جاحدا اكون اذا انا بوصفى عربيا ، لم اشكر الاستاذ المستشرق على بعض عباراته الطيبة التى بثها فى مقاله تجاه الثقافة العربية : غير أن ذلك لايتنافى ومؤاخذة المقال بما تبدى لى من تفكك في سياقه وعدم تركيز لفكرة اساسيه يبسطها فيه . بل ان هذه الهنات لتصل احيانا الى حد فقد الرابطة المنطقية والى التناقض . ففي كلمة لايرى داعيا للخشية من العامية والقرآن يصون الفصحى . . . ليستنتج فى الكلمة الموالية تماما هذه النتيجة الغريبة : " من اجل هذا كانت النهضة في التاريخ العربي منذ ثلاثة اجيال نهضة لغوية قبل كل شئ . ص 9 " وقد يكون هذا صحيحا بيد ان استنتاجه مما تقدم خفى وغير ملزم كما يقول المناطقة
وبينما هو فى كلمة ثانية ينوه بشأن الثقافة العربية لا فى جانبها اللغوى وحسب بل وفي مضمونها الفكرى والروحى اذا هو يعود فيزعم " ان علمي اللغة والفقة هما البابان الرئيسيان لتفهم العبقرية العربية فى كيانها الذاتى وفي تكوينها التاريخي . ص 10 " وذلك دون أن يشرك القارىء فى الدواعي التى تعيد الفضل الى الجانب اللغوى ولا تعيده الى الجانب الفكرى والروحى . . ولنصرف النظر عن ذلك لنقفز مع الكاتب فجأة الى " ان مصادر العربية الثلاثية قدرت بسبعة عشر الف مصدر . ص 11 فيشعر القارىء كما لو كان يجرى وراء شخص واذا بهذا يصفق بناحيته الباب . ولننس أيضا هذه " الدمغة " فى مقابل أن يعالجها الكاتب بما ينتظر أن يكون حصل عنده مما يناسب المقال او قل المنعرج الذي انفلت اليه فاذا هو لا يفعل غير ان يفاجئنا ايضا مفاجأة جديدة : " اذ اننا لا نعرف الا من اللغويين انفسهم غالبا حالة اللغة العربية فى الفترة السابقة للتنزيل . نفس الصفحة
وكاني به كان يريد ان يقدم عذرا عما اذا كان فى تقدير تلك المصادر خطأ . فاذا بالاعتذار ينزلق من تحت قلمه ليحل محله تعليل وجود هذه المصادر بفقد المعلومات الوافية عن حالة العربية من قبل التنزيل !
اما انطباعاته عن حالة اللغة والثقافة العربيتين فى حاضرهما فهى كذلك مضطرية متهافتة . ففي الصفحة الاولى من المقال تطالع : " وهكذا خاضت الثقافة العربية معركة العصور وخرجت منها ظافرة " ولكنك تقرأ فى الصفحة الموالية قوله مشاعر من الماضي المجيد تلجأ اليها النفوس تحت وطأة الحاضر المؤلم كما تلجأ الى واحة فى صحراء ، ذكريات فردوس مفقود عصفت به احداث الايام وجحافل التاريخ
على انى لا اريد بهذه الملاحظات ان امثل دور معلم ما ، وان كان وجود من يقوم بذلك ضروريا كلما دعت حاجة كهذه ...، انما اردت ان اعتذر واقترح ، اعتذر بان اسلوب المستشرق قد عاق دون تقديم نقد متسلسل لكلمة ضرورة انها حلقات متناثره لاترابط بينها ، أما الاقتراح تفهو ان ادعو القارىء الى التغلب على خلخلة الموضوع عسى أن يعثر على بعض الفائدة . وذلك بتقطيع المقال - وهو في الواقع كذلك - الى فقرات وجمل كل منها على حدة . ثم القيام بتمحيصها والمقابلة بينها ليسقط او يعدل متهافتها ولينتفع بما يمكث منها . .
ولعل المقال كان يستطيع التخلص من بعض هناته لو أن صاحبه قد عمد الى تحريره في لغته الاصلية ثم عهد به الى مترجم . او لعلى انما اغتررت فيما لاحظت يتواضع المستشرق وما قدمه صدر مقاله من اعتذار ، فى حين أنه فى واقع الامر برئ من العيوب والهنات
ومهما يكن فانى لا اقر حضرة المستشرق على النظرية التى يتبناها مع بعض زملائه والتي مؤداها بان طابع العبقرية العربية يتمثل فى الجهود اللغوية والفقهية التى نشطت بين القرن الثاني والرابع (هجرى ). وهو يلتمس لرأيه في خصوص الناحية اللغوية مستندات ليست لها صفة الاقناع ويقول " . . . لا بما احدثته هذه الجهود من قوة عديمة النظير فى نوعها وحسب ولكن لما بعثه هؤلاء اللغويون من خالص افكارهم فى صلب اللغة نفسها . ص 15
تعارض هذه الفكرة بما يلى : I)ان ارجاع عبقرية امة ما الى اعمالها اللغوية مع ما بذلته من جهود خلافة في ميادين الفكر العامة ليس الاغمطا لهذه الجهود 2) ان ميدان البحث عن عبقرية أمة من الامم ليس هو لوازمها المحلية كلغتها مثلا ، وانما هو ما يخدم عموم الناس فى شؤونهم الروحية العلمية والعملية
3 ) ان فطاحل النحو كانوا فى اكثرهم اعاجم لاعربا
وعبقرية الامة العربية لاتكمن فى رايى وراء المجهودات النحوية - ياللسخرية - والفقهية لاولا فى نفس المجهود الثقافى على روعته ، فهذا كلها ظواهر لمكمنها الاصلى ومنبعها الثر الجياش . انها وراء ما يمكن تسميته ب( التأنيس ) كما فعلت في مكان آخر بصدد موضوع اعم .
والتانيس هذا هو طبع الكون بحضور الانسان ، وذلك يقتضى ثلاثة عوامل متكاملة 1 )التئاخي العام لتوحيد جبهة الانسان ازاء الكون 2 ) العلم الموضوعي لمعرفة " استراتيجية " الطبيعة وتنسيق اعمالنا بصددها 3 ) الجهد المادى لاداء ذلك
فكانت حياة محمد ( بصرف النظر عن الطابع الديني ) هى جانب التأنيس الروحي اذ انها دعت الى التئاخى والتعارف واتسعت للناس كافة انذارا وبشرى ، وكان النشاط الفكرى على يد المثقفين العرب من بعد هو الجانب العلمي ، كما كانت الفتوحات مظهرا للجهد المادى ...
ويقول بعد ذلك الاستاذ بارك : ( وما يضير هذه الانفس المتعطشة ان تكون العامية هي لغة التداول بين الناس وان تقتصر نصوص الادب مرارا عند الادباء على منتخبات نثرية او شعرية وان تطغى حينئذ طرائف ( المستطرف ) على سواها فى النثر . . . ما دامت لغة القرآن الكريم بسحر جمالها وعظمتها تهز المشاعر ، وتهذب الارواح وتنقل الفصحى مصونة لجميع قيمها وتحمل الرسالة طيلة القرون المظلمة والمراحل التاريخية الشاقة . ص 9 "
والواقع ان وجود لهجة عامية للتعبير عن احوال العيش الى جانب لغة للتعبير عن الفكر ولفهم القرآن الكريم لهو بالضبط وعلى عكس مذهب المستشرق ما يدعونا الى الخشية ويقيم امامنا الضير كله . ذلك ان ثنائية اللغة عند شعب ما لابد ان تؤدى الى ثنائية فى الفكر والحياة ، وذلك بين اهل الفصحى واهل العامية ، اذ يكون الحال (كما هو اليوم ) التعبير بلغة لا تتخلل تجاربنا عن نفس التجارب التى نعيش
واذا استمر الحال كذلك فلن يبقى الصراع سجالا او شبيها بالسجال بين العامية والفصحى بل لابد ان يكتب للعامية الانتصار فتصبح لغة بل لغات مستقلة متبابنة بقدر تباين اللهجات الحالية عند الاقطار العربية . . . وعندئذ تقبر الفصحى ويعتريها مصير اللاتينية فيتفرع عنها مثل ما تفرع عن هذه من فرنسية وايطالية . . . مع فرق واحد ولكنه يأتى على آخر عزاء وهو ان اللغات التى قد تتفرع عن العربية سوف لن تكون لها قيمة الفرنسية او الايطالية . . . ضرورة ان هذه نشأت واممها من الحضارة فى خلق ومن الثقافه في عطاء ، بينما لهجاتنا تنشأ ونحن في مؤخرة الحضارة ووراء العرفان . .
كلا ثم كلا . ان الازدواجية تحمل لنا الخشية كلها والخطر الماحق ، ولن يهون من ذلك ان القرآن الكريم فصيح اللغة ولا ان هناك نصوصا من (المستطرف ). . وانما الذى يدفع عنا جانبا من الخطر اجراء بصير مخلص وحازم يكون مضمون التطبيق ومضمون الاسراع بتطبيقه
ومن جانبى البسيط ولكن كعربى وليس اجهل الناس بلغتة ارى الابد فى سبيل ذلك من تحقيق نقط اجملها الآن بما يلى : 1 )صياغة جديدة في قواعد الفصحى 2 ) تبني الالفاظ والتعابير العامية المشتركة بين الاقطار العربية 3 ) توحيد جميع المصطلحات بين جميع الاقطار العربية 4 ) توحيد مناهج الدراسة بين الجميع 5 ) تعميم التعليم لجميع فروعه وحسب احدث الوسائل والمضامين 6 ) قيام جميع الحكومات العربية والمؤسسات الوطنية بترويج هذه اللغة
الناتجة باتخاذ الوسائل الكفيلة . هذا من الناحيه اللغوية فاما الناحية الثقافية فتقتضى مساعى اعمق واوسع
وساعود الي هذه الاقتراحات في المقال الآتى ، اما الآن فلنعد الى الاستاذ بارك فيما اشار البه بالصفة " الاعتباطية " التى تخالفها اللغة العربية على عكس اللغات الاجنبية فيما ارى :
وهو يعنى بالاعتباط معنى يمكن ان يكون اقرب الى ذوق المطلعين على العربية لو استخدم له لفظة الارتجال ، وعلى كل فان مراده يتمثل فى القول بان العربية على عكس الفرنسية مثلا لا تلجأ فى الدلالة على معان متفرعة من مادة واحدة لا تلجأ إلى اكثر من مجرد تصريف هذه المادة : (فنقول مثلا : مكتوب مكتب - مكتبة - كاتب - كتاب ، جميعها كلمات صادرة عن جذرها كتب . بينما نلجا في الفر نسية للدلالة على خمسة اشياء الى خمس كلمات لاصلة صوتية لبعضها بالبعض الآخر . بينما كل كلمة من هذه الكلمات الخمس فى الفرنسية هي كلمة اعتباطية بذاتها ، نجد الكلمات العربية مرتبطة بعضها ببعض حسب منطق بين وما فيها غير الجذر اعتباطى Arbitraine ص 12 "
والواقع ان بعض ذلك خطأ مطلق وبعضه الآخر ينطوى على سفسطة و اغاليط ، ذلك بان للكلمات الخميس التى اوردها معنيين اثنين احدهما عام الآخر خاص وما يقابل كلا منها بالفرنسية او غيرها يجب ان يكون مجانسا المعنى فلا يقابل المعنى العام بالخاص ، لا ولا العكس ، حتى ولو كان له نفس اللفظ . . .
ومن العرض الآتي تتبين مستنداتى فى تخطية الكاتب المعنى العام للكلمات العربية وما يقابلها حقا بالفرنسية ) كتب : Eerire مكتوت :Eerit مكتب : ٥٠٥ ، مكتبة 80 ايضا . كتاب : ايضا ايضا ، كاتب : "
ففى هذا الصنف نجد ان الصلة الصوتية فى الفرنسية كما فى العربية قائمة تماما كما ترى ولم تتخلف فى اى تصريف منها . ومن ثم فان ما ذهب اليه الكاتب معاكس تماما للحقيقة
( 2 ) المعانى الخاصة ومقابلها : مكتب : Bureau مكتبة : Bioliotheque كتاب :Livre فهاهنا فقط وفي خصوص هذه الكلمات يمكن ان يقبل ما لاحظه الكاتب واقول يمكن لان لهذه المعاني الفرنسية فى اصل العربية او فيما عرفته كلمات بعينها تخصها وليست مشتقة من المصدر المعنوى بل انها مرتجلة او مستعارة من لغة اخرى
وهي : خزانة كتب لمعني Bioliotheque صحيفة . او قمطر او سفر لمعنى Livre ديوان لعني Burca حيث اخذه العرب من الفارسية يوم ان اقتضتهم الحياة الجديدة سلوك طرق الادارة والنظير ، ولم تقم الحاجة له قبل ذلك فلم يخصصوا له لفظا .
ومما تقدم ينجلى ان حضرة المستشرق لم يكن اتبع فى مقارنته ابعاد الكلمات القائمة وانما حكم هواه فاختار من الفرنسية ومن العربية عاما وخاصا وراح يعتوره استدلالا على معنى واحد ونتيجة ذلك هى ولاشك بطلان الزعم باعتباطيه اللغات الاجنبية المقصودة وخلو العربية دائما منها .
اما الملاحظة التى قد تترتب على زعمه هذا فقد صاغها فى قوله : ( هنا نطلب الصفاوة والبيان والمنطق . ص 12 ) فلا ندرى هل ان هذا المطلب يتعلق بمظنة وجدان لهذه الصفات او بمظنة فقدانها ، ولكنا اذا واصلنا القراءة الى سطر تال الفينا ان الكاتب قد ذهب فعلا - وان فى مقابل - الى اقرار ( البساطة المنطقية الاصلية ) للغة العربية وذلك من قوله عنها : ( وكانها تريد ان تعوض عن تلك البساطة المنطقية بكثرة المترادفات ، ص 12 )
ويخيل للقارئ اذا ما هو واصل مطالعة المقال ان كاتبه قد اقسم فى عقلة الباطن الا يقيم بين فكرة واخرى واحيانا بين عرض وعرض لنفس الفكر الا يقيم بينهما من علاقة غير التفكك والغموض والتناقض والتلاعب بنقل جرء من المعنى الى جزئه الآخر . فهو بعد ان رأى ان خلو العربية من ( الاعتباطية ) جدير بان يعود اليه فضل الصفاوة والبيان والمنطق بها : بعد هذا يعود فيقول : ( غير ان المصادر والجذور تغذى فى بعض الاحيان الالتباس والتلاعب والالتواء كما ان المشتقات الدالة على شئ تتكاثر فيها المعنيات الى لا نهاية ، ص 12 )
فاذا انتبهنا الى ان خلو العربية من الارتجالية لا يعنى غير اتصافها بالاشتقاقية واذا تذكرنا ما نوه به من اجل هذه الاشتقاقية بالذات لم تجد مفرا من الاختيار بين حكمين متناقضين بين الصفاوة والمنطق والبيان من جهه وبين هذه والالتواء والالتباس والتلاعب من جهة اخرى . والواقع ان الكاتب نفسه قد اجبرنا فيما بعد على استرداد ما منحنا اياه بيمناه فهو يؤكد بجمله
تالية - موظفا يسراه - ثبوت هذه العيوب : ( فظلت العربية حتى اليوم لغة الخطابة والاصدار والهجاء اللاذع اكثر منها لغة البيان والتعليل . فهى اقرب الى الشمول والتعميم ، ص 12 )
ولنصرف الآن النظر عن التناقض لنوافق حضرة الكاتب فى رايه القائل بالصعوبات التى يتسبب فيها الاشتقاق ولكن مع التنبيه على ان فى الاشتقاق بالذات خيرا عميما للعربية لو وجد من يستغل امكانياته كما ارجو ان احاول بيان ذلك في المقال الآخر . على اننا لانوافق بحال حضرة الكاتب فيما استنتجه من امر ( الشمول والتعميم ) في الفقرة الآنفة اذ رأى ان العربية ( تستمد قوتها من ذلك ، وبذلك تحتض كل من تكلمها من السنغال الى الهندوس سعة دافئة تدفع على الاندفاع والحماس ، ص 12 ) اما مستنداتى فى رفض هذا الاستنتاج - وليس المقدمة - فيمكن اجمالها فيما يلى : إذا كان يعنى من العربية دارجها فنتائج الفتح الاسلامي ولاشك هى المؤثرات المباشرة في استعمال تلك الشعوب اباها . اما اذا كان يعنى العربية الفصحى فتلك ( السعة الدافئة ) انما تعود الى ( حرارة ) مضمونها الفكرى والروحى هذه الحراره البالغة بذاتها اولا وفي وقت خلا فيه العالم من كل نور وحرارة ثانيا اما قشور اللفظ فهى لم تضر ولا ينبغي ان تغرى اكثر من تجار الخرز الرخيص . . .
ويعرض بعد ذلك حضرة المستشرق الى مستقبل العربية فيتساءل على لسان العرب : ( هل ستقوم اللغة الكبرى باعباء المستقبل كما هى قائمة اليوم باعياء الحاضر ؟ ام هل ستحجر بدورها فتتنازل فى بحث كل ماهو شعبى ملموس عن بعض خصائصها الرفيعة ؟ ام انها ستفضل البرج العاجي ص 13 )
ونضرب صفحا عن قضية قيامها اليوم اولا باعباء الحاضر مكتفين بالتذكير بما اخذنا به المقال من تضارب وتردد الحكم بين النفى والايجاب لنقول ان مستقبل العربية بظل متوقفا على مستقبل جميع الميادين الاخرى ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية وعلى اصلاح جذرى للغة نفسها كما اشرت سابقا ، ذلك بأن اللغة هي اطار الثقافة والثقافة هي الشاشة العاكسة لنشاط امتها . . . وقصتها عبر الوجود .
اما النمط الذى يتم عليه ذلك فلن يكون كما لاحظ حضرة المستشرق الا على اساس من ( قذف ) الماضى فى الحاضر ، فى استشراف المستقبل . وذلك ايضا بروح من التكاملية والثورية السلمية الشاملة التى يكون ميدانها واجهة موحدة في رفع مستوى التعليم والاقتصاد والكيان الوطني والمجتمع . . فلا يعود " ما ينالنا من ذلك يسير وفق نظام يخالف ما لوحظ فى تاريخ الشعوب الاخرى المتقدمة . ص 14 )

