الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول إشكالية علوم الإنسان

Share

لا يختلف اثنان فى أن العصور الحديثة تعيش انفجارا عميقا فى كل أنماط العلوم . أصبح العلم يوسع رقعته شيئا فشيئا ، فيغوص على مستويات عديدة ومتباينة من الموجودات . وطبعا دخل الانسان هذه البوتقة المتصاعدة ،  فانطلقت علوم مختلفة تحاول رسم قوانين فى إنيته العميقة " son moi profond "واجتماعه ، فى حاضره وتاريخه ، فى اقتصاده  وسياسته . . فما هى منزلة ( 1 ) العلوم الانسانية ؟ وما هى الصعوبات التى تواجهنا فى محاولتنا تقنين الانسان ؟

ان مفهوم " علم الانسان " يشتمل على تناقض داخلى ان نحن طرحنا القضية من وجهة الفلسفات المثالية ( 2 ) نستطيع ان نقول بشئ من الاجمال او الفلسفات المثالية تجعل الوجود درجات ثلاثة أساسية :

- الاله وهو يشكل المنطلق المطلق - الطبيعة المادية

- الانسان الذي يمثل " منزلة بين منزلتين " فالانسان ملتصق بالمادة بجسده ، ولكنه متجاوز لها بنفسه وهي " قبس إلاهى " يميزه عن سائر الكائنات .

فان انطلقنا من هذه الفلسفات المثالية وذهبنا الى ان الانسان فى آن واحد يلتصق بالمادة ويتجاوزها أصبح علم الانسان علما شموليا غير ممكن امكانا مطلقا لان العلم في تعريفه الاساسي لا يتجاوز عالم المحسوسات .

بعد ان حاولنا ضبط هذه المفارقة بين موقف الفلسفات المثالية وتحديد العلم ما هي العقبات المنهجية التى تواجه دراسة الانسان دراسة علمية ؟

إن العلم يمارس مادة واضحة مضبوطة ممارسة مباشرة . وهذا الشرط الاساسى لا يتأتى بصفة كاملة مع الانسان . فهو منجذب انجذابا عميقا بين حاضره المعاش وتطلعاته المستقبلية . فأنا ملتصق بالمستقبل نفس قوة التصافي بالحاضر . وقد ألح الفلاسفة الوجوديون على هذا الجانب فى تركيزهر على مفهوم " الانسان - المشروع " homme projet 'l " ، وقد أكد كذلك  " Lucien Goldmann "  (3) عندما حلل مفهوم " الوعى الممكن " la conscience possible " ان كل فرد له امكانيات معينة تجعله بتجاوز حاضره ، وهذه الامكانيات تتغير خاصة تحت وطأة البنى الاقتصادية والاجتماعية .

وهذه الكثافة الفردية تتجاوز الحاضر والمستقبل الى الماضى . فلا فهم حقيقي للشخصية إن نحن لم نربطها بشعاب التجربة الماضية . وقد ألح الفيلسوف الفرنسي فسدورف" Gusdorf " على انصهار الماضي والحاضر والمستقبل فى بلورة كيان الانسان . فقال فى هذا السياق : " ان معرفة الذات تمر بمنعرج تاريخ الانسان قاطبة من منطلقاته الماضية إلى تطلعاته المستقبلية " ) 4 (   والعلم يواجه التناقضات التى تقوم عليها كل شخصية . . فكل فرد يمر بخلايا اجتماعية متنافرة القيم . فنحن لا نجد فى العائلة القيم التى تقدم لنا فى المدرسة ، وكذلك لا نجد فى الشارع قيم المدرسة . وهذه التناقضات القيمية تحدث فى الفرد تأزمات وتقلقلات تجعل شخصيته زئبقية ، صعبة الحصر والتحليل . وهذا التأزم يبلغ ذروته فى الانبتات الحضارى فمثلا العربى الذى ينشأ فى مجتمع اسلامي محافظ ثم ينتقل الى حضارات متحررة يعيش عادة

صعوبات في التوفيق بين هذين النمطين الحضاريين . ويكفى فى هذا السياق أن نقرأ " موسم الهجرة إلى الشمال " للسودانى الطيب صالح أو " المنبت " للتونسى عبد المجيد عطية .

وبصطدم العلم كذلك بزئبقية الانسان فالفيلسوف الفرنسي المعاصر " H . le Febvre " حلل جدلية الرغبات والحاجيات ( 5 ) . فالفرد كلما توغل  فى شعاب التجربة التاريخية تكثفت حاجياته ، فتتحول شيئا فشيئا الرغبات حاجيات . كان الانسان فى المجتمعات الغربية يرغب فى اقتناء سيارة ، ثم مع التطور اصبحت السيارة فى هذه المجتمعات حاجة تكاد لا تقل تأكدا عن الحاجيات المادية الاساسية ، وطبعا ان التحول لا يتأتى عرضا ،   بل تتداخل فيه عناصر متعددة منها فاعلية الاشهار وتمكن المحاكاة . . الانسان يرغب مراهقا في تدخين سجارة ثم مع الايام والسنين تصبح السجارة متأكدة تأكد الماء والخبز . العلم يواجه عادة مادة قارة واضحة المعالم والانسان متحول زئبقى لا مستقر له .

وتعقد علم الانسان يزداد تعمقا إذا ما رجعنا الى طبيعة المنزلة البشرية . لقد حاولت الانثروبولوجيا " L' Anthropologie " الحديثة ابراز جملة الضغوط التى تعتمل فى الانسان وتظهر محدوديته . ولكن مهما يكن من أمر فكل انسان له شحنة من الحرية تمكنه دائما من تجاوز القوانين التى نحاول سنها حوله . فمجرم اليوم قد يتحول صالحا غدا . والمجتمعات الراكدة " الباردة " على حد تعبير " Levi - Strauss " قد تحول ما فيها وتبرز حركيتها .

فهذه التحولية الدائمة فى الانسان تتضارب مع ما يقتضيه العلم من تقنينية . لقد قال ارسطو قديما " لا علم خارج القوانين العامة " . والانسان مهما قلنا فيه بقى خصوصيا فردا " unique " متحولا قادرا على التحولات نسبية كانت أو جذرية .

ولكن الاشكال الاساسى يبقى فى طبيعة مواجهتنا العلمية للانسان ، هل تنزل علم الانسان منزلة علوم الطبيعية ؟ لقد قال دركهايم " Durkheim "في كتابه

المنهجى " قوانين المنهجية الاجتماعية " : ) يتحتم ان نمارس الظواهر الانسانية كما نمارس الاشياء ( . وعارضه فى ذلك " Monnerot " معارضة جذرية وأساس هذه المعركة بين " Durkheim " و  " Monnerot " ما زال قائما مثيرا لمواقف متناقضة . هل نكتفى بالنسبة للانسان بموقف خارجى ترقيمى ؟ ام هل نعتمد فى تحليلنا العلمي للظواهر البشرية على شحنة من الحدس ؟ فالانسان لا تستنفذه الاحصائيات والخطوط البيانية والمعادلات الرياضية بل يبقى دائما " لغزا " نغوص عليه من خلال " حدس ذاتى " ، فهذه المعركة تبرز أن علم الانسان رغم كل فتوحاته يبقى فى " منزلة بين منزلتين " بين العلم والفلسفة .

انطلاقا من هذه العجالة نرى ان علم الانسان يطرح جملة من المشاكل العميقة ، فالكائن البشرى تتعامل فيه عناصر مكثفة متناقضة ، وهو زئبقى فى رغباته وحاجياته . وهو كذلك يملك شحنة من الحرية تمكنه من تجاوز كل تقنين .

اشترك في نشرتنا البريدية