الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول، منزلة المرأة عبر العصور،

Share

يقول الماضي : أنا ! ما أن ؟ أنا ما كنته دائما . فيجيب الجديد : إذا أنت لا تساوى شيئا فتلاش واضمحل                                "برتلت براشت "

          انتفاضات البشرية واحداثها عديدة لا تحصى ، أما ثوراتها التى تقلب  مجرى التاريخ ، وتغير ملامحه ، وتغذيه بنسخ جديد متجدد فهى قليلة على جلالتها وخطورتها . ورغم ذلك فأنه يعسر على الباحث التمييز ، فى اكثر الاحيان ، بين الثوارات البناءة المثمرة - دموية كانت او سلمية - وبين الاحداث والانقلابات السياسية التى تلبس لباس الثورة وتتشح بوشاحها على ان للثورة الحق علامات عديدة ضبطها المؤرخون والباحثون وأفاضوا فيها وأهمها فى رأيى ، ظهور المرأة على مسرح الاحداث وبروزها متعاونة مع الرجل متحمسة له منادية بما ينادى به من اصلاح وبعث وتقدم . فلقد كان للمرأة - عند ظهور الاسلام وعند اندلاع الثورة الفرنسية والثورة الروسية والصينية وفى نهضة العالم العربى الاسلامى فى اوائل هذا القرن - دور عظيم جدا . كما انها خاضت - ولن تزال - بجرأة فريدة غمار الثورة التونسية والجزائرية . ولكن الذى لا يمكن انكاره هو انها بقيت تابعة للرجل ، سائرة على هديه ، مؤتمرة باوامره ، اذ الكون الى يومنا هذا كون الرجل والعالم عالمه . فما هى دوافع التفات الرجل الى المرأة فى مثل هذه الفترات ؟ ولم هو ياخذ بيدها عندما يثور فيحررها من القيود التى كبلتها ؟ وبكلمة ادق ما هى منزلة المرأة ومكانتها زمن الثورة وبعده ؟ هذا ما ساحاول الكشف عنه موردا بعد ذلك أمثلة من التاريخ العربى الاسلامى مقتصرا على بعض الشخصيات النسائية المرموقة .

ظلت المرأة تابعة للرجل ، سواء فى فترات الثورة أو فى العصور التى يخيم عليها هدوء التقاليد واطمئنان العادات واستقرار الاوضاع . الا ان هذه

التبعية تتلون فى كلتا الحالتين بلون خاص فتتسم بسمة العبودية فى هذه وبسمة التحرر والاخذ باليد فى تلك . ولا غرو ان تطغى على الرجل ، فى عصور الظلمة والانحطاط ، الانانية وحب الذات . فينغلق قلبه وعقله لكل معانى الحياة وينطوى على نفسه مثيرا فيها كل حقد وقسوة او مطمئنا الى جمودها وسكونها فكيف يمكن له عند ذلك ان ينظر الى غيره نظرة الرحمة وان يرى فى اخيه الانسان مثلا وندا ! وكيف يمكن له - وهو المعتز بقوته المندفع وراء غرائزه - اعتبار المرأة مخلوقا له حقه فى الحياة الكريمة المتفتحة! لا جرم ان يقسو عليها وينزلها احط منزلة ويبوئها احقر مكانة . تلك هى منزلة المرأة فى عصور الجمود : تبعية مع عبودية ورق ، ورضا بالتبعية واستسلام لها . فينجر عن ذلك اعتقاد المرأة بان الرجل هو كونها وانه هو عالمها . فتتضاءل ذاتها وتذوب شخصيتها وتذهب طرافتها .

اما اذا احس الرجل فى فترة من الفترات ولسبب من الاسباب بالحياة تدب فى كيانه ، ونظر الى ما حوله من تقاليد وعادات ومعتقدات نظرة الشك والريبة وضاق بالقيود التى تكبل تقدمه وتقف عقبة فى طريق ارتقائه فانه يثور ، وليس لثورته من معنى الا عندما يتفتح قلبه وعقله الى كل معانى الحياة فينشد بكل ما لديه من قوة استكمال انسانيته ولن يتاتى له ذلك ابدا اذا هو لم ينكر ذاته ولم يطرح عنه انانيته ولم يلتفت الى اخيه الانسان فياخذ بيده ويفتح بصيرته ويرفع من شأنه . فيكف يمكن لهذا الثورى الا يمد يده الى المرأة فيحررها من القيود التى افقدتها انسانيتها ! وكيف لا يستنجد بها وهو فى ثورته محتاج الى من يقيم اوده ويقوى صفه ويعلى كلمته ! ففى هذه الفترة بالذات تتمتع المرأة بحرية كبيرة وبتسامح من الرجل لا يحد ويصبح كونها هو الكون وعالمها هو عالم الناس جميعا .

غير انها رغم ذلك تبقى مدينة للرجل مرتبطة ارتباط التابع بسيده الرحيم فهي لا تفهم الكون الا بواسطته ولا تستكمل انسانيتها الا عن طريقه أو هى تتبارى معه فى حيرة وقلق باحثة عن حل لمشاكلها عند غيرها وهنا يكمن الخطر وتكون الكارثة بالنسبة اليه واليها اذ ما ان تستقر الاحوال وينشأ المجتمع الجديد المنبثق من الثورة حتى تقوى فى الرجل عناصر الانانية و يتملكه الزهو فيبادر اول ما يبادر الى السيطرة على المرأة وقتل كل روح تحررية فيها فيقضى بذلك على عنصر من عناصر ثورته ويميت فيه بذرة من بذور الحياة . فيكون الجمود والانحطاط وتكون النكبة والنكسة . وهذا ما

وقع بالنسبة لثورات قديمة وخاصة الثورة التى شملت العرب عن طريق الاسلام .

فلم يبق للمرأة اذن الا ان تفهم الكون بنفسها ولكن مع الرجل لا بواسطته ولم يبق لها الا ان تستكمل انسانيتها وتكون مع الرجل طاقة للتقدم والاطراد فى الحياة ولعمرى كيف تصل الى ذلك اذا هى لم تتعلم ولم تتثقف ولم تكسب رزقها بنفسها .

وتفصحنا كتب التاريخ الاسلامى لوجدنا أن جميع المؤرخين يكادون يجمعون على أن الذى لحق المرأة فى العصر الجاهلى من مهانة وتبعية للرجل يندى له جبين البشرية . ولعلهم ارادوا من ذلك ابراز الكسب الذى احرزته المرأة بظهور الاسلام وتوطيد اركانه بالجزيرة العربية . غير ان بعض الاحداث التى تتعلق بشخصيات نسائية عاشت فى عصر ما قبل التاريخ تجعلنى اقف موقف الشك مما ردده اجدادنا قبلنا ! بل اذهب الى القول بان منزلة المرأة العربية كانت قبل الاسلام وفى أيامه الاولى أحسن بكثير مما صارت عليه فى ظل المسلمين فيما بعد . وليس معنى هذا ان العرب لم يغنموا غنما كبيرا باعتناقهم الاسلام اذ فضله الذى لا ينكر هو فى توحيدهم  ونشر التئاخي بينهم ، على الاقل فى الفترة الاولى من اسلامهم . واكاد اجزم ان المرأة هى وحدها التى باءت بخسران مبين بعد الثورة التى هزت الجزيرة العربية فخرجت مهيضة الجناح مغلولة منكسة الراس . ذلك ان النظام القبلى قبل ظهور الاسلام بقليل قد وصل - وخاصة فى القبائل المتقدمة نسبيا - الى اوجه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا فلم تبق له الا خطوة واحدة حتى يستحيل الى نظام أمة فكان ذلك على يد الشخصية الفذة الرسول محمد . ففي نظام قبلى مثل هذا لم تكن المرأة مرهقة نسبيا بل خطت خطوات في سبيل التحرر وكان لها من وسائل الانعتاق والبروز ما جعلها تبز الرجال وتقف مزهوة امامهم . ولعل احسن مثال يؤيد ذلك هو ما كانت تتمتع به الخنساء من شهرة وان كانت هذه الشهرة عقيمة وما احرزته خديجة بنت خويلد من كسب وشرف عظيمين .

    ولدت الخنساء فى قبيلة بنى سليم القبيلة العظيمة التى تفتخر على العرب جميعهم بابطالها واسيادها وامجادها ومآثرها . وليس ادل على ذلك من وجود والدها عمرو بن الحارث ضمن وفود العرب على كسرى . ترعرعت

تماضر فى المجد والشرف والغنى وشبت على ذلك واعتقدت ان قبيلتها هى أشرف القبائل العربية وان أباها وأخويها صخرا ومعاوية خليقون بأن يسودوا العرب لانهم كانوا يمثلون أحسن تمثيل الخصال التى كان يتغنى بها القوم من شجاعة وكرم ومروءة . فكانت بمكانتها تلك قادرة على أن تتحرر من جميع القيود وان " تملك امر نفسها " كما قال والدها . ولكن هيبة الرجل وتفوقه فى مثل هذه المجتمعات لم يوفرا لها جميع الاسباب لتحقيق ذلك فراحت مختارة راضية طيعة تتغنى بفضل اخويها وتعبدهما عبادة وتربط مصيرها بمصيرهما . حتى انها عزفت عن الزواج من دريد بن الصمة الشاعر والسيد المرموق وتزوجت بعد ذلك رجلا من بنى عمها متلافا للاموال باهت الشخصية . وليس  هذا بالغريب من امرأة جعلت عالمها وكونها اخويها لا تتصور مصيرها الا فى مصيرهما ولا تفهم معنى الحياة الا بواسطتهما ولقد رضيت مختارة التبعية لهما وفقدت بذلك ذاتها وشخصيتها كامرأة مكتملة الانسانية . فلا عجب اذن ان نراها بعد موتهما وضياع كل آمالها فيهما تبكيهما بكاء لا سلوة بعده لانها أضاعت معنى الحياة بزوالهما وتبخر بين يديها كونها وعالمها .

ولعل الخنساء تمثل احسن تمثيل المرأة التى خرجت من طور التبعية المفروضة فرضا الى طور التبعية المرتضاة وهى خطوة فى سبيل التحرر ولكنه تحرر زائف لا يعقب الا العقم وفقدان الشخصية . ولعل هذا هو نصيب المسلمات فيما بعد وخاصة فى العصور العباسية وما تلاها من فترات الظلمة والجمود ،

 وبينما كانت الخنساء تحاول شق طريقها فى سبيل التحرر والمجد ومصيرها الحتمى هو الخيبة لا محالة كانت خديجة بنت خويلد تبنى فى مثل ذلك الوقت مجدا محققا اذ توفرت لديها جميع اسباب التحرر واستكمال الشخصية . انحدرت من بيت اشتهر رجاله بالحكمة والمعرفة من مثل ورقة بن نوفل فلا غرو ان كانت فى مستوى من النضج والوعى يخولان لها بناء مجدها ومجد من تبعها . فكانت ثقافتها - ان صح هذا القول - عنصرا من عناصر تحررها واثراء ذاتها كما ان ثراءها واستقلالها الاقتصادى - الامر الذى لم نجده بالنسبة للخنساء اذ كانت تابعة لصخر - أتاحا لها الوقوف صامدة أمام الرجال وأمام الكون فاختارت حياتها كما تريدها هى لم تفرض عليها ولم تكن تابعة فيها لاحد . وعندما تزوجها الرسول محمد وجدها امرأة " تملك نفسها "

أكثر مما تملكه الخنساء فأثرته معنويا وماديا وعانته على بناء المجتمع العربى الاسلامى الجديد . فهذه هى الفترة الوحيدة التى نجد فيها المرأة فى شخص خديجة مستقلة عن الرجل تمام الاستقلال اقتصاديا ومعنويا متعاونة معه بدون تبعية مقيتة وهى لعمرى هى فترة الثورة وخاصة اذا تيقنا ان المبدأ الذى يرتكز عليه الاسلام هو التآخي والتآزر والمساواة وهو مبدأ من مبادئ الاشتراكية . وهذا هو الذى كان ينادى به الرسول محمد وحققه وضمن بقاءه واوصى به المسلمين فى خطبة الوداع وألح ، وسار عليه بعده أبو بكر وخاصة عمر الذى اشتهر بالعدل لا لشىء الا لانه عرف ان التآخى والمساواة هو كسب العرب الوحيد من الاسلام وهو الذى جعل منهم أمة بطريقة او باخرى . غير ان فترة الثورة البناءة المقامة على حب الانسان لاخيه الانسان مهما كان : أعجميا أو عربيا ، سوقة أو علية ، امرأة أو رجلا لم تدم وتعطلت حسب رأيى على يد على بن ابى طالب . وليس هذا استنقاصا لرجل اشتهر بالشجاعة والعبقرية والفقه فى الدين وانسج على ذلك ما شئت بل هو اعتراف بامر واقع لا يمكن انكاره : ان عليا غاب عنه هذا الذى اتى به الاسلام وغره علمه ومحتده فظهر مزهوا معتدا بما يراه . سئل بعد مقتل عمر عن سيرته فى المسلمين اذا هو ولى الخلافة هل سيسير فيهم سيرة الخليفتين أم لا ؟ فاجاب بأنه سيجتهد ما أمكنه ذلك . فازور عنه القوم وولوا عثمان . وهذا دليل على اعتزازه برأيه وفهمه الاسلام فهما خاصا به . على كل فانقسام المسلمين كان على يده فضاع المبدأ العظيم الذى حافظ عليه الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان فى الفترة الاولى من خلافته الا وهو التآخي والتحابب والمساواة . فاصبحوا مسلمين ولا اسلام

ما كان نصيب المرأة من كل هذا ؟ وما كانت منزلتها بعد انطفاء شعلة الثورة ؟

عرفت المرأة فى الفترة التى كان يدعو فيها الرسول للاسلام المساواة مع الرجل فعذبت مثلما عذب واعانته كما اعانها . ثم لما انتصر الرسول واستقرت الامور واخذت الآيات تنزل واضعة أسس هذا الدين الجديد كانت مؤثرات عديدة تخدم ضد المرأة لانه فى حقيقة الامر لم يرض لها الكثير من المسلمين هذا التحرر وهذا الافلات من قبضة الرجل ويظهر ذلك جليا فيما ألم بعائشة - زعيمة المسلمات بعد خديجة - من احداث .

دخلت عائشة بيت الرسول وهى صغيرة السن فكانت لذكائها ولوعيها محببة عند زوجها فتعلمت الدين وفهمته وشاهدت بعينيها كيف كان يواجه الرسول الاحداث فاصبحت لها خبرة بأمور الدولة وأمور المسلمين . ولقد سار الرسول معها سيرته مع خديجة رغم الغيوم (حديث الافك ) واكرمها فاستكملت عنده انسانيتها ولم تشعر بنقص أمام الرجل ولا بتبعية . فلما توفى الرسول أكرمها أبو بكر وعمر واستشاراها فى كثير من أمور الدولة فلم تتدخل مباشرة ولكن عند ما انقسم المسلمون فيما بعد احست وهى أم المؤمنين بواجب التدخل ضد على لا معه . وليس فى نيتى ان ادافع عن عائشة او ان ألومها هنا انما الذى يهمنى هو انها رأت فى نفسها القدرة على مجاراة الرجل والوقوف أمامه ومحاربته ان اضطرها الامر . وكان على هو عنوان الرجولة الكاملة فى ذلك الوقت فتصدت له عائشة فى واقعة الجمل تقاومه لانها تعتقد انها ند له وانها مثل الرجل فى امكانها ان تقود المعركة . غير ان الظروف لم تهئ لها النصر فهزمت وضاع  كل طموح في المرأة لمضاهاة الرجل . وهزيمتها فى وقعة الجمل تمثل آخر مرحلة من مراحل مقاومة المرأة العربية المسلمة فى سبيل شق طريقها بنفسها من دون تبعية للرجل . وهكذا عندما انطفأت الثورة انهزمت المرأة شر هزيمة وتغير مجرى التاريخ . وانقلبت نزعة التآخى والمساواة الى تناحر وتقاتل ضاع فيه حق المرأة وحق كل المستضعفين . وأخذ الخناق يضيق شيئا فشيئا عليها حتى وصلت الى درجة من المهانة وفقدان الشخصية ما جعلها تحشر في زمرة العبيد المسترقين ومن يريد تصور ذلك ما عليه الا ان يقرأ شعر أبى العلاء المعرى فيها وقد اعتقد - خاطئا - ان صورة المرأة هى تلك ولا يمكن ان تكون غير ذلك . فنقم عليها نقمة تشبه نقمة البيض على السود فى جنوب افريقيا أو المستعمر على المستعمر . وخيم الظلام على المرأة كما خيم على العالم العربى الاسلامى الى أن طلع هذا القرن فدبت الحياة في النفوس وتطلعت الى النور وحاربت الظلم والقهر ونادت بالمساواة والاخذ بيد المستضعفين فظهرت المرأة من جديد على مسرح الاحداث ولها من اسباب الارتقاء واستكمال الشخصية ما لم يتوفر لها فى اى عصر من العصور

اشترك في نشرتنا البريدية