الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول، ترجمة الشعر

Share

قصدى من هذا الحديث ان لا اتنازل عن الصعيد الموضوعى الذى لا تتسنى بعدمه اية ترجمة امينة فان وجد فيه القارىء بعض الجفوة او الامتعاض او القساوة فى الحكم فليعتبر ذلك من باب النزاهة والامانة والصدق مع علمه انى منذ ستة عشر عاما لا اتوخى فى الترجمة او النقل غير هذه الطريق وانى اقسو على نفسى اكثر مما اقسو على غيرى

فن الترجمة او النقل اعسر فنون الادب لانه يتطلب من الاديب الناقل ضعف ما يتطلبه من الاديب الكاتب فلا يتسنى للمترجم او الناقل القيام بعمله الشاق المضنى فى تحقيقه وتدقيقه وتمحيصه الا اذا عرف معرفة جيدة واتقن اتقانا كاملا لغتين على اقل تقدير اللغة التى ينقل منها واللغة التى ينقل اليها فكيف تريد الجاهل للغة الفرنسية مثلا ان ينقل منها الى اللغة العربية وهو يفهم روحها ولا يعرف اسلوبها ولا يتبين خفايا تعبيرها ولا اسرار تراكيبها وان كان من فقهاء اللغة العربية والا كان ما يسميه بالنقل محض تصرف شأن نقل مصطفى لطفى المنفلوطى لبعض آثار الادب الفرنسى

والذين ينقلون فى الشرق من اللغة الفرنسية او من اللغة الانجليزية يبدو مما نقلوه اما انهم يجهلون اللغة المنقول منها واما ان ضيق الوقت والضرورة التجارية يضطرانهم الى تشويه الآثار ومسخها وافراغها مما لها من قيمة وسلبها مما تمتاز به من روح خاصة بها

ومن العار عليهم وعلى العروبة الجمعاء ان يظهر هؤلاء النقلة اذا قورنوا بالناقلين القدامى زمن المأمون مثلا بمظهر الاقزام او القردة ولو اردنا تتبع النقل فى الشرق العربى فى شتى ميادين الفكر الانسانى والتراث البشرى لبعد بنا المطاف وطال القول ولما وسعه مثل هذا الحديث بل قصدنا الاكيد وغايتنا المتواضعة حصر قولنا فى ميدان ضيق من ميادين الشعر والحق ان فكرة تحرير هذه الملاحظات كان السبب فيها تصفح اعداد مجلة " شعر " Shir البيروتية التى تدعى احتكار الشعر العربى المعاصر  بانكارها على جهابذة الشعر العربى من غير محرريها صفة الشاعرية وتناسى

قيمة غيرهم لجهلها او تجاهلها آثارهم وحتى وجودهم الذى قد يكون ملأ فراغا لم ينتبهوا قط الى سده

ولنعتمد فى هذه الملاحظات المتواضعة التى نريدها ان تكون اقرب ما تكون الى الموضوعية وابعد ما تكون عن العصبية وهوى النفس لنعتمد ما جاء من نقل فى عدد مجلة " شعر " الخاص بالجزائر ( عدد 17 شتاء و 1961 )

لذلك لا يمكننا غير انتخاب بعض الاخطاء الفادحة الماسخة للاصل المشوهة لروحه والقاتلة لايحائه الانسانى الخالد تاركين للقراء الحرية الكاملة فى تقدير قيمة الترجمة ومستواها

لقد اشتمل العدد على تراجم قصائد لاربعة من الشعراء اثنان منهم فرنسيان من الاحرار التقدميين هما       Pierre Emmanuel    و  Alain    Jouffroy  واثنان جزائريان احدهما مسلم      Nordine Tidafi   والآخر من اصل فرنسى هو    Henri Krea

واليك مثال من نقل قصيدة " العادلون الجلادون ( Les Justes les bourreaux ) لبيار ايمانويل :

Malheur a qui se croit sauve en succombant

A la tentation d'etre blanc comme neige

الويل لمن يظن انه نجا بالوقوع

فى تجربة ان يكون ابيض كالثلج

( ص 57-56 )

هذه ترجمة حرفية تذكرنا ما كنا نتلاهى به حين كنا طلاب علم ومعرفة بالمدرسة الصادقية منذ اكثر من ربع قرن فكان لنا مناسبة هزل وفرصة تسلية لابد منها لمواصلة الدراسة الشاقة المضنية التى اضطرنا اليها الوضع يومذاك والتى نباركها اليوم مهما كبدتنا اذ ذاك من مشاق وعناء واضناء .

ثم انى لاراهن ايا كان على ان يدعى ان القارىء العربى الجاهل للغة الفرنسية يفهم حرفا واحدا من خلال هذه الترجمة ولو ان الاصل الفرنسى به بعض الغموض او قل الرمز الا ان الناقل عوض ان يقربه من القارىء العربى ويجعله فى متناول فهمه قد زاده غموضا وابهاما بما كسا تعبيره العربى ( ؟) من عجمة

وليس بالخفى ان اكبر آفات الترجمة الاسلوب الحرفى الذى يؤدى حتما الى العجمة وعدم فهم الاصل المنقول منه ولذلك نورد مثالين آخرين من نفس قصيد بيار ايمانويل

أولهما :

II n' est pire abomination que la pensee des Purs

ليس اقبح من فكر

الانقياء

( ص 15-14 )

وثانيهما :

Accoutres comme des acteurs de bergerie

بزى من يمثلون دور الرعاة

)ص 15-14 (

وهذه امثلة من قصيد " مؤامرة المتساوين " ) ( La Conjuration des egaux لهنرى كرييا وقد اهداه الشاعر إلى صديقه جمال الجزائرى

Et je veux parvenir

Vampire inepuisable

A cette aube qui nous calcine

واريد ان اصل

عفريتا يمتص الدماء لا يرتوى

الى هذا الفجر الذى يجعلنا كلسا

) ص 33-32 (

وليس من الغلو او المبالغة ان اقول انى اجد مثل هذا التعريب فى محاولات تلاميذى المبتدئين في هذا الفن فليس هذا التعريف حرفيا فقط بل هو ماسخ للمعنى الاصلى مشوه لروح اللغة الفرنسية ومناف للتركيب العربى الصحيح هذا ولا فائدة مثلا فى ذكر :

De la misere totalitaire

بالبؤس الجماعي

( ص 33-32 )

او ذكر :

Demuni de toute sorte de contingence

مجردا من كل نوع من واجب الوجوب

وليلاحظ القارئ ان المعنى الاساسى الذى تعبر عنه لفظة Contigence هو الامكان لا الوجوب واليك من القصيد نفسه مثالين آخرين مضحكين حقا

الاول :

Raison tu as bon dos

ايها العقل ظهرك محمى

) ص 39-38 (

والثانى :

Les banderilles bien ajustees sur le sein de Notre Dame d' Afrique qui a

bien des choses sur la conscience

الحراب مصوبة جيدا الى ثدى سيدة افريقيا

التى على ضميرها عدة اشياء

ولو تصفحنا ترجمة " اربع قصائد " لنور الدين تيدافى ( يقين - اللحية الحمراء - عمر جغرى - سليم ) وترجمة " اعلان الاستقلال " La declaration ( d'Independance  لألان جوفروا لوجدنا فيها ما نقوم له ونقعد   الانفعال العادل والحياء القاتل بل وحتى الغضب والحقد الناقم فاليك مثلا :

Peuple clair aux menaces

شعب مضئ امام التهديدات

) ص 77-76 (

واليك :

Paris qui pratiquez le racisme tous les jours de la Chapelle a la goutte d' Or

conter les Nordafs

باريس التى تمارس العنصرية كل النهارات من

الكنيسة الى النقطة الذهبية ضد النورداف

والله ، انه ليخيل اليك انك فى ملعب " سيرك (Cirque) تشاهد الاقزام منصتا لما يجرى بينهم من احاديث مثيرة للضحك عند ما تقرأ " النهارات " و " النقطة الذهبية " وخاصة " النورداف " او " يا جلدى العجوز " فى الترجمة الآتية

Mais de tout cela, Vieille peau,

J'ai assez

لكن من كل هذا يا جلدى العجوز

عندى كفاية

وبهذين المثالين الاخيرين قد بلغ السيل الزبى وانتهى الامر الى ما لا يطاق فلا بد من الانفجار

فيا ايها الناقل " المحترم " الذي لا يحترم الاصل ولا يحترم القراء ولا يحترم حتى نفسه بحيث يعرضها للناس فى بلاهتها وجهلها المركب ولا يتصور ان من القراء فى غير بلاده المحترمة من يحسن شيئا من فهم اللغة الفرنسية والغوص فى اعماقها والتمكن من خفايا اسرارها

قلت ايها الناقل " المحترم " لا فائدة فى الفضول بنقل الآثار الفرنسية المتعلقة منها بالمغرب العربى على الاقل اذا كنت تجهل لفظة Nordafs التى هى ترخيم لفظة Nord-Africains او عند ما يشير بذلك التعبير الى جلده وثباته صديقه قائلا له Vieille Peau او عند ما يشير بذلك التعبير الى جلده وثباته امام عديد التجارب القاسية

ولا تركك ايها الناقل " المحترم " انت و " جلدك العجوز " ولقد هممت ان اقول " انت وجلدك العجوز " فعندك فيه الف كفاية ولا عجب فى ان لا يجد القارىء اسماء الناقلين لقصائد بيار ايمانويل ونور الدين تيدافى وألان جوفروا فذلك دليل على اعترافهم بعجزهم او بعدم رضاهم عما قدموا من ترجمة مستعجلة

اما العجب العجاب فهو ان ناقل قصيدة هنرى كرييا الخالدة " الشاعر المحترم " شوقي ابا شقرا لم يستح كزملائه من ذكر اسمه بل اثبته فى انانية واكتفاء باللغتين العربية والفرنسية ليكتب لترجمته الماسخة المشوهة البارعة فى المسخ والتشويه ليكتب لها وله الخلود وخلاصة القول انى ان كنت ارثى لاحد فى هذه المهزلة فلجمهور القراء فى الشرق الذين يتعرفون لآثار الغرب الخالدة من خلال مثل هذه الترجمات

اشترك في نشرتنا البريدية