التربية الاخلاقية :
لقد ظهرت منذ ايام ، حركة نشيطة فى النطاق القومى ، تقاوم انحطاط الاخلاق وفساد السلوك ، وانهيار القيم . . . انها لبادرة مباركة بادر بها السيد . كاتب الدولة للرئاسة ، وانها وان كانت متجهة رأسا الى الكهول فحسب ، فهى محدية جدوى محدودة لان تربية الكهل عسيرة ولان الاعوجاج شب معه وتأصل فيه وصلب عوده فان أنت لم تحسن تقويمه فانك تخشى أن يحدث الطرق احديدابات أخرى تعسر تسويتها خاصة وأن الكهل فى الاقطار الحديثة العهد بالاستقلال يعانى من رواسب تربيته السقيمة ، ومن بيئته الفاسدة ، ومن فقره وحرمانه ، الشئ الكثير ، الامر الذى خلف فيه انحرافات وعقدا نفسية كثيرة ناجمة عن اهمال المستعمر لهذا الكهل . . .
ويصفتى معلما لا أرى لتقويم الاخلاق وتهذيب السلوك وتركيز القيم السامية فى الانسان ، لا أرى لذلك شيئا اسدى وأجدى وانفع من تدعيم وتقوية الواعز الدينى فى الانسان منذ نشأته الاولى أى من المدرسة الابتدائية .
الواعز الديني : هو هذا الشعور الحاد المتولد فيك دوما ، والمتكامل فى تحدد سرمدى ، والناجم عن شعورك العميق ، وادراكك المتين وعقيدتك الثابتة بوجود اله عظيم يدفعك الى الخير ويجازيك عنه ويحظرك عن الشر ويعاقبيك عنه . . . هو هذا الشعور الحاد الذى يوقفك الى نفسك محاسبا ، ويردك الى انسانيتك ، ويكشف لك بشاعة انحرافك لتفر منها ، فتستقيم وتثوب وتتلاءم ٠٠٠
ان افراط الطموح وتعنت الانانية فى الانسان يدفعان به الى التأله وفى طريقه الى ذلك ، وفى تحقيقه ذلك ، يكون الانزلاق والتردى فى مهاوى الرذيلة فى أوسع معانيها ، فان لم يكن الواعز الدينى فى الانسان متينا ، فان النوازع الشريرة تحتد فى النفس وتسيطر على الذات فتنساق عمياء فى مسارح الهوى
التدرج فى غرس الواعز الدينى :
ان ما يكتنف دوافع النفس البشرية وغرائزها من غموض وتلون وسيطرة توجب رعايتها رعاية دقيقة واعية ، حتى تصقل وتثقف وحتى يكون العقل عقالا حديدا يكبل نزواتها ويقوم انحرافاتها ، لذلك يجب أن يبنى المفهوم الدينى عند الانسان فى المرحلة الاولى على التقديس والقبول والنزول ، ان صح هذا التعبير ، الى أن يقره حدسا ثم يتدرج البناء شيئا فشيئا الى الاقرار الذهنى المبنى على المنطق ثم الى الاعتقاد الراسخ .
فانظر الى المفهوم الدينى فى فجر الاسلام الم يكن مقاما على التقديس والهيبة والاسلام ؟ ألم يكن ذلك ناتجا عن المستوى العقلى الذى كان عليه المجتمع العربى آنذاك ؟ ثم انظر الى وسائل الترغيب والترهيب التى استعملها القرآن وكيف انه جنح الى الصور المادية لتقريب المفهوم المعنوى لتلك الاذهان البدائية: " جنات عدن تجرى من تحتها الانهار . . . فى جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية ، فيها سرر مرفوعة واكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة . . . وجوه يومئذ خاشعة ، عاملة ناصبة ، تصلى نارا حامية ، تسقى من عين آنية ليس لهم طعام الا من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع " .
ونجد فى القرآن الكريم الكثير من الصور البليغة التى لا استحضرها الآن .
ثم انظر الى المفهوم الديني بعد ذلك ، فى العهد الذهبى للدولة العباسية وخاصة الى فلسفتى أهل السنة واهل المعتزلة . . .
الم يواكب الدين الاسلامى تلك الحضارة التى التمعت وازدهرت ؟
انحدار الاخلاق الاسلامية :
فان كانت الاسباب التى أدت الى انهيار الاخلاق الاسلامية كثيرة ، فانى لا أرى سببا أخطر من ذلك الذى نجم عن تلك الحركة الجدلية فى شؤون الدين التى ظهرت فى العهود العباسية . فقد انقسم المسلمون الى أقسام ثلاثة .
فالقسم الاول تفتح فيه الاجتهاد الى تجاوز حدوده والاخلال بالقيم الدينية القيمة واستبدت به أنانيته فآثر الدنيا واستأثر بها فكان ما كان له من ترف وخلاعة وعبث واهمال للعمل المجدى المنتج . . .
أما القسم الثانى فقد آنغلق على نفسه وطغت عليه أنانيته لحب الجنة فآثر
الآخره واستأثر بها فجمد في حدود المفاهيم الدينية الضيقة وافرط فى التزمت وحبس نفسه فى المساجد متعبدا متزهدا مهملا شؤون العمل المجدى . . .
أما القسم الثالث ، وهو الممثل للاغلبية ، فقد تأثر بالفريق الاول وبالفريق الثانى وأباح لنفسه ما وافق هواه من الصنف الاول وركن الى الحلول المتجمدة التى وجدها فى الصنف الثانى وأصبح يشعر أنه فى حل من أعماله ، وكلما تحركت فيه عين الضمير حمل مسؤولية أخطائه أولياء الله مشائخ هذا المذهب أو ذاك . فاذا " الله غفور رحيم يقبل التوبة فى آخر العمر ، واذا الحج حجرة استحمام لغسل الذنوب " فلا تثريب عليه ان سرق أو اغتصب أو اعتدى او احتال ما دام هناك الحج ، والصلاة والتوبة . . . وهكذا انحرفت الاخلاق وانهارت القيم بانحراف وانهيار جوهر المفهوم الدينى الاصيل . . .
التعليم الدينى بمدارسنا :
وهو مقسم بالمدرسة الابتدائية الى ثلاث مواد وهى العبادات يتناول فيها تقديم وتعريف أركان الاسلام الخمسة الصلاة والزكاة والصوم والحج والشهادة ثم القرآن وهو قسمان قرآن آيات ، فيلقن التلميذ آيات منتخبة لتدعيم دروس الاخلاق كما يلقن التلميذ من سنته الاولى الى السادسة سورا قرآنيه تبدأ بالفاتحة وتنتهى الى سورة الاعلى . ثم يتخلل ذلك دروس فى الاخلاق .
ثم تأتى المرحلة الاولى من التعليم الثانوى فيسمى التعليم الدينى بالتربية الاسلامية وتقتصر فى السنة الاولى على شرح منازع الاسلام الانسانية والاصلاحية كالاسلام دين علم ، ودين فكر ، وحرية الخ . . . أما بالسنة الثانية والثالثة فتقع العودة الى شئ من فقه الصلاة والزكاة الخ . . .
ولا يطالب التلاميذ بمواصلة حفظ شئ من القرآن !
وللحكم على صلاح الشئ أو عدم صلاحه فلا بد أن ننظر الى نتائجه ، وانى أقترح على الاذاعة والتلفزة الوطنية ، أو على من اراد ذلك ، أن تقوم ببحث فى صنف طلاب الجامعة يتناول شؤون الدين والتدين ، وانى أشير الى اسئله على سبيل الارشاد لا التحديد :
_ هل أنت متدين ؟
_ كيف تفهم الدين والتدين ؟ هل تؤمن ، بكل صدق ، بوجود اله ؟ لماذا أنت مسلم ؟ إذا أخطأت هل تخشى عقاب الله أم ماذا ؟ هل يرافقك الشعور بوجود اله عظيم كلما أقدمت على القيام بفعل مهما كان نوعه ؟ هل تصلى ؟ هل
صليت ؟ هل ستصلى ؟ ما هى الغاية من الفروض الدينية ؟ هل تحفظ الآن جيدا شيئا من القرآن ؟ . . . . . الخ .
وهكذا بت أطرح على نفسى السؤال التالى : ما هو مدى عمق الواعز الدينى فى ابنى ، هذا الذي سيواصل تعلمه الثانوى والعالى وسيتشبع من مختلف الفلسفات الوجودية منها وغير الوجودية ؟ وهل سأراه يوما متدينا ، مصليا ، أو اماما ؟ والا فلماذا المساجد ولمن تبنى ؟ قال لى أحدهم : لماذا تطلب منى أن أكون متدينا لأكون متصفا بصفات خلقية كريمة ؟ ان العقل السليم كفيل بأن يردع الانسان ويوجهه الى السراط المستقيم . فقلت له : قد يكون ذلك صحيحا ولكن هذا العقل الحصيف لا يوجد عند كافة الناس أو عند جلهم على الاقل ثم ان لمنطق العقل رحابا فسيحة واستنباطات كثيرة وسفسطائية مفحمة . . . وأما الغاية من التربية الخلقية المبنية على التدين الصحيح المنبثق عن ايمان وعقيدة هى هذا الحضور الدائم لهذا الشعور الذى يشعرك بوجود قوى خفية عظيمة ترقبك وتدفعك للخير وتعاقبك على فعل الشر . فانظر الى كم من عالم علامة استعمل كل طاقاته وذكائه ودهائه وصبره وجلده ومعاناته لاختراع هذه المدمرات التى تهدد الانسانية بالمحق الشامل ، فلو كان هذا العالم متخلقا ، متدينا بالمفهوم الدينى الذى أشرت اليه آنفا لصرف مجهوداته هذه فيما ينفع البشرية . . . ثم ابحث عن أعمق اسباب ظهور الالحاد والعبثية واللادينية أو اللائكية فى عصرنا ، فلن تجد سببا أقوى من عدم تأصل الواعز الدينى فى الانسان .
مقترحات :
لتركيز وتدعيم الواعز الدينى فى الطفل لا بد ان ننطلق ، فى تلقين التعليم الدينى ، باشعار الطفل بالمعنى الدينى وبدفعه الى قبوله فى جو من الهبة والتقديس والخشوع . فالاشعار عند الطفل فى السنوات الثلاث الاولى من تعليمه الابتدائى يكون أجدى من الافهام لان مدركاته العقلية محدودة ولان المادة الملقنة مادة ميتافيزكية عصية على عقل الطفل الذى يعتمد فى تلقية المعرفة على حواسه . على أن يتدرج به الشرح شيئا فشيئا فى صور مادية مجسمة . وأقترح :
1 _ أن يلقن الطفل حزبا كاملا من القرآن خلال السنوات الست للتعليم الابتدائى . فالحفظ ينمى الذاكرة ويقويها ويدربها على الاختزان والاحتفاظ ثم ان القرآن ، بأسلوبه البديع ، ثروة لغوية تحفظ اللسان من اللحن فى النطق ، وفى امكان التلميذ ، فيما بعد أن يستغل هذه الثروة فى دراسته وكتاباته . . . وللقرآن اعجاز بلاغى يبعث فى النفس شيئا من الراحة لا
يبعثها الشعر أو غيره من بديع الحرف ، ثم إنه لا ضير من ان يحفظ المسلم شيئا من القرآن الكريم .
2 - أن تفتح الدروس في مرحلة التعليم الابتدائى بحصة فى القرآن تكون قصيرة ( 15 دقيقة مثلا ) .
3 - أن لا تضبط حصة أسبوعية لدروس الاخلاق فى جدول الاوقات وانما يكون درس الاخلاق وليد حادثة حدثت فى يومها أو استنبطت ، أو تكون مولدة عن معنى قرآني وارد في نص الآيات القرآنية المراد تلقينها فى هذا اليوم ، فينسج المعلم لذلك قصة متكاملة العناصر .
4 - أن تكون دروس العبادات مطبقة من طرف التلاميذ ، فبالاتصال بالاولياء وبتأتير الشعبة الدستورية الجهوية والاذاعة والتلفزة نصل بالطفل الى التعود على القيام بواجباته الدينية .
أما بالتعليم الثانوى :
فيكون الطفل قد بلغ مرحلة من نموه العقلى تهيئه ، شيئا فشيئا ، لقبول المعانى التقريرية ، المنطقية ، فيكون تدريس التربية الدينية مبنيا على امرين :
أ - أن تشرح شؤون الدين شرحا مفصلا دقيقا يؤدى الى الاقناع والقبول عن روية .
ب - أن يكتنف هذه الدروس الجو الخشوعى التقديسى ، ولابد أن ينبع هذا الجو من الاقناع والاقرار والاعتقاد ، حتى تتلاقى القيم الاخلاقية المنطقية بالقيم الدينية ، فتقول الاخلاق هذا حسن وذاك قبيح ويقول الدين هذا حلال وذاك حرام . فتصبح الغاية من القيام بالصلاة لا الحصول على الجنة ، وطاعة لفرض الهى ، وانما الصلاة " تنهى عن الفحشاء والمنكر " تقوم الاحلاف فى الدنيا واذا استقامت اخلاقك حسن سلوكك فى حياتك واذا كان لك ذلك عم نفعك وطهرت نفسك ، وازدهر مجتمعك ، وقد يتجاوز نفعك مجتمعك الى المجتمع الانسانى ، وبذلك فحسب تنال الجنة .
ولذلك أقترح :
1 _ أن يتواصل تدريس التربية الدينية كامل السنوات الست للتعليم الثانوى ، فيتناول أمهات القضايا الدينية بالدرس حسب برنامج يضبط .
2 _ أن يتواصل تحفيظ القرآن فى مرحلتى التعليم الثانوى الى حد أدنى هو الستة أحزاب ، تكون موزعة كما يلى : التعليم الابتدائى : حزب .
مرحلة التعليم الثانوى الاولى : ثلاثة أحزاب موزعة على ثلاث سنوات مرحلة التعليم الثانوى الثانية : حزبان موزعان على ثلاثة أعوام .
3 _ أن يلقن القرآن نصوصا تدرس دراسة عميقة ثم يطالب التلميذ بحفظها وأن يشارك فى تدريس ذلك أستاذ التربية الدينية وأستاذ العربية .
4 _ أن لا يرتقى تلميذ من فصل الى فصل الا بعد ما يجيد حفظ القسط المقرر فى برنامج السنة مع استذكار ما وقع حفظه فى السنوات المنصرمة .
تلك خواطر أردت أن أطرحها لعلها تساعد رجال اصلاح التعليم فى بلادنا فى اصلاحهم ، وما دفعنى الى ذلك الا ما نشاهده من تفسخ اخلاقي فى بعض شبابنا ، وما نلاحظه من غربة هائلة بين الشاب والدين وبين الاقوال والصفات والاعمال . . . ولعلنا اذا عالجنا الداء بل إذا عالجنا الداء فى المهد نتمكن من القضاء عليه ، وتأمن ما وقع فيه شباب بعض الاقطار المتحضرة من البدع والمذاهب المشينة والمتنكرة للاخلاق ، فاخرج الى الشارع وانظركم يتعشق شباب الاقطار الحديثة العهد بالاستقلال التقليد الاعمى . . .
