سيداتى سادتى ، أيها الاخوة الافاضل :
لتسمحوا لى أولا بان أحييكم جميعا تحية الاخوة الصادقة مشفوعة بتحية الشوق الطويل ، تحية المشتاق الى تجدد لقياكم منذ أن حضر مؤتمركم الثانى لعشرين سنة خلت ولتسمحوا لى ثانيا بان أتجه بالشكر الجزيل الى الاخ الكريم خادم الادب الامين الاستاذ خليفة التليسى والاخوة أعضاء اتحاد أدباء الجماهيرية على دعوتهم الكريمة ، ثم أشكركم جميعا على تفضلكم بالسماح لى بالاسهام فى أعمالكم لا لاقدم لكم بحثا فى نقطة من نقاط جدول أعمالكم بل لالقى بين أيديكم بعض أفكار او خواطر حول الادب ومضمونه الفكرى ، وهى أفكار استوحيت أكثرها منذ جعلت فى مستهل حياتى الادب قوام كفاحى السياسى والثقافى والاجتماعى فى سبيل قومى وطوال السنوات التى واصلت فيها التأليف مصحوبا بالتفكير المضنى فيما يجب أن يحمله الادب من رسالة وما ينبغى أن يؤثره، من تأثير ويقوم به من دور لتحقيق أكمل انسانية وأفصل مصير لى ولقومى .
وانى لارجوكم - ملحا فى رجائى - أن تأخذوا ذلك منى على وجه الحديث المرسل ينطلق به اللسان فى دون كلفة ، بين أدباء اخوة انداد تأبى شيمهم أن يدعى أحدهم الامامة فى مذهب او الاصابة المسلمة في قول، وأن تتقبلوا منى تلك الخواطر على علاتها كما يتقبل الكرام الرأى الفطير اذا شفع فيه صدق اللهجة التى صدر بها .
I - لا شك أنه قد يظن بعض الناس أن الذرة قد قتلت الادب أو تكاد ، وقد يبدو لهم من العسير فى عصر الذرة وعصر القوات الآلية الهائلة التى انتجها ولا يزال يولدها العلم ، أن يحمل الحديث عن الادب وما اليه أو الفكر والفلسفة وما اليهما محمل الواقعية والجد .
ولا شك أيضا أن بلداننا العربية ليست بعيدة العهد بتخم الادب والكلام والمنطق وما الى الادب والكلام والمنطق وانها لا تزال تذكر أن عصور انحطاطها كانت العهود التى انصرفت فيها عن العلم الصحيح والتجربة الحيه وممارسة الواقع،وانكبت فيها على لوك الكلام وتصريف التعابير ومعارضة القصائد ، مما كانت تحسبه ثقافة وادبا وفكرا ، وما كان من ذلك كله فى شئ . فبلداننا من اجل ذلك أجدر بأن تجد عن ذلك كله ما يجده المتخم من نفرة ونبو طبع ، خاصة فى عهد انبعاثها واستقلالها وانصرافها بكليتها الى العمل والانشاء والخلق ، وتحديد فهمها لرسالتها الحضارية ومسؤوليتها الانسانية .
2 - ومع ذلك فان ادباء العرب محقون كل الحق فى عقد المؤتمرات بعد المؤتمرات للنظر فى الادب وشؤونه ، لا لانهم لم يبرؤوا بعد من هذا النوع اللاغى من الادب بل لانه ان كان من الصحيح الذى لا شك فيه أن فى هذا المفهوم للادب كما عرفه بعض ماضينا زيغا عن الحياة والثقافة والفكر ، فانه من الصحيح الذى لا ريب فيه ايضا أن أدبنا فى القرن العشرين قد فطن الى ذلك الزيغ ، وادرك أن فيه القضاء عليه إذا هو لم يصد عنه صدا ولم يسلك بنفسه مسالك أخرى ولم تتجدد له الاصالة والغوص والشمول ، ولم يتجل فيه للانسان من جديد تمثاله الكامل منحوتا من العقل والوجدان منصوبا فى عزة الكون والوجود قائما على صفحة السماء .
وهذه هى أولى الخواطر التى اردت أن اشاطركم اياها هنا .
3 -فالذين يتتبعون منكم تطور الآداب العالمية يعلمون بدون شك أن من أهم مشاغل الادب والتفكير الفلسفى فى عصرنا الحاضر أمرين هما الالتزام من ناحية والوجودية من ناحية أخرى - ولست أعرف معنى هو اشد حاجه الى التدقيق والتحليل ، ولا لفظا هو أفقر إلى الضبط والتعريف ، ولا مفهوما هو أجدر بالتحديد والتوضيح ، مما يكون شائعا على ألسنة الناس مثل كلمتى (( الالتزام )) و(( الوجودية )) وما يعنى بهما من معان . فلنحاول اذن تحديدهما على ادق ما نستطيع من الوجوه ، قبل أن نمضى قدما فى الحديث .
ولعل أغر ما يغتر به الناس ظنهم فى كل عصر أن كل ما يجدونه من جديد الالفاظ أو ما يجددون استعماله منها يدل على اكتشاف معنى جديد أو مفهوم طريف .
والحقيقة ان المحدثين لم يكتشفوا الا لفظتى الالتزام والوجودية.
اما معنى الالتزام فعريق فى الادب ، قديم مثل قدم كل أدب أصيل وكل تفكير صميم . ذلك ان الالتزام فى الادب لا يعدو ( فى معناه الصحيح عندى ) أن يكون الادب ملتزما لجوهرى الشؤون منصرفا عن الزخرف اللفظى وعن الزينة الصورية التى هى لغو ووهم وخداع . الالتزام هو أن يكون الادب مرآة لجماع قصة الانسان وخلاصة مغامراته وتجربته للكيان ، وزبدة ما يستنبطه من أعمق أعماقه والطف احشائه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته .
هو أن يكون الادب رسالة الانسان الى الانسان ، رسالة يستوحيها من الجانب الالهى من فكره وروحه ، ومن هذا الوجدان أو الحدس الالهى الذى هو الفكر وما فوق الفكر والعقل وما فوق العقل ، والخيال مع العلم ، والمعرفة مع الانطلاق ، والكيان مجربا فى كليته وشموله .
4 - فان كان الادب الملتزم هو هذا فان القدماء قد عرفوه قبل أن يعرفه المحدثون وألفوا فيه مثل ما ألف وأروع مما ألف المحدثون . ولست اعلم ان محدثا ادعى انه الف فى الادب الحديث ما يغطى على آيات الادب القديم أو الوسيط ، أو ما هو اروع فنا وابعد مدى من رواية (( بروميتى فى الاصفاد )) لاسخيلوس مثلا أو من روايات ((اوربيد)) أو روايات شكسبير الخالدة ، او مآسى برسفال ((وجوسه عن القرآل)) ، او لزوميات ابى العلاء او رباعيات عمر الخيام واشعار ابى نواس وابى العتاهية ولحنها القائم حول الخمرة والموت .
وان من الادب الحديث الذى يباهينا به الغرب لآثارا صالحة من هذه السنة الباقية نجدها عند امثال (( بودلير )) (( فى زهور الشر )) أو (( فليرى )) فى (( مقبرته البحرية )) أو (( اندرى مالرو )) فى روايته (( المنزلة الانسانية )) أو (( لوى فرديناند سلين )) فى (( السفر الى منتهى الليل )) ((أو ارنست همنقروى)) فى (( الشيخ والبحر )) أو دستويفسكى فى كافة رواياته القصصية .
ثم أليس هذا نفسه هو الذى نلمسه في الغرب عند مفكرين وفلاسفة كـ (( جان بول سارتر )) هذا أو ((دى نويبى)) فى كتابه ((المصير الانسانى)) أو ((برداييف)) فى كتابه (( مصير الانسان )) أو كتابه (( على أبواب العصر الحديث )) أو (( رينولد نيابهر )) في كتابه (( طبيعة الانسان ومصيره )) ؟ وما معنى هذا كله ان
يكن جهدا ممدودا على الدهر ، يجهده الادباء والمفكرون من مختلف البلدان ومختلف العصور ، حين يقلبون النظر فى تصورهم للانسان وحقيقته ومنزلته فى الوجود ؟
وهذه ثانية الخواطر التى اردت أن اطرحها بين يديكم فى هذا الحديث .
فأين الفرق بين الالتزام والوجودية بعد هذا ؟ وهل بقى لصاحب الفكر ما يفصل به بين (( بروميتى فى اصفاده )) ومأساته الدامية وبين (( هاملت )) وسؤال المحرق : أن نكون أو لا نكون - تلك هى المسألة ...))؟
الحقيقة ان هذه الصلة المتينة القريبة جدا التى تربط بين الالتزام والوجودية لتكاد لقربها أن تجعلهما شيئا واحدا . وليس فى ذلك أية غرابة .
فمن الظاهر - بل البديهى فيما اعتقد - ان الانسان الواعى فى حاجة الى أن يؤسس نشاطه الحيوى ، ويقيم جميع حركاته وسكناته على أسس المعرفة البينة واليقين من نفسه ومن الكون ، ومن نوع صلاته بالكيان والكون . هو فى حاجة حيوية الى أن يعرف ماهيته كانسان ، وما هى اغراض نشاطه وطرائقه ، وما هى غايات حياته ، وما هو مصيره النهائى ، وما هى منزلته بين الكائنات ، وما هى علاقة نشاطه وفعله بتلك المنزلة - فالتفكير الوجودى يصبح على هذا المعنى لزوميا للحياة ( الحياة التى تتجاوز الحيوانية الى الانسانية أى الى الوعى والمسؤولية ) بل يصبح شرطا من شروط الحياة لا تتحقق بغيره كالتنفس والغذاء فى الحياة النباتية أو الحيوانية ، ويصبح الالتزام فى الادب تعبيرا عن الرؤية التى يمحصها التفكير الوجودى ويوجه بحسبها نشاط الحى فى كليته ، وقصة المسلك الاخلاقى والنفسانى والعملى الذى ينبر ذلك التفكير سبيله .
5 - وأود الآن أن انصرف بكم عن الكلام عن هذه الاتجاهات الخاصة فى الادب العالمى الحديث وأن التفت معكم الى بعض ظواهر أدبنا وتفكيرنا العربيين منذ بداية القرن الاخير .
وانا اتساءل معكم هل عرف حقا أدبنا العربى فى العصر الحديث شيئا يتصل اتصالا وثيقا بما قلنا انه يسمى الادب الملتزم ، وهل انتهج تفكيرنا العربى الحديث منهجا يصح أن ينتسب حقا الى الفلسفة الانشائية فضلا عن أن يكون تفكيرا فلسفيا وجوديا ؟ لعل اقرب جواب واصحه فى الجملة هو أن ادبنا فى
عصر النهضة الحديثة قد بقى متأخرا عن القافلة منقطعا عن ركب الفكر المعاصر . ومن ذلك فهو قد حاول أن يتجدد وطلب الانبعاث ، ولكنى اراه طلب ذلك فى كثير من الاحيان من باب الصناعة البحتة . فادباؤنا قد حاولوا أن يجددوا الادب العربى منذ فجر النهضة الحديثة فاجتهدوا في طرق بعض الابواب من التأليف لم يألفها ذلك الادب قبل : طرقوا باب الرواية القصصية بعد شئ من التردد والاحجام فانبرى فى الاول من رجاله امثال المويلحى وحافظ ابراهيم واليازجى يؤلفون (( حديث عيسى بن هشام )) و(( ليالي سطيح )) و(( مجمع البحرين )) على الطريقة القديمة فى المقامات ، وكأنهم لم يستأنسوا بعد أو لم تستأنس أنفسهم بعد كل الاستئناس بنوع الرواية أو القصة المنسوجة على منوال الروايات والقصص فى الآداب الغربية . وبعد هذا التردد الاول انطلق كتابنا يؤلفون على غرار الآداب الغربية ما لا يكاد اليوم يحصى عدده من القصص والروايات ، فبعد زيدان ورواياته التاريخية وتيمور وقصصه الوصفية لخصائص المجتمع المصرى واشخاصه وهيكل وروايته (( زينب )) الناحية نحو وصف الارياف وأهل الارياف جاء عصر طه حسين والشرقاوى ونجيب محفوظ ومن لف لفهم ونحا مثلهم نحو الادب الواقعى والوصف الاجتماعى . وجاء عصر غير ذلك من الروايات المسرحية التى أغرم بها الشرق من أواسط القرن الاخير فترجم منها ما ترجم وألف فيها نثرا وشعرا.حتى انه ليصح أن يقال اليوم اننا،اذا استثنينا الشعر وأدب المقالة الذى قد ألف ولا يزال يؤلف فيه الشرق العربى ما يملأ المجلدات نكاد لا نجد في الادب العربى الحديث الا الرواية والقصة والاقصوصة ولا يعنينى من ذلك كله هنا الا نوع واحد اريد أن أقف عنده لحظة قصيرة الا وهو هذا الضرب من الروايات والقصص التى تنم عن اهتمام بالمشاكل والاحوال الاجتماعية . على أن الناظر فى هذا الضرب من المؤلفات قد يكون مضطرا الى أن يرجع الى القرن الاخير ليفهم السر فى ازدهار هذا النوع الادبى وفى اغراضه ومقاصده . والتاريخ يشهد بأن الصدمة العنيفة التى صدم بها الشرق فى القرن الاخير حين استيقظ من سبات عصور الانحطاط فوجد نفسه امام تحديات الحضارة العصرية بإزاء عالم غربى قد فاقه وغزاه وسطا عليه بكل ما تجمع لديه من القوى الهائلة الناتجة عن تقدم صناعاته وعلومه قد كان من جملة آثارها أن دفعت الشرق الى الانكباب على نفسه ليتعرف مواطن الضعف منه واسباب التأخر فيه وطرق النهوض والرقى الممكنة له . ونراه لا يزال حتى فى اواخر القرن يعانى نفس المشكلة ففى سنة 1899 م ترجم احمد فتحى زغلول المصرى الكتاب الذى عنوانه (( سر تقدم الانكليز السكسونيين )) . (Aquoi tiént la Supériouté des Angls-Saxons)
وكتب فى مقدمته قائلا : (( غرضى من ترجمة هذا الكتاب تنبيه الافكار الى تبين حالتنا التى نحن فيها ومقارنتها بحالة الامة الفرنسية ، لنوقن بعد علمنا بما هى عليه من التقدم والعمران وبما بلغته من الدرجات الرفيعة فى العلم والحضارة والعرفان انها احتاجت وهى على تلك الاحوال الى اصلاح شؤونها لتضارع غيرها من الامم ، فنحن أحوج منها الى التعليم وأشد افتقارا الى التربية وأعوز الناس الى الاشتغال بما ينفعنا فى هذه الحياة .. فبقدر التأخر ينبغى شد العزائم وتقوية الهمم وادامة السهر فى العمل حتى نفوز بحظنا فى هذه الدنيا)) .وانتم تعلمون أيها السادة أن هذه اليقظة التى استجاب الى داعيها الادب، كانت ظاهرة عامة فى كامل العالم العربى والاسلامى وهى التى سميت بالحركة الاصلاحية وكان من رجالها الى جانب الادباء والمفكرين رجال السياسة ممن يمثلهم عندنا فى تونس الوزير خير الدين باشا ومحمد بيرم الخامس .
ونحن اذا تصفحنا كل ما انتج الادب العربى الحديث من روايات وقصص فى ذلك العهد أى بعد أن ترجم هذا الكتاب (( كتاب سر تقدم الانجليز السكسونيين )) ، وجدنا أنفسنا أمام ادب لا تعدو أغراضه الوصف الاجتماعى النقدى وارادة التنبيه الى ما فى احوال الشرق فى جميع الميادين من مظاهر التأخر ومواطن الضعف الداعية للاصلاح والتقويم . على أن الرواية الوصفية النقدية للاحوال الاجتماعية سرعان ما تخطت هذا الطور الاول وظهرت فيها فى السنوات الاخيرة - وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية نزعة اجتماعية أدق وأوضح نحت بها نحو (( المشاكل الاجتماعية )) وما تعنيه من مشاكل الاقتصاد وتنظيمه واسسه ، وما يرتبط بذلك من احوال المعاش ومستواه عند مختلف الطبقات الاجتماعية العاملة منها والرأسمالية ، وما لها فى المجتمع من منزلة اقتصادية وما تقاسيه من البؤس المادى أو تتمتع به من الرفاهية . ويكفى أن نذكر للتدليل على هذه النزعة كتبا مثل مؤلفات نجيب محفوظ أو كتاب (( الارض )) للشرقاوى أو (( المعذبون فى الارض )) لطه حسين يقابلها فى أدب البحوث مثل كتاب (( العدالة الاجتماعية فى الاسلام )) لسيد قطب .
6 - ولا شك أن هذه المجموعة من المؤلفات تنحو فى جملتها نحو الواقع والحياة وتتناولها بالوصف والنقد وتشير فيها بوجوه التغيير والاصلاح . ولكننا نطالعها جميعا ونتمعن فى كل ما حوته من نقد وما قد تشير به من اصلاح ، طالبين لما تنطوى عليه من رؤية أو فكرة أو فلسفة فى المجتمع او فى الانسان وفى علاقته بالمجتمع ومنزلته فيه فلا نستشف من خلالها مذهبا واضحا .
وهذه ثالثة الخواطر التى اردت أن اشاطركم اياها فى هذا الحديث . فانه لا
يكفى - فى الادب ولا فى الفلسفة - أن نصف وننتقد ان لم يظهر للمطالع من وراء ذلك الوصف أو النقد فكرة واضحة عن ماهية المجتمع وما ينبغى ان يكون وماهية الانسان ومنزلته وما ينبغى أن تكون ، ونوع العلاقه التى ينبغى أن تربط بين ذلك المجتمع وتلك المنزلة بحسب ماهية هذه وماهيه ذاك ، فان الفرد أو الانسان هو المادة الاولية لاى مجتمع وأى نظام اجتماعى والناس هم وحدات كل نشاط اقتصادى أو سياسى أو غيره فى أى مجتمع من المجتمعات، ولا سبيل الى نقد المجتمع ولا الى وصف علله وعيوبه ولا الى الاهتداء الى وجوه اصلاحه وعلاجه ، إذا لم يقم ذلك كله على تصور وتصوير مضبوط للانسان ومنزلته ومسؤوليته ووظيفته أو على تقويم وتجديد لهذا التصور والتصوير .
على انه قد يخطر للباحث ان ما لم يجده فى الروايات والقصص ذات النزعة الاجتماعية قد يجده فى غيرها من الانتاج الادبى الحديث .
وقد يتذكر فى هذا الصدد ان كثيرا من أدباء الشرق كتبوا كتابا عنونوها فى كثير من الاحيان بعنوان (( العبقريات )) - سواء فى ذلك ما كتبوا عن (( محمد )) أو عن (( عبقرية عمر )) أو (( الصديق )) أو غيرهم من أفذاذ تاريخنا ، أو ما كتب صادرا عن نفس الحاجة الفكرية توفيق الحكيم فى (( عودة الروح )) . وقد يحدث الباحث نفسه بأن هذه الكتب التى فيها التفات الى الماضى ورجاله وعبقريات عظمائه صادرة عن ارادة تمحيص لذاتية الانسان وحقيقة منزلته وانها ترمى الى تعرف ملامح وجه الانسان فى وجوه عظماء الاسلاف ممن كان بفضلهم الشرق فى الماضى بحضارته وثقافته خلاصة الانسان وجماع الانسانية . ولكن كل ما يجد فيها الناظر انما هى نزعة عاطفية الى التخلص من مركب النقص الذى أصاب الشرق والاسلام من جراء انحطاطهما فى بعض العصور أو محاولة رسم لملامح هذه الشخصيات التاريخية الكبرى وتخليص لوجودهما من ظلمات الاخبار غير المحققة وغياهب الخرافات والكرامات الى شىء من نور التحقيق التاريخى العلمى والواضح المضبوط . على اننا لو وجدنا فى هذه المؤلفات عن (( العبقريات )) وفى هذه المحاولات لاستجلاء روحنا الاصيلة ودعوتها للعودة ، تصويرا للانسان في نظر الادب العربى القديم لبقى لنا أن نتساءل ما هو تصوره الحاضر له ؟ أهو تصوره القديم باقيا محنطا أم تصور آخر مجدد مستحدث ؟ ولكننا فى الحق لا نجد من هذا ولا ذاك ما يشفى الغليل أو يهدئ السؤال .
7 - ومع ذلك ايها السادة ، فانتم تشعرون جميعا أدق الشعور بل تعلمون ادق العلم بأنه يوجد تصور شرقى عربى اسلامى للانسان وفكرة فلسفية
عربية ومذهب اسلامى عربى يحدد بدقة مفهوم الانسانية وماهية الانسان ومنزلته ومصيره ، وقد يظهر لكم كما يظهر له اننا نسينا ذلك أو كدنا ، ولم نعد نذكر ذكرا مركزا فى أعماق أنفسنا أن تراثنا الثقافى العربى الاسلامى مليئ بذلك ثقبل الوزن به فقد كان لنا فهمنا الخاص للانسان ومنزلته ومسؤوليته فى الحياة والكون والمجتمع ، وكان لنا استنادا على ذلك مذهبنا فيما ينبغى أن يكون نوع المجتمع ونوع المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تلائم تلك المنزلة كما نراها وتلك المسؤولية كما نتصورها .
نجد ذلك فى القرآن وفى نظريات عظماء مفكرينا وفلاسفتنا وخاصة منها أيمة المذاهب الاربعة وغيرها من المذاهب الاسلامية واصحاب الاعتزال والفلسفة وأصحاب التصرف ، في سلسلة تمتد من أبى حنيفة الى ابن تيمية الى أشهرهم على الاطلاق الامام الغزالى ، ولا يسع المقام هنا ان نطيل القول فى ذلك ، انما يكفى التذكير ببعض العناصر الجوهرية من هذا التصور الاسلامى للانسان تذكير مجملا ملخصا . ولست اشك أنكم تتذكرون جميعا كل ما جاء فى القرآن من آيات كريمة تقرر أن الانسان مدين بوجوده لله الذى خلقه على احسن تقويم وان الله اذ سواه من طين فضله على سائر المخلوقات بان نفخ فيه من روحـه ونزله فى الكون منزلة ميزها بثلاث ميزات كبرى :
الاولى : ان الانسان حر فى ماهيته وجوهره ، وحريته هذه يجب أن تفهم على وجهين : فهو حر من جهة أنه ليس عبدا لاحد وانما هو عبد لله وحده تربطه بخالقه دون غيره صلة ذاتية وعلاقة فردية خلقية جبلية . وهو حر من جهة أنه كائن منحه الله طاقة التعقل والادراك والقدرة على السلوك العقلى والحكم على الأشياء والتقرير الارادى لمصيره والصنع له باختياره الغائى وعمله الانشائى ومع أن الحرية التى تجعل مصير الانسان من (( كسبه )) حسب عبارة الفلاسفة المسلمين هى حرية يتصرف بها الانسان فى نطاق المشيئة الالهية أو القانون الربانى الاسمى الحاكم فى الكون كله ، فانها حرية كاملة رغم ذلك اذ أن الله يرشده بواسطة ما اوحاه الى رسله من مبادئ اخلاقية عامة منبثقة عن ارادته الابدية ولكن الانسان يبقى مخيرا اذ فى استطاعته ان يسير على هدى الله ويشتق سعادة مصيره من اتباع سبيله واما ان يتحول عنه .
والنتيجة الثانية : التى تنتج عن كون الانسان مدينا لله بوجوده ، وعن انه كائن من طين وكونه متميزا عن سائر المخلوقات بأن الله نفخ فيه من روحه - هى ان الانسان كان هو المخلوق الوحيد الذى قبل أن يحمل عبء (( الامانة ))
التى عرضها الله على جميع المخلوقات فابينها خوفا واشفاقا ، وتلك الأمانة أو الرسالة الالهيه التى قبلها الانسان قد حملته مسؤولية تنفيذ ارادة الله فى الكون وتسييره حسب مشيئته وادارته باسم الله . على هذا المعنى نزل آدم منزلة خليفة الله بالارض وعلى هذا المعنى كان التاريخ الانسانى من معظم وجوهه نتاج اعمال البشر الاختيارية ومن هذا الباب اكتسب الكون بفضل الوجود والعمل الانسانى دوره بعد الالهى والبسنة الروحانية التى لا نسبة بينها وبين المادة فى السماوات والارضين .
والنتيجة اللثلثة المستنتجة من التعريف الاساسى السابق لماهية الانسان هى مبدأ المساواة الكاملة بين البشر باعتبار ان الله هو الذى خلقهم أجمعين ويترتب على ذلك انه لا فضل لانسان على انسان بشرف الاصل والنسب أو بالجاه فى القوم أو بالمال والغنى ، وانه ليس فى الاسلام طبقات خاصة ولا جماعات ممتازة ولا أمم مختارة مفضلة على العالمين لان البشر فى اصلهم امة واحدة يؤكد ذلك القرآن حين يقول : كان الناس أمه واحدة ( سورة البقرة - الآية 213 ) أو حين يقول فى سورة يونس ( الآية 19 ) : (( وما كان الناس الا أمة واحدة )) . ويبقى بعد هذا ان الناس يتفاضلون ويتفاوتون بالتقوى ، أى بحسب قبولهم المخلص لهدى الله وقيامهم بالرساله الالهية التى تحملوا امانتها فى الكون .
8 - ونحن اذا عدنا الآن فالتفتنا الى الادب العربى شعره ونثره وتساءلنا عن مقدار تأديته وتشخيصه لهذا التصور الاسلامى للانسان ومنزلته ومسؤوليته فى الوجود وجدناه عديم أو قليل الاشتغال بذلك . يستوى فى هذا الخلو من مثل هذه الشؤون الجوهرية الادب العربى القديم والادب العربى الحديث ، الا بعض محاولات لا طائل تحتها .
وكما أن الباحث عن ذلك فى قديم آثارنا مضطر الى أن يطلبه لا عند الادباء بل عند الفلاسفة والمفكرين كالغزالى مثلا ، فكذلك اذا هو بحث عن فهم الشرق العربى الاسلامى للانسان واراد ان يعرف هل تغير ذلك الفهم أم لا وهل زاده سعة أو عمقا الشرق الحديث أم لا ، وهل حاد عنه أم لا يزال آخذا به - اذا بحث عن ذلك لم يجده عند الادباء بل عند بعض المفكرين والمتفلسفين مثل محمد عبده المصرى والشاعر الباكستانى (( محمد اقبال )) .
وعلى ان موضوع حديثنا هنا لا يحتمل التبسط فى تحليل آراء هذين المفكرين فانه لا أقل من ان نشير الى ذلك اشارات وجيزة . فمحمد عبده الذى اراد أن
يدفع عن الاسلام تهمة كونه عائقا عن الرقى والنشاط وعاملا من عوامل التأخر والجمود ، لاخذه بمذهب (( القضاء والقدر )) واعتناقه الفكرة الجبرية المنكرة لحرية الانسان واختياره لا ينكر أنه من الصحيح ان العامة من المسلمين قد أصطبغ تفكيرهم خاصة في عصور الانحطاط بالمذهب الجبرى ، ولكنه ينكر أن تكون تلك الفكرة هى الفكرة الغالبة فى الاسلام ويؤكد ان جميع المفكرين من جميع الفرق الاسلامية يقررون مذهب حرية الانسان واختياره . وهو يبين فى (( رسالة التوحيد )) ما سبق لنا ذكره منذ لحظة من ان الانسان حر فى اعماله مسؤول عنها امام الله ، وان المسؤولية تشترط الحرية حتما ، وأن تلك الحرية يتصرف بها الانسان فى نطاق المبادىء الاخلاقية العامة أو الشرائع التى أراد الله ان يساس بها الكون . وهذه الشرائع الالهية يستطيع ان يعرفها الانسان عن طريق العقل وعن طريق الوحى ، وهو حر بعد دك فى العمل بها أو الخروج عنها ، كما أن الناس احرار فى اطاعة القوانين المتحكمة فى حياتهم الاجتماعية أو عصيانها .
أما محمد اقبال فانه حاول ان يمحص بصفة أدق خصوصية الذات الفردية وامكاناتها وقدرتها وطاقتها . فالذات الانسانية عنده ذات خاصة فردية متميزة عن سائر الذوات من حيث استقلال الارادة والمسؤولية . ولكن هذه الذات الجوهر الفرد مشتقة من ذات اخرى اكبر منها هى ذات الله المطلقة .
فالذات الانسانية محدودة من ناحية وهى من ناحية اخرى موجهة من قبل اشتقاقها ، ونبوغها من قدرة الله التوجيهية . فالله عندما نفخ فى الانسان من روحه وضع فيه الخاصية الجوهرية الفردية التى تتصف بها طبيعته هو تعالى، فجعل منه بذلك موجودا شخصيا حرا ، صورة مصغرة من ذاته الربانية المطلقة ، وارده بذلك ان يكون علة شخصية قادرة على العمل الخاص والفعل الغائى بما أودع فيها من ارادة حرة . ويترتب على هذا أن مصير أى شئ وأى شخص ليس على حد قول ((اقبال)) : (( قضاء صارما يعمل من خارج كأنه سيد آمر )) بل (( انه الغابة الذاتية لشئ من الاشياء ، انه امكانياته التى يمكن ادراكها )) والتى (( قد تحقق نفسها دون أى شعور باكراه خارجى )) . ويعتقد اقبال أن قوله تعالى : انا كل شئ خلقناه بقدر )) معناه ان كل مخلوق قد وهبه الله (( امكانية محددة )) هو حر فى تحقيقها او عدم تحقيقها فهو على كل حال خالق لمصيره بيده خلقا حرا بريئا من كل إعمال أو اكراه خارجى ، نابعا من قرارة الذات وارادتها وما أودع فيها من قوة ونفحة الاهية وبعد أن يقرر (( اقبال )) على هذه الصورة خصائص الذاتية الانسانية ، ويزيد على ذلك بيان العلاقة الموجودة فى نظره بين الانسان ( الذات المحدودة ) وبين الله ( الذات
المطلقة) فيقول : ان هذه الذات الانسانية الفردية المحدودة المشتقه من الذات المطلقة تمتاز بوحدانية فرديتها بدون شك ، ولكنها لم يقض عليها الى الابد أن تبقى محبوسة فى سجن وحدانية فرديتها ، دون مطمع فى الاتصال بالذات المطلقة بل إن اقبال يعتقد أن ذلك الاتصال ممكن ولكنه لا يفوز به الا من ارتقى إلى درجة عليا من السيطرة على نفسه ، وكيف مصيره بحملها على اتباع هدى الله وسلوك السبل التى مهدها الله أمامه . وما دام الانسان فى جوهره حرا فانه ان استعمل تلك الحرية لتشكيل مصيره في اقتصار على ذاته المحدودة الانسانية وفى زهو بها واكتفاء بامكانياتها فانه يتردى ويقضى على نفسه بالقصور ويعوق نفسه عن تحقيق ذاته وانسانيته الكاملة . وهكذا فان سعى الانسان لتتصل ذاته المحدودة بذات الله المطلقة ، أى سلوك الانسان للسبل الالهية ، سبل ال نمو الروحانى ، لا يبعده عن انسانيته وليس فيه ما ينافى انسانيته بل هو بالعكس السبيل الوحيد الى تحقيق الانسان لكيانه وذاته فى صورة الانسانية الكاملة .
وبعد فهل ترون - ايها السادة ان محمد عبده زاد فهم الاسلام لماهية الانسان عنصرا جديدا أو اتى بفكرة جديدة ؟ اليس من الواضح أنه انما قام بالدفاع عن الاسلام ، وبتخليص مذهبه فى الانسان من شوائب بعض المذاهب التى زاغت له عن قصده ، وبتبرئته من بعض التهم التى الصقت به ظلما فى هذا الباب ؟ اما محمد اقبال فانه لا يستقيم لنا أن ننكر عن فلسفته كل طرافة ولكن ألبس من الحق أيضا أنه بعد كل حساب لم يصل الى تجديد فهم الاسلام للانسان أو التحويل من نظرته لمصيره ومنزلته فى الوجود ، وأن آراءه فى الكثير من عناصرها ترتبط بالنظريات الاسلامية الفلسفية والتصوفية الاصلية ؟
9 - فنحن اذن امام ادب لنا قديم وحديث لا يزال طافيا على سطح الكثير من هذه القضايا والاعماق من تحته منغلقة عنه ، وامام تفكير فلسفى كان له فى القديم غوصه الى الاعماق وتوغله فى الابعاد ولكنه لم يستطع فى العصر الحديث ان ينطلق نحو فتوح فكرية جديدة وأن يتجاوز بوثبة جديدة آفاقه التى كان وقف عندها فى بعض الدهر .
ومع ذلك ألسنا مقتنعين جميعا بان التفكير فى ماهية الانسان وفي منزلته هو من حيث نشعر ولا نشعر احد لوازم انسانيتنا وأحد الشروط الحتمية لوجودنا ، وبأننا اذا عدمنا الادب الملتزم للتعبير عن ذلك ، المردد لسؤال الانسان السرمدى عن شأنه فى الكون فكأننا قد نزعنا عنا شرف الانسانية واعرضنا عن مجد العمل لخلق مصيرها وزهدنا فى المنزلة الربانية التى هى

