الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

خواطر إثر محادثة السيد شارل بيلا ...

Share

طلعت علينا التلفزة التونسية ليلة 16 سبتمبر 1977 الماضي ، فى برنامج رجال الفكر ، الذي تتولاه السيدة ليلى رستم ، بمحادثة مع السيد شارل بيلا ، مدير الدرسات العربية بالصربون . تلك الجامعة العريقة ، التى أمر القائد الألماني جنوده بتحيتها عند غزو باريس سنة أربعين ، اجلالا لما تبثه من معارف منذ قرون.

أوقفت أعمالي ولبثت أتطلع إلى هذا الذي يجيز علماءنا فلا يكون العالم ، في البلاد العربية ، عالما ، إلا إذا اجتاز بين يديه أو يدي أمثاله من المستشرقين شواهد الامتحان ، ورضي عنه . ظهر العلامة ، وسيم الطلعة ، نحيفا ، ذا شعر فاحم رغم ما يبدو عليه من إعباء ، وغضون كهل به بقايا شباب ، وإن أحجم عن ذكر عمره عند السؤال.

وكان يجيب بتبسم لطيف ، ويبدى آراءه للعرب في لغتهم وأدبهم . وهو يعلم أن ستلقفها تلاميذه كأحكام مبرمة ، لا معقب لها ، تلاميذه أو من يرجون أن يكونوا من تلاميذه أو من عاقهم الحظ عن أن يكونوا من تلاميذه . قال : إنه نشأ بالمغرب الأقصى ، وبه تعلم العربية ، واهتم بالجاحظ لمشابهة في المزاج ، وإنه لا يقرأ الأدب العربي المعاصر ، ولما أعادت عليه السؤال وذكرت توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، قال : إنه قرأ بعضا من أعمالهم ، وإن الإلتزام يفسد على الأدب خلوصه .

وقال : إنه يفهم كل اللهجات الدارجة في العالم العربي ، ما عدا الدارجة المصرية وإنه ينكر استعمالها في الأدب لأنها لا تفهم في غير منطقتها ، فيضيق نطاق انتشار الأدب ، وتقام حواجز بين الأقطار. وقال : إن مشكلة الكتابة العربية في عسر قراءتها ، نتيجة لعدم الشكل وفى وجوب فهمها قبل قراءتها ، ليتيسر النطق بها نطقا سليما.

ذكرت له عديد المشاريع التي جادت بها بعض القرائح في تطوير الكتابة . فأعرض عن ذلك ، مقترحا الإكتفاء بإثبات الشكل عند الطباعة. وقال : إن العربية ، كغيرها من اللغات القوية ، كالفرنسية والأنقليزية والروسية ، لا تحتاج إلى ترجمة المصطلحات العلمية . ففي بعض البلدان يدرس الطب بالعربية ، وإن المصطلحات العلمية كونية . يستعملها الياباني والبرازيلي وما بينهما ( من ناحية الأطلنطي ) .

وأنه يعد معجما للكلمات الأكثر استعمالا في العالم العربي الآن ، وجعل عنوانه " معجم الكلمات الحية " وقد يبرز فى السنوات المقبلة ، سنة ثمانين مثلا. في هذه المحادثة القيمة ، قضايا جوهرية ، أكثرها يخامر أفكارنا من زمان ، فلعلها فرصة تقول للقلم المتردد:

فبح بهواك  وبرد حشاك فزند أساك

به قد قدح

القضايا التي استوقفتنا أربع : 1) ضعف الأدب العربي المعاصر ، 2)   مشكلة العربية والفصحي ، 3)  الحروف العربية والطباعة ,

4) معجم عصري

أما أن الأدب العربي ضعيف في عصرنا هذا ، فهو الواقع المؤسف والذي نلاحظه هو التقاطع بين الأجيال . والإلتزام المتكلف والتقليد الأعمى للآداب الأخرى .

إن الآداب الأصيلة تكون متسلسلة خلفا عن سلف ، تسلسلا في نسب وسبب ، يربط بينها خيط يدق حينا ويغلظ حينا بين طبقات الأدباء مادته البيئة والطقس والتاريخ والغذاء وخصوصياتهم التي ينفردون بها دون اورى . تقاليد متبعة تنصهر فى الكل فيكون منها أدب الأمة .

قال الدكتور محمد الحفني : " إن اللاحق يبني على أساس السابق ويبدأ حيث انتهى . وبعد عملية الهضم والاستيعاب تسعفه عبقريته بالجديد العبتكر الذى يحدد شخصيته ويبرز مواهبه ."

والأدب العربي في أيام ازدهاره كان كذلك ، نجدها سلسلة واضحة فإن شئنا أن ننسب المتنبي مثلا نقول : المتنبى بن البحتري بن أبي تمام بن ديك الجن بن أبي نواس بن والبة ابن الحباب .. إلخ .

وأما الأدب العربي المعاصر فهو متقطع ، لقيط ، كل طبقة تنشأ كافرة بسابقتها والأبصار شاخصة أبدا إلى الغرب فأين خلائف شوقي وحافظ وخزندار والشابي والزهاوي ؟ نجد مقلدين لبريخت الألماني وإشتامبيك الأميركانى ومارتر الفرنساوي.

اضطلعت مدة بالنقد المسرحي في احدى الصحف ، فلما انقضى المرسم عمدت إلى احد الممثلتين من خريجي مدرسة التمثيل , وكان عائدا من باريس ، فالقيت عليه جملة من الأسئلة كان آخرها : ما رأيك في الإنتاج المسرحي التونسي ؟ أجاب : ليس لنا انتاج مسرحي فبهت الذى آمن .

لقد حضرتني أسماء ومشاهد : محمد الجعايبي ، خليفة السطحولي , الشادلي بن فريجة ، حسن الزهاني ، الأم بية الربايبية ، البشير القديدي ، البشير المتهني ورهنه داره لإخراج كليوبطرا ، الشيخ إبراهيم الأكودي وتلبسه بادواره في الحياة اليومية ، الطاهر بلحاج ومعطفه بدون  " سورية " يسير رواية ثارات العرب ...

طويت أوراقي واستودعته الله . مدرستنا للتمثيل ، فهل من موادها تدريس تاريخ المسرح التونسي وأبطاله ؟ سؤال نود لو نجاب عنه .

ومن العلل التي أخذها الأستاذ بيلا على الأدب المعاصر الإلتزام . وفي رأينا أن الالتزام نوعان : تلقائي ومتكلف ، فعن التلقائي لا نجد خيرا من المثل التالي :

جمعتنى الصدف المهنية في الخمسينات بزميل فرنسي حديث العهد بالبلاد ، سالتي مرة :" مالكم أيها التونسيون لا يدور حديثكم إلا على السياسة والسياسيين ؟ ففي شؤون الدنيا غنى "

لم احر جوابا ، وانصرفت أتساءل . فعلا الشغل الشاغل في تلك السنوات لكل الأفكار في كل الأوساط: السياسة ... ووجدت الجواب . كان على أن أجيبه : إن الأمة في حالة حرب .

ونفس الجواب يصلح للاستاذ بيلا ،( او بيلات كما يصر عل ان يكتب اسمه ) فالأمة العربية في حالة حرب ، لا يستطيع الكاتب العربي أن يتنصل من الإلتزام ، حب أم كره ( أتمنع الموجوع أن يتأوه ؟).

وما أرى الأستاذ يؤاخذ الأدب العربي إلا على الالتزام الاخر ، المتكلف , الوصولي ، المنافق وهو يشكل تسعين بالمائة من الأدب العربي المعاصر

وأما أنه ينكر استعمال الدارجة في الأدب . فلا أوافقه ، يعلل ذلك بأنها تحد من انتشاره ، لأن دارجة قطر لا تفهم في قطر آخر .

يذكرني هذا بطرقة سمعتها من أحد مواطنينا في الخارج ، والعفو عن تتابع الأمثال ، فهي نوع من القصص " ومحسوبكم " يدعي أنه قصاص. قال : إنه كان يعمل بمدينة ليون مع ثلة من أمثاله المهاجرين للعمل فرآه قيم المعمل يتحادث مع أحد السوريين فدعاه وسأله : أتحسن اللغة السورية ؟ قال نعم قال إذن تفضل بالترجمة بيني وبين ذلك العامل إن لي معه مفاهمة ، وقام صاحبنا بالترجمة أحسن قيام ، ثم رآه مرة أخرى يتحادث مع مغربي ، فسأله : أتحسن اللغة المغربية أيضا ؟ قال نعم واللغات الجزائرية والعراقية وحتى اليمانية بشمالها وجنوبها قال : هذا عظيم وأنت رجل ثمين ، فمن يومك هذا فانت معفى من العمل ، أستخلصك نفسي مترجما بيني وبين مختلف العملة...

لا أؤكد صحة الحكاية : من الناحية التاريخية ولكنها تدل أحسن دلالة عما تدل ، والأستاذ نفسه قال : إنه يفهم جميع دارجات العربية ما عدا المصرية ، وفي الحال أن الدارجة المصرية اكثر الدارجات ذيوعا , فإذا فهمنا أعسرها فأحرى أن نفهم أيسرها.

فالتعلل بعدم فهم الدارجات في الأقطار العربية ، لإقصائها عن الأدب أو إقصاء الأدب عنها ، تعلل باطل والنادر الخاص ، كقول المصريين " زعلان " مثلا لفهم بالسياق ، على أن للكلمة أصلا عربيا فصيحا ، وكذلك كل الكلام الدارج ، فمن أبن مادته إذن ؟ إلا ما كان دخيلا كالماكينة والطاولة . ومثل هذه الكلمات قد تم استيعابها وهضمها .

فالدارجة هي حافظة متن اللغة ، حيث نجد ألفاظا بليغة أقصيت من الفصحى ، وكذلك لا وجود لمشكل الدارجة والفصحى ، في كل لغات

الدنيا لغه كتابه ولغة كلام . بقي على النخبة أن يقربوا بينهما بالإستعمال وتقويم اللسان . بل أعتقد أن الترفع على الدارجة من أسباب ضعف الأدب فلئن حرمناه حيويتها وشهادتها على زمنها ، فماذا بقي مما يسمى أدبا ؟

ثم في الترفع عليها التزام ، ذاك الذي يأخذه الاستاذ على الأدب. وأنكر أنواع الإلتزام فيه تزييف للواقع وفيه مرمى سياسي أو تجاري ألا ترى أن محمود بيرم التونسي أقرب كتاب العرب إلى القلب ؟ لا تؤاخذ الأستاذ على رأيه هذا ، ولكن لا نتبعه ، فقد نقضه هو نفسه بتصريحه أنه يفهم الدارجات ، ثم انه يؤاخذ الأدب العربي على قلة أصالته . فالمتناقضات اللاشعورية في التفكير الإنساني كثيرة ، وهو لغوي لا أديب . ومن حقه أن يميل إلى نقاوة اللغة وإن هضم حق الأدب فأللغة بالنسبة للأدب أمة ، أو عبدة وهي بالنسبة للغوي معبودة ,

واما رأيه في الحروف العربية والطباعة فهو رأينا لكن الحل يختلف للحروف العربية عيبان ، الأول عسر قراءتها لعدم الشكل والثاني عسر طباعتها لإختلاف شكل الحروف حسب موضعه من الكلمة ثم اختلاف ما يحمل من شكل .

وهاتان الصعوبتان تعوقانها عن السلامة والانتشار ، وقد أحس العرب بهذه العلل منذ أجيال ، وتدبروا لها حلولا تنوف على الثلاثين تتلخص في طريقتين اثنتين ، الأولى في استبدال الحرف العربي بالحرف اللاطيني أو قل العالمي إن شئت لشيوعه في غالب المعمورة ، وقراءته ممن يعرف اللغة وممن لا يعرفها وإضافة ما يبغي إضافته طبعا . والثانية : إعطاء شكل هندسي واحد للحروف مهما كان موضعه من الكلمة ، وإضافة حروف صوتية . ولكلتا الطريقتين محاسن ومساوىء .

الاولى تضمن الإنتشار وسهولة التعليم ، لكن ، تتوالى العصور فينسى الحرف العربي ويضيع جماله ويضيع التراث ,

والثانية نجدها جاهزة تقريبا في الخط الكوفي وهو يستجيب لمتطلبات الطباعة ويحافظ على الأصل العربي ، والفرق بينه وبين الخط التقليدي هو نفس الفرق بين خط المطبعة وخط اليد فى الكتابة اللاطينية ، لكن يستلزم استنباط حروف أخرى لإثبات الأصوات والشد والمد والقصر والوصل والقطع والإدغام والتنوين إلخ ...

وإني أنتهز هذه المناسبة لأعرف بواحد من تلك الحلول ابتدعه المرحوم أخي ( مصطفى خريف ) .

أما قوله إن اللغة العربية قوية ، فهي كذلك وأيم الله ، لكن أصحابها . في هذا الظرف ، ضعفاء.

تراهم حيارى . أنحذف الدارجة ونتكلم الفصحى ؟ أم نحذف الفصحى ونتكلم الدارجة . ؟

منهم من يرى البلاغة في استعمال الحوشي من الكلم الميت ، يقتنصه

من الأدب الجاهلى ، وكأنه يقول : ألم تفهم ؟ عليك بالقاموس ، على كل فهي كلمة عربية قحة ، فما عليك إلا أن تفهمها . وما ذنبي إن كنت مطلعا على شوارد العربية ؟.

ومنهم من يقابل ذلك في الطرف الاخر ، ويستعمل الروتينية والنرفزة والرومانسية والبانوراما ، وكأنه يقول : ما ذنبي أني كنت أفكر بالفرنسية ولو أتيح لي أن أكتب بها لرأيتم العجب العجائب ، لكن هذه العربية ... فما العمل ، إنها تضيق بتفكيرى...

وهناك ما يسمونها " الفصحى " وهي مجموعة الكلمات التي تدور في الصحافة ومؤسسات الإعلام ، لغة محدودة مشذبة منتقاة ، حتى فقدت الرونق والروح ، وبدت نوعا من الإسبرنتو ,

الصواب لا إلى هؤلاء ولا إله هؤلاء ، الصواب أن نترك الحوشي ونترك الأعجمي ونترك الحذر ، اللغة لغتنا فلنتكلمها لسانا عربيا مبينا يفهمه كل العرب في عصرهم هذا .

ومما يقربنا من هذه الغاية ، معجم مقتصد ، بالمعنى الأصلي للكلمة : يفي بالقصد لا يزيد عليه ولا ينقصه ، لا مجموعة الأخضر واليابس ولا كقائمة المفردات التي تندرج في مطبوعات السياحة.

ولقد ذكر الأستاذ أنه يعد معجما أسماه ( معجم الكلمات الحية ) وكأنه يقصد ما نقصد.

أذكر أنني طالعت فيما طالعت ، أن أحد مفكرينا ، كان اقترح طريقة لتصنيف معجم يصلح لزمننا الحاضر ومكاننا المنتشر من المحيط إلى الخليج ، ولكن لم يؤخذ بعين الإعتبار ونحن نذكره ها هنا من باب " وذكر "عسى أن يجد من يهتم به ونحن في مفتتح نهضة مباركة ، تزخر بالعاملين الجريئين ، .

تجمع المفردات المستعملة في مختلف الأقطار العربية ، ثم تد ج في كشف على النحو التالي :

العراق بسطة

الشام

العربية حقيبة

مصر شنطة علقة

ليبيا شنطة

تونس فليجة طريحة

الجزائر   /   المغرب

ونتخير منها ، حسب الأفضلية : عروبة اللفظ ، فصاحته جرسه ، ومثل هذا العمل ، يناط بعهدة مجمع يجمع ممثلين عن جميع الاقطار العربية يكون دوره ، لا الإستنباط وفبركة الكلمات ، كما رأتنا ، ولكن استقصاء ما تستعمل الأمة ، فنكون مطمئنين على حياة الكلمة ، إذ أن الأمة وحدها تعطي الكلمة شهادة الحياة .

ومثل هذا العمل الجبار لإحياء وضبط اللغة العربية لا يمكن أن يقوم به إلا أبناؤها.

قد تأخذ عن الخارج العلوم الصحيحة والمنهجية العلمية ويكون ذلك تفتحا ، وأما أن نأخذ العربية ... ف ...

وبعد ، فللفكر شعاب يقصر دونها الإدراك فقد انساب فكري في شعب منها حيث سمعت مناديا ينادي : ألم يأن للعرب أن يقفوا على أرجلهم ويذروا الحبو والإعتماد ؟

لقد رأينا أما كانت كابية في سبات تخلفها ، فما أن استفاقت حتى قامت مهرولة في طريق التقدم ولم يمض عليها نصف قرن حتى تبوأت مكانتها بين الأمم الراقية والأمة العربية قد استفاقت منذ أكثر من قرن ونصف ولكن مستفيقة وكابية في وحلها ، فما السبب يا ترى ؟ أجل ، تخلصت من مستعمريها ، لكن بقيت مترامية عليهم مستندة إليهم مصرة على التتلمذ عليهم إصرارا فيه انهزامية وعدم ثقة بالنفس .

أجل ، زال الاستعمار من المكان ولكنه باق في الوجدان ، ألا إن هذا الاستعمار المرغوب فيه لشر أنواع الاستعمار . ألا يكون ذلك يا ترى ؟

اشترك في نشرتنا البريدية