قصدى من هذا الحديث ان لا اتنازل عن الصعيد الموضوعى الذى لا تتسنى بعدمه اية ترجمة امينة فان وجد فيه القارىء بعض الجفوة او الامتعاض او القساوة فى الحكم فليعتبر ذلك من باب النزاهة والامانة والصدق مع علمه انى منذ ستة عشر عاما لا اتوخى فى الترجمة او النقل غير هذه الطريق وانى اقسو على نفسى اكثر مما اقسو على غيرى
فن الترجمة او النقل اعسر فنون الادب لانه يتطلب من الاديب الناقل ضعف ما يتطلبه من الاديب الكاتب فلا يتسنى للمترجم او الناقل القيام بعمله الشاق المضنى فى تحقيقه وتدقيقه وتمحيصه الا اذا عرف معرفة جيدة واتقن اتقانا كاملا لغتين على اقل تقدير اللغة التى ينقل منها واللغة التى ينقل اليها فكيف تريد الجاهل للغة الفرنسية مثلا ان ينقل منها الى اللغة العربية وهو يفهم روحها ولا يعرف اسلوبها ولا يتبين خفايا تعبيرها ولا اسرار تراكيبها وان كان من فقهاء اللغة العربية والا كان ما يسميه بالنقل محض تصرف شأن نقل مصطفى لطفى المنفلوطى لبعض آثار الادب الفرنسى
والذين ينقلون فى الشرق من اللغة الفرنسية او من اللغة الانجليزية يبدو مما نقلوه اما انهم يجهلون اللغة المنقول منها واما ان ضيق الوقت والضرورة التجارية يضطرانهم الى تشويه الآثار ومسخها وافراغها مما لها من قيمة وسلبها مما تمتاز به من روح خاصة بها
ومن العار عليهم وعلى العروبة الجمعاء ان يظهر هؤلاء النقلة اذا قورنوا بالناقلين القدامى زمن المأمون مثلا بمظهر الاقزام او القردة ولو اردنا تتبع النقل فى الشرق العربى فى شتى ميادين الفكر الانسانى والتراث البشرى لبعد بنا المطاف وطال القول ولما وسعه مثل هذا الحديث بل قصدنا الاكيد وغايتنا المتواضعة حصر قولنا فى ميدان ضيق من ميادين الشعر والحق ان فكرة تحرير هذه الملاحظات كان السبب فيها تصفح اعداد مجلة " شعر " Shir البيروتية التى تدعى احتكار الشعر العربى المعاصر بانكارها على جهابذة الشعر العربى من غير محرريها صفة الشاعرية وتناسى
قيمة غيرهم لجهلها او تجاهلها آثارهم وحتى وجودهم الذى قد يكون ملأ فراغا لم ينتبهوا قط الى سده
ولنعتمد فى هذه الملاحظات المتواضعة التى نريدها ان تكون اقرب ما تكون الى الموضوعية وابعد ما تكون عن العصبية وهوى النفس لنعتمد ما جاء من نقل فى عدد مجلة " شعر " الخاص بالجزائر ( عدد 17 شتاء و 1961 )
لذلك لا يمكننا غير انتخاب بعض الاخطاء الفادحة الماسخة للاصل المشوهة لروحه والقاتلة لايحائه الانسانى الخالد تاركين للقراء الحرية الكاملة فى تقدير قيمة الترجمة ومستواها
لقد اشتمل العدد على تراجم قصائد لاربعة من الشعراء اثنان منهم فرنسيان من الاحرار التقدميين هما Pierre Emmanuel و Alain Jouffroy واثنان جزائريان احدهما مسلم Nordine Tidafi والآخر من اصل فرنسى هو Henri Krea
واليك مثال من نقل قصيدة " العادلون الجلادون ( Les Justes les bourreaux ) لبيار ايمانويل :
Malheur a qui se croit sauve en succombant
A la tentation d'etre blanc comme neige
الويل لمن يظن انه نجا بالوقوع
فى تجربة ان يكون ابيض كالثلج
( ص 57-56 )
هذه ترجمة حرفية تذكرنا ما كنا نتلاهى به حين كنا طلاب علم ومعرفة بالمدرسة الصادقية منذ اكثر من ربع قرن فكان لنا مناسبة هزل وفرصة تسلية لابد منها لمواصلة الدراسة الشاقة المضنية التى اضطرنا اليها الوضع يومذاك والتى نباركها اليوم مهما كبدتنا اذ ذاك من مشاق وعناء واضناء .
ثم انى لاراهن ايا كان على ان يدعى ان القارىء العربى الجاهل للغة الفرنسية يفهم حرفا واحدا من خلال هذه الترجمة ولو ان الاصل الفرنسى به بعض الغموض او قل الرمز الا ان الناقل عوض ان يقربه من القارىء العربى ويجعله فى متناول فهمه قد زاده غموضا وابهاما بما كسا تعبيره العربى ( ؟) من عجمة
وليس بالخفى ان اكبر آفات الترجمة الاسلوب الحرفى الذى يؤدى حتما الى العجمة وعدم فهم الاصل المنقول منه ولذلك نورد مثالين آخرين من نفس قصيد بيار ايمانويل
أولهما :
II n' est pire abomination que la pensee des Purs
ليس اقبح من فكر
الانقياء
( ص 15-14 )
وثانيهما :
Accoutres comme des acteurs de bergerie
بزى من يمثلون دور الرعاة
)ص 15-14 (
وهذه امثلة من قصيد " مؤامرة المتساوين " ) ( La Conjuration des egaux لهنرى كرييا وقد اهداه الشاعر إلى صديقه جمال الجزائرى
Et je veux parvenir
Vampire inepuisable
A cette aube qui nous calcine
واريد ان اصل
عفريتا يمتص الدماء لا يرتوى
الى هذا الفجر الذى يجعلنا كلسا
) ص 33-32 (
وليس من الغلو او المبالغة ان اقول انى اجد مثل هذا التعريب فى محاولات تلاميذى المبتدئين في هذا الفن فليس هذا التعريف حرفيا فقط بل هو ماسخ للمعنى الاصلى مشوه لروح اللغة الفرنسية ومناف للتركيب العربى الصحيح هذا ولا فائدة مثلا فى ذكر :
De la misere totalitaire
بالبؤس الجماعي
( ص 33-32 )
او ذكر :
Demuni de toute sorte de contingence
مجردا من كل نوع من واجب الوجوب
وليلاحظ القارئ ان المعنى الاساسى الذى تعبر عنه لفظة Contigence هو الامكان لا الوجوب واليك من القصيد نفسه مثالين آخرين مضحكين حقا
الاول :
Raison tu as bon dos
ايها العقل ظهرك محمى
) ص 39-38 (
والثانى :
Les banderilles bien ajustees sur le sein de Notre Dame d' Afrique qui a
bien des choses sur la conscience
الحراب مصوبة جيدا الى ثدى سيدة افريقيا
التى على ضميرها عدة اشياء
ولو تصفحنا ترجمة " اربع قصائد " لنور الدين تيدافى ( يقين - اللحية الحمراء - عمر جغرى - سليم ) وترجمة " اعلان الاستقلال " La declaration ( d'Independance لألان جوفروا لوجدنا فيها ما نقوم له ونقعد الانفعال العادل والحياء القاتل بل وحتى الغضب والحقد الناقم فاليك مثلا :
Peuple clair aux menaces
شعب مضئ امام التهديدات
) ص 77-76 (
واليك :
Paris qui pratiquez le racisme tous les jours de la Chapelle a la goutte d' Or
conter les Nordafs
باريس التى تمارس العنصرية كل النهارات من
الكنيسة الى النقطة الذهبية ضد النورداف
والله ، انه ليخيل اليك انك فى ملعب " سيرك (Cirque) تشاهد الاقزام منصتا لما يجرى بينهم من احاديث مثيرة للضحك عند ما تقرأ " النهارات " و " النقطة الذهبية " وخاصة " النورداف " او " يا جلدى العجوز " فى الترجمة الآتية
Mais de tout cela, Vieille peau,
J'ai assez
لكن من كل هذا يا جلدى العجوز
عندى كفاية
وبهذين المثالين الاخيرين قد بلغ السيل الزبى وانتهى الامر الى ما لا يطاق فلا بد من الانفجار
فيا ايها الناقل " المحترم " الذي لا يحترم الاصل ولا يحترم القراء ولا يحترم حتى نفسه بحيث يعرضها للناس فى بلاهتها وجهلها المركب ولا يتصور ان من القراء فى غير بلاده المحترمة من يحسن شيئا من فهم اللغة الفرنسية والغوص فى اعماقها والتمكن من خفايا اسرارها
قلت ايها الناقل " المحترم " لا فائدة فى الفضول بنقل الآثار الفرنسية المتعلقة منها بالمغرب العربى على الاقل اذا كنت تجهل لفظة Nordafs التى هى ترخيم لفظة Nord-Africains او عند ما يشير بذلك التعبير الى جلده وثباته صديقه قائلا له Vieille Peau او عند ما يشير بذلك التعبير الى جلده وثباته امام عديد التجارب القاسية
ولا تركك ايها الناقل " المحترم " انت و " جلدك العجوز " ولقد هممت ان اقول " انت وجلدك العجوز " فعندك فيه الف كفاية ولا عجب فى ان لا يجد القارىء اسماء الناقلين لقصائد بيار ايمانويل ونور الدين تيدافى وألان جوفروا فذلك دليل على اعترافهم بعجزهم او بعدم رضاهم عما قدموا من ترجمة مستعجلة
اما العجب العجاب فهو ان ناقل قصيدة هنرى كرييا الخالدة " الشاعر المحترم " شوقي ابا شقرا لم يستح كزملائه من ذكر اسمه بل اثبته فى انانية واكتفاء باللغتين العربية والفرنسية ليكتب لترجمته الماسخة المشوهة البارعة فى المسخ والتشويه ليكتب لها وله الخلود وخلاصة القول انى ان كنت ارثى لاحد فى هذه المهزلة فلجمهور القراء فى الشرق الذين يتعرفون لآثار الغرب الخالدة من خلال مثل هذه الترجمات

