، وهو بؤس بدني ومعنوى يحصل من جراء الافراط فى الحمل.

بؤس بدني عندما تكون الأم منهكة شاحبة تشكو فقر الدم علييلة متعبة .

بؤس معنوى عندما تتوتر أعصابها وتضطرب حياتها الزوجية ويكون المستقبل مظلما أمامها .

والحياة العائلية لا يتوفر لها توازنها ولا يسودها الوفاق طالما لم تكن الام سعيدة متفتحة مطمئنة .

أن يدرك المواطنون من جديد أنهم من الناحية الديمغرافية أحرار يقررون مصيرهم بأنفسهم ويخططون حجم عائلاتهم تلك هى ، فى نظري ، مهمة التنظيم العائل الاساسية . وما عدا ذلك فهو من مشمولات العلاج الطبى والتراتيب الفنية . . .

وبفضل المجهودات التربوية ودروس التوعية التى يقوم بها السيد رئيس الجمهورية وكل المسؤولين السياسيين والطبيين والاطارات المساعدة للطب ، تم انجاز كثير من التقدم سواء على صعيد النتائج التقنية أو فى مستوى مواقف المواطنين والمواطنات.

س : هل تعتقدون ان التنظيم العائلى يساهم فى تحرير المرأة المسلمة جنسيا ؟

ج : نعم بكل تأكيد : طالما أن المرأة تتحكم أكثر من جسمها ولا تخضع لاى  شكل من أشكال الاعتداءات الخارجية ، فانها ترتقى الى منزلة المرأة الحرة المتوازنة الواعية لافعالها .

س : سيدى الوزير ، الى أى عصر كنتم تودون ان تنتسبوا ؟

ج : أنا مرتاح لانتسابى إلى العصر الذي أنا فيه ، ذلك أني أحس بأني كمناضل وكمواطن أسهم مع رفاقى ومواطنى ومعاصرى بقدر ، مهما كان متواضعا ، فى تغيير تونس وتهيئة مستقبل أفضل للاجيال الصاعدة.

اذا كانت علة وجودنا أن نعيش من أجل الآخرين وأن نغير الواقع وان نخلق أنفسنا بممارسة الخلق فالعصر لا يهم ، اذ أن المهم هو أن " لا نتثاءب حياتنا " بل أن نعمل ، أن لا نكون فى المجتمع الذي اليه ننتمي يعسوبا يطن بل نحلة تنتج ، يحركنا المثل الاعلى لا الغريزة.

س : كثيرا ما يقال انكم من مؤيدي الطاهر الحداد ، بل وبوجه ما من مريديه فيما يخص المرأة . . . فأنتم فى هذه الحال نسوى Feministe ؟

ج : يجب قبل كل شئ أن نتفق على كلمة " نسوى " . المسألة بالنسبة الى هى اعتبار المرأة لا بمثابة الاداة أو الشئ بل كانسان له كرامته،  وبالتالى ينبغى أن تكون له نفس ما للرجل من حقوق وواجبات.

وهذا لا يتم الا تدريجيا ، عند تعميم تعليم الفتيات شيئا فشيئا فى مستوى الابتدائى والثانوى والعالى ، وعندما يتوفر للمرأة تكافؤ الفرص مع الرجل .

فبدون تعليم وبدون شغل تبقى المرأة فى تبعية للرجل : سواء كان أبا أو ابنا أو زوجا أو عما .

تلك هي الثورة التى حققها الرئيس بورقيبة فى العقليات ، معطيا بذلك لعملية النهوض بالمرأة طابعها الذي لا رجعة فيه ، وما مجلة الاحوال الشخصية الصادرة فى 13 أوت 1956 الا تجسيم لذلك .

منذ أن كنت طالبا لم أزل أعتقد شخصيا أن الرجل لا يمكن له أن يكون حرا كريما إذا لم تتوفر الكرامة لابنته أو زوجته أو أمه ، انى أعلم أن هذا ليس بالامر الهين ، لان بين مجرد رأى وبين السلوك اليومى هوة سحيقة ! كم من ثورى دعي ، كم من ثرثار يسحر النوادى أو المقاهى بأحاديثه " التحررية " يتحول فى بيته الى طاغية حقيقى يعامل المرأة معاملة العبيد ! . .

والواقع ان هذا الصنف من الناس غير أحرار فى أنفسهم ، فهم عبيد أنانيتهم يخلطون بين الهيبة والفخفخة ، بين النفوذ والاستبداد ، بين العظمة والانتفاخ.

لذلك كنت أرى دائما أن تحرير المرأة يجب أن يمر بتحرير الرجل ، تماما مثل تصفية الاستعمار التى تتطلب تخليص المستعمر القديم من نزعة الاستعمار .

انه كفاح فردى وجماعي ينبغي القيام به مع تقبل التضحيات بما فى ذلك التضحية بامتيازات موروثة عن الماضى.

س : لو عبرتم عن أمنية بالنسبة الى سنة 1976 فماذا تكون ؟

ج : أمنيتي أن يتمتع التونسيون وكل العرب والمسلمين فى السنة الجديدة بصحة بدنية ومعنوية جيدة وأن تكون تونس فى صحة أفضل اجتماعيا واقتصاديا على السواء .

أتمنى أيضا أن يتغلب العقل فى المغرب العربى وفي الشرق الاوسط حيث لم يزل الافق مدلهما ، حتى لا تكون الاخوة العربية والاسلامية كلمة جوفاء وحتى نحقق نجاحا أكبر فى معركة التنمية وحتى تصبح أقطار البحر المتوسط من جديد مجموعة أمم حرة ، مزدهرة يطيب فيها العيش ويتيسر فيها الحوار والتعاون والمساهمة فى تحقيق انتصار الانسان .

اشترك في نشرتنا البريدية