الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول اقبال

Share

تشكل كل قضية فكرية كائنا حيا، يخضع كسائر الكائنات الى نواميس لنشوء والارتقاء. تبعث الى الوجود وتدفع من حيز القوة الى طور الفعل، ثم تظل تنمو وتشتد، نسغها الثر طاقة العقل المبتدعة الخلاقه ومعينها الذى لا ينضب عبقرية المفكر التى هى ان وجدت رفعت صاحبها الى القمم. عطف أفلاطون على مشكلة القرار والتحول فى الموجودات، فوقف منها مواقف فكريه خالدة رسمت الفلسفة، فى مفهومها المتداول، السبل التى عليها سارت والخطوط الرئيسية التى على ضوئها أهتدت. وأنكب أرسطو على التعدد الطبيعى ومنتحاه الفلسفى فخط للتفكير الطبيعى اطارا عاما ظل أداة منهجية صالحه حتى عند الطبيعيين فى العصور الحديثة أمثال Darwin و Lamarck. ففى هذا اللقاء الازكى الاسمى بين المفكر العبقري المبدع والقضية الجوهرية الصميمية تكون أنطلاقة شرارة الخلق ويكمن سر غنم التجديد وفتح مشرق الآفاق ووضائها. وكذلك الشأن بالنسبة لاقبال. عقد العزم على الوقوف على التجربة الدينية ونوع علاقتها بسائر مستويات التحريرية الانسانية. فطالعنا فى هذا المجال بأفكار كأروع ما تكون الافكار وخواطر كأطيب ما تكون الخواطر.

لقد كان مدار تفكير اقبال الرئيسى ما يمكن ان نسميه بالحدث الدينى ( Le phenomene religieux)  إذا أردنا أن نسوق اصطلاحا سلك طريقا ملكيا فى  علم الاجتماع الحديث. فقد حرص اقبال على استشفاف الحقيقة الدينية من حيث انها ذات طبيعة وتطور ووظيفة ومن حيث انها تشمل تحت فاعليتها مجتمعات حضارات تؤثر فيها وتضفى عليها صبغتها الروحية. ينظر الانسان حواليه، فتصادمه حياة يومية رتيبة مملة ويلفحه صراع داروينى قاس من أجل البقاء والاستمرار فى الوجود. فالدين ينزل من روحه آنذاك منزل البرد السلام اذ أنه يدفعه إلى تجاوز هذه الرتابة الرتيبة وهذا الصراع الهصور الى نشوة المطلق وغنم القرار. والدين جوهرى نسبة للانسان والفعل، فالله يشكل مرتكز المطلقات وأسبابها الوجودى والمنطقى. فالقيم مظاهر فرعية ثانوية لا نستطيع لمعناها ضبطا ولجوهرها استشفافا الا اذا عشنا حياة دينية أصيلة. وهنا يعمد اقبال إلى تحليل الحياة الدينية وضبط مستوياتها المتباينة. يمكن أن ننظر الى الدين من ناحية خارجية بحت. فهو فى هذا المضمار جملة من التعاليم

والطقوس والمواقف من الوجود والجماعة يمكن ان تقاس وان تسلط عليها مفاهيم علم النفس الجماعى أو علم الاجتماع الدينى. فالدين بهذا الاعتبار اداة ضبط اجتماعى تحدد للفرد نوعا من السلوك وترسم له ما تسميه المدرسة الامريكية الحديثة بنية الشخصية Lo personnalite de base. والدين فى مفهوم ثان يمكن أن يكون مغامرة لفهم الوجود وتنسيقه من علاقة المخلوق بالخالق ونسبة الوجود الى العدم وترابط الواحد والمتعدد. فالانسان فى هذه المغامرة الفكرية الجريئة الشيقة يريد أن يفهم كل شئ بعقله ومنطقه الاستدلالى. والفلسفة اليونانية ثم من بعدها الفلسفة الاسلامية الكلاسيكية دليلان بينان على هذه الرغبة اللاعجة الملحة الجانحة الى عقل الوجود عقلا منطقيا تحدد فيه المعميات. والدين ثالثا وفى منزلته الارقي اختيار ماورائى يحدد أفقا خاصا للتجربة الوجودية الفردية. وعند هذا الحد من تفكيره يجد اقبال نفسه تجاه نوع من التضارب. فهو يلاحظ ان الحقيقة الدينية خفية ميتافيزكية والحال أننا عادة فى تكويننا الفكرى لا نرتاح للحقائق التجريبية التى نستطيع ان نخضعها للمراجعة الحسية La verification experimentale .

ولكن اقبالا سرعان مايجتاز هذا التضارب عندما يستمر فى تمحيص جنس الحقيقة الدينية. فهى فى كنهها حصاد تجربة فردية فذة لا يمكن أن تنتظم الجماعات كما تنتظمها البديهيات المنطقية، ولكن منزلتها هذه لا تبرر نفورنا منها ان نفرنا أو ميلنا الى أن ننزلها منزلة الهواجس الملحة المضجرة أو الاختلالات العصبية المرضية. فوجود أمثال الغزالى والحلاج يوقظنا الى نوع العلاقة التى يجب أن تربطنا بالذات. فمعرفة الذات معرفة أصيلة تكون فى تفتحنا اليها وتوجهنا بكل كياننا وطاقاتنا نحوها. وهذا الحوار الخصب تجربة حيوية تنصهر فيها كل طاقات الانسان، عقله وقلبه وروحه. فالحقيقة احساس فردى واستشفاف وجودى يحياها أحيانا الانسان ويؤمن بها الانسان ويؤمن بها أحر الايمان وأقواه من غير أن يفسر موقفه ذلك تفسيرا يقع فى الآخرين موقع البديهيات. والانسان فى حياته اليومية العادية يحدد الذات تحديدا عمليا لا يمت الى المعرفة الاصيلة بأوهن صلة. فالموجودات تشكل ما يسميه Heidegger عالم الاداة Le monde de I'ustensilite اذ هى تعرف تعريفات عملية تضبط نفعها وضررها نسبة الى المجموع ككل مركب. فموقفنا هذا من الموجودات يجعلنا لا ننفذ الى صميمها، بل نقف عند سطحها ودون أصيل حقيقتها، فاقبال يدعونا دعوة حارة ماسة الى تجاوز هذه النظرة الباردة الخارجية لما حولنا حتى ننفذ الى صميم الذات. وهذه المعرفة الوجودية المباشرة التى تذوب فيها جميع عناصر الشخصية ليست ضربا من الجنون أو نوعا من الاستهتار والعبث. فمعناه العميق يظهر لمن اكتملت شخصيته وأشتدت طاقاته، فأستطاع الارتفاع اليها

والارتواء بما تنزل به على النفس من جليل الاحاسيس وقوى الاندفاعات . والحق الاستدلال (La raison demonstrative ) له وظيفة فى هذه المعرفه اذ أنه يستبين معالمها ويحاول تقريبا من الجماعات البشرية . فهو عبد أمين للتجربة الدينية الاصيلة يعرف جلالها وعلو قدرها ، فيحاول دوما النفاذ اليها وتنزيلها منزلة الحصاد الروحى المشاع بين أفراد المجموعة . ولكن اقبالا بالرغم من أنه يؤمن شديد الايمان بهذه الامكانيات الزاخرة للتجربة الوجودية الفردية لا يدعو الانسان إلى الانزواء بنفسه ولفظ العالم الخارجى . فهو يرى أن واجب الانسان تمثل فى التفتح للعالم الحسى قصد الاستيلاء عليه واستغلال الامكانيات التى يحملها . فاقبال يقف موقفا ثوريا من الطبيعة اذ أنه يدعو صريح الدعوة إلى تطويرها وقلب أوضاعها قلبا تجديديا تقدميا . فالانسان عند اقبال سيد الطبيعة ومالكها حسب عبارة  Descartes وهو يجل العلم والتقنية اذ بهما تقع السيطرة على العالم الحسى . فأنطلاقنا فى جو التجربة الدينية والمحيط الروحى يكون بعقلنا عقلا علميا مضبوطا للعالم الحسى وأستنادنا الى تراكيبه وخصائصه .

تطالعنا هذه الخطرات الاقبالية ، فتهزنا هزا وتحملنا فى نسمات الخشوع والاجلال نحو أجواء فكرية مماثلة عشنا فيها فطاب فيها عيشنا وخلونا بها فلم نتنكر لها ولم تتنكر لنا . نذكر القديس أوغستان Saint Augustin وركونه الدائب الى النفس لاستجلاء خفاياها والتطلع الى علاقتها السامية بالخالق ونذكر المفكر الفرنسى الحديث Henri Bergson وأعتباره أن حياة الافراد والجماعات نوعان رئيسيان : حياة جافة متبلدة لحمتها التقليد وقوامها لوك المعاف من الطقوس والاساليب وحياة متفتحة تكون فيها روعة الخلق وتنطلق فيها النفوس دوما الى الامام هازجة فى نغم بروميتى Prometheen جليل متصاعد . وأمثالهم كثيرون ممن تذكرنا أهازيجهم بأهازيج اقبال فنطرب لهم كما طربنا له ونذوب فى أجوائهم الزاخرة الغناء كما ذبنا فى سماء تفكيره . وحتى لا يتفرع الحديث ولا يتشعب أردنا أن نركز مقارتنا على المفكر الدانماركى Soren Kier Kegaard . نتحسس تفكيره ، فنلفى فيه نغمات تشاكل نغمات اقبال وموقفا من المشكلة الدينية يشابه موقفه . فالتجربة الدينية لدى Kier Kegaard ليست بالتجربة المباشرة التى يعيشها المرء حال عقله للوجود . فقبل أن يصلها الانسان يمر بطورين وجوديين أساسين . نعيش أولا ما يسميه Kier Kegaard بالطور الجمالى . ففى هذا الطور نجد انفسنا مجروفين محمولين بقوى الرغبة والشهوة وهذه القوى الكثيرة المتعارضة تحدث لدينا تشتتا وشعورا حادا بالالم واليأس لاننا لا نستطيع ارضاء جميع رغائبنا . ثم ننتقل الى الطور الاخلاقى ، فنتفتح الى القيم السلوكية الاخلاقية . فنحاول أبدا جعل تصرفاتنا العملية تحت نواميس

تقييمية مجردة . ثم نرتفع الى الطور الدينى ، فنتخلى عن التفكير الدنيوى ونحصر تجربتنا فى اتصال وجودى بالمطلق الاسمى . ويستمر Kier Kegaard فى مشكلة الايمان ، فيقف منها موقفا ذا شبه بارز للاذهان بموقف اقبال . فألايمان عند الفيلسوف الدانماركى فى صميمه قرار وجودى قبل أن يكون نتيجة لعملية فكرية منطقية . فالايمان ينزل من الانسان منزلا حسنا لما يحدثه فى جوانب شخصيته من تلاؤم واتحاد وما يضفيه على النفس من نشوة ميتافيزيكية فى تعطشها الى القرار الضائع حسب عبارة Ferdinand  Alquie  والايمان عند Kier Kegaard كما رأينا أيضا بالنسبة لاقبال تجربة وجودية فردية تضع الانسان فى نسبيته وضعفه أمام الخالق . فالدين حركة دائبة مستمرة ورغبة لا تنيى للعيش فى عالم المطلقات . فموته وبواره فى تحجره فى طقوس وتعاليم فاقدة لنسغ الحياة . فقد ثار Kier Kegaard على التفكير الهيجلى Hegelien الذى كان مسيطرا آنذاك على معاصريه . فقد بلغ Hegel شأوا بعيدا لما كان يحويه تفكيره من مظاهر خلابة . فقد حكم بتناسق تام بديع بين الواقع والقيمة . فالقيمة تتقمص أبدا الواقع مستخدمة العنصر الزمانى ، وذلك فى قفزات جدلية تحدث ما أصطلح على تسميته بالتمزق dechirement ولكن Kier Kegaard ازاء هذا التركيب الهجيلى Hegelien شعر بنوع من الضيق . فهيجلى يجعل الوجود الفردى تحت كابوس التراكيب الفكرية المجردة ، وهو يخضع كل الظواهر للمنطق . . فقد كان Kier Kegaard يرى ان الهدف الاصيل هو التوغل فى شعاب التجربة الفردية لما تنطوى عليه من جليل المعانى المتجددة وسامى الدلالات الخفية . وقد تأثر Kier Kegaard فى هذا المضمار بالنظرة الرومانسية . فالحركة الرومانسية قبل أن تتبلور فى شكل مدرسة أدبية هى أولا موقف كلى شامل من الكون . فمن خصائص هذه النظرة أنها تنزل الكائنات منزلة الكل المترابط الاجزاء ، المستمر فى الوجود لما يكتنفه من القوى الحيوية . وفى هذا الكل تتظافر جميع الطاقات وتتآزر . كذلك بالنسبة للانسان ، يجب أن يجمع كل طاقته فى مختلف فعالياته ، لا عقله المنطقى فحسب . وهكذا نرى أن كلا من  Kier Kegaard واقبال جعل من الوجود الفردى مقولة جوهرية تطرح على  ضوئها المشكلة الدينية . لاشك أن كلا منهما يؤمن حافز الايمان بحقيقة ميتافيزيكية قارة خلاقة ، ولكن التجربة الانسانية أساسية لاستشفاف هذه الحقيقة ، فهى تضفى عليها لونا خاصا وتنزلها منزلة انسانية . ونلاحظ كذلك أن تفكير Kier Kegaard كتفكير اقبال متصاعد يعلو شيئا فشيئا . فالمفكر الدانماركى يجعل الطور الدينى آخر الاطوار وأعمقها وأوسعها آفاقا . وكذلك بالنسبة لاقبال ، فالمعرفة الدينية عنده أصيلة إذ أنها تنفذ الى صميم الذات ، فهى تتجاوز المعرفة الحسية والمعرفة المنطقية العقلية .

وهكذا ان أردنا احمال القول حول ما وصل اليه اقبال فى هذه المغامرة الروحية التى كانت مغامرته أمكننا أن نقول انه كان حقا رائدا من رواد التفكير الراقى الاصيل . عرج على التجربة الدينية ، فألقى عليها أضواء متألقة كاشفة ووصلها بما ترتبط به من المظاهر الحيوية الاخرى . فالانسان حسب هذه الانارة الاقبالية لا ينفذ الى صميم الذات الا بعد توتر روحى جهيد مرير ... وعندما يزيد توغلا ووقوفا عند مهد القرار يصيبه الدوار الوجودى الاخاذ لها يطل عليه من واسع الاكوان ويمتلكه من رهيب الاحاسيس . فيصبح حقا كما يقول Heidegger .M  كائنا مديد الآفاق ومتراميها . تلك هى بنية منزله وذلك هو جنس قدره .

اشترك في نشرتنا البريدية