الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول اصلاح التعليم

Share

المصطلحات العلمية واللغة العربية :

هذه خواطر شخصية أردت أن أسوقها فى هذا الحديث على سبيل الاشارة لعلها تساعد رجال الاصلاح فى التعليم فى أعمالهم.

ان الطالب أو المدرس يشعر بعجز عن استعمال المصطلحات العلمية فى لغة الكتابة أو التخاطب اذا ما أراد أن يستعمل اللغة العربية أداة فى ذلك - ففي الشارع يستعمل اللغة الفرنسية فيقول عن المحرك والمنبه والمعطل  moteur , accelerateur , frein ,لا يعن له أن يستعمل المصطلحات العربية لانه لا يجد فيمن يتعامل معهم من يفهم أو يستعمل هذه المفردات ، وقد توضح لى هذا جليا عندما باشرت تدريس اللغة العربية فى المدارس الابتدائية أو المعاهد الثانوية فاذا ما طلبت من تلاميذى أن يكتبوا فى موضوع وصفى فانى اراهم يقتضبون ويجملون كلما دعوا لوصف مخترع من المخترعات الحديثة ويلتجئون فى ذلك الى المسميات المستعملة فى اللغة الدارجة ، ولكن نفس المشكل أقع فيه أنا بدوري كناقد ومصلح للمواضيع الموسعة من طرف التلاميذ . وذلك لأمرين أثنين أولهما : أن زادى فى المصطلحات العلمية بالعربية قليل وهذا راجع الى مناهج تعلمي ، وثانيهما : أن استعمالى لهذه المصطلحات فى بيئتى نادر جدا ان لم أقل منعدم ، الأمر الذى جعلنى أنسى بعض هذه المصطلحات القليلة وأجد مشقة فى استذكارها واستعمالها فى شروحى لتلاميذى . وبت أتساءل عن أسباب ذلك ؟ فقلت : ان ذلك يعود الى مناهج التعليم القديمة والى بعض غايات المستعمر فى مسخ الذاتية التونسية وادماجها فى الذاتية الفرنسية . ولكن الأمر اليوم تغير وأصبح يفرض السؤال التالي : هل يمكن للغة العربية تلبية مطالب العصر الحديث فى ميدان التعبير عن مسميات الاختراعات والاكتشافات ؟

لقد أمكن لها فى الماضى - فتفتحت لمختلف الحضارات كالحضارة اليونانية والحضارة الهندية وغيرهما واحتضنتها بصدر رحب ثم زادت فيها بما نتج عن هذا الاحتضان من عمل وبحث فاكتشف علم الجبر والصفر وحللت المعادن وركبت ، وكان للعصر الذهبى فى عهد الدولة العباسية باع كبير فى هذه الميادين العلمية

وأشير على سبيل التذكير الى بعض رجالات العلم : أمثال ابن سينا والرازى ومحمد بن موسى الخوارزمى وجابر بن حيان وغيرهم ...

ولكن لماذا كان ذلك الازدهار فى ذلك العصر ولماذا اختنق اليوم ؟ الاسباب كثيرة أذكر منها أن العرب كانوا أكثر تبصرا بشؤون العلم وبقضايا التعبير ففتحوا باب ادخال اللفظ الدخيل وعربوا ما يمكن تعريبه ، ولم ينظروا الى هذا القضية نظرة المجمع اللغوى العربى الحالى.

ولعل هذا ما دفع بحكومتنا لاتخاذ اللغة الفرنسية فى تلقين المواد العلمية . لأن هذه اللغة حية واكبت الحضارة ولم تتحجر ، فقد اختيرت ، كما قيل لتكون نافذة تفتح على الحضارة العالمية . وهذا حل عاجل وضرورى فى هذه الظروف الحالية ، ولكن الى متى سنبقى نستعمل هذه اللغة ؟ وهل يمكننا القيام بعمل يجعلنا نتخلص تدريجيا من اللغة الفرنسية ونعوضها باللغة الرسمية ، اللغة العربية ؟ هل يمكننا كدولة ، لغتها العربية ودينها الاسلام أن نشارك بقسطنا فى انتشال اللغة العربية ؟ أم هى لغة " مائعة " كما قال بعضهم ، لغة عواطف وليست بلغه علوم .

حول اصلاح التعليم : مقترحات :

ان لى اقتراحات أردت أن أقدمها لعلها تكون مخططا لاستعمال المصطلحات العلمية العربية فى تلقين العلوم فى مرحلة التعليم الثانوى بقسميها .

1 - ان تدريس الرياضيات والطبيعيات لا يستلزم زادا لغويا عاما كبيرا وانما يكتفى الاستاذ بمعرفة المصطلحات العلمية وبربطها فى جمل وتراكيب سهلة بسيطة ، ثم ان اللغة المستعملة فى شروح النظريات قليلة وتعتمد الارقام والحروف التى ترمز الى المواد .

وقد تمكن بعض الاساتذة الذين تلقوا هذه المواد باللغة الفرنسية من تدريسها باللغة العربية ، وقد استطاع بعضهم ترجمة شئ منها . فالامر اذن يتعلق بهمة هؤلاء الاساتذة وفي مدى قبولهم للجهد ولشئ من المعاناة .

وعلى أساس احصاء دقيق لعدد الاساتذة القابلين لتدريس العلوم باللغة العربية يمكننا أن نتخلص شيئا فشيئا من مشكلة فقرنا للاطار المدرس .

2 - أن يتكون بكتابة الدولة للتربية القومية قسم ، أو ما شابهه ، يعتنى بطبع نشريات شهرية فيها تعريب لمواد العلوم حسب ماضبطته البرامج الرسمية المقررة ، توزع على الاساتذة وتقوم لهم مقام المذكرات .

3 - أن تلقن هذه المواد باللغة العربية واللغة الفرنسية مؤقتا حتى نستوفى حاجتنا من الاساتذة الذين يدرسون هذه المواد باللغة العربية ، وأن يتم تدريس هذه المواد باللغة العربية طوال السنوات الست الاولى من التعليم الثانوى ثم تكون الدراسة فى السنة السابعة باللغة الفرنسية حتى يتمكن الطالب ، في هذه الظروف الانتقالية ، من مواصلة دراسته العليا.

فالطالب اذا ما تحصل على الجزء الاول من شهادة الباكلوريا يكون قد تحصل على زاد لغوى فرنسى يمكنه ، بشئ من العناء فى أول الامر ، من مواصلة دراسته العليا باللغة الفرنسية ، وبذلك قد نستثمره لا فى ميدان البحوث العلمية فحسب بل فى التدريس والتعريب أيضا .

مشكلة التعريب :

لقد طال الجدال فى مشكلة التعريب ، وأظن أن المتجادلين لم يخرجوا من هذين النقطتين .

هل نأخذ المصطلح كما سماه صاحبه وننطق به بالأصوات التى جاءت فى تسميته كأن نقول التلفون  Telephone أم نعرب ذلك بالعودة الى المعطيات التى اعتمدها المخترع فى تسميته للاختراع ونخلق له اسما عربيا فنقول : الهاتف وطال الجدال فى ذلك ولا أظن أنهم خرجوا بنتيجة حاسمة ، فاصلة ، غير أنى اشير الى انه يجب أن نعرب ما أمكن تعريبه ، وأن نأخذ بكل نزاهة ، وبدون مركبات ، ماشاع على ألسنة الناس ، وأصبح متداولا فى العالم بأسره .

وأظن أنه قد حان الوقت لمعالجة هذه المشكلة التى أطرحها اليوم ، ولا أظن اذا عالجنا الداء من المدرسة الابتدائية ، أننا سنجد فى الاجيال القادمة الكثير ممن لا يحسنون التعبير بدقة عن المخترعات الحديثة باللغة العربية هذا بالاضافة الى ما تبذله الاذاعة والتلفزة والصحف من مجهودات مشكورة فى هذا الباب . وان رأينا المجاهد الاكبر ينادى بتبسيط لغة التخاطب ، فهذا لا يعنى أنه يتنكر للغة العربية وانما هو يطالب بلغة تصلح لا بلاغ المفاهيم لجماهير شعبية تجهل ، كما بينت ، اللغة العربية .

ورشاقة اللفظ واستعماله الاستعمال الخفيف ، وابلاغه الى العامة بطرق غير مملة تألفه الاذن ، واذا ما ألفته الاذن استعمله اللسان ، فانظر الى اللغة الدارجه وما فيها من التراكيب والاستعمالات والالفاظ الفرنسية المعطبة ٠٠٠

ر - غ

اشترك في نشرتنا البريدية