( 2 ) الحركة الادبية
يتبين لنا اذا على ضوء ما أسلفنا أن قرطاجة لم تخل من روح الفن بل كانت أبوابها مفتوحة أمام التيارات الفنية مصرية كانت أو يونانية كما كانت مطلع حركة أدبية قل من قدرها حق قدرها بل يذهب غالب المؤرخين الى جحدها . جحدوها لأن آثارها اندثرت واقتدوا فى ذلك بالذين جحدوا وجود الميكروب قبل اختراع المجهر . أجل إن نقائش التوفات لا تنبئ عن حياة أدبية لأنها لم تغرس فى أرض التوفات المقدسة لتحدثنا عن أدب البونيقيين بل أقيمت ذكرى لقرابين قدمت لتانيت وبعل حمون كتابتها تذكر اسم الذى قدم القربان واسم أبيه وجده وقد تشير أيضا الى مهنته ومكانته الاجتماعية .
لم يعترف المؤرخون بوجود أدب فنيقى قبل حفريات أوغاريت وهى مدينة فينقية توجد على شاطئ البحر فى البلاد السورية كانت مشعلا من مشاعل الادب والفن منذ الألف الثالثة قبل المسيح . زحفت عليها الشعوب البحرية فغدت أثرا بعد عين ومن بين ما أزيح عنه الغطاء فى خرائبها بنايات تحتوى على كتب عديدة نفيسة أوراقها من صلصال كالفخار : ألواح سطرت عليها صلوات وأشعار دينية كالتى تقص علينا خصاما حدث بين الاله بعل وإله البحر يم . وانتصر بعل فى النهاية . تلك أسطورة من تصنيف الكهنة وللأساطير الدينية مكانة عظيمة فى أدب القدماء مهما كانت سماؤهم كما تشهد بذلك إلياذة هوميروس وكتب هيزيود (Hesiode) . جاءت أنقاض أوغاريت تفند قول الذين آمنوا بعجز الفينيقيين فى الحقل الادبى وتفصح عما جادت به قريحة الشاعر الفنيقى فى الألف الثانية قبل ميلاد عيسى .
كيف وصلتنا ثمار الحركة الادبية بأوغاريت وعفت آثار الكتب البونيقية ؟ ذلك أنها لم تسطر على ألواح خزفية بل رسمت على أوراق بردية والطفل المشوى أبقى على الدهر من البرديات وهى عرضة للنار ورطوبة الارض لا تبقى ولا تذر . ومن الجدارة أن نتساءل عن الوثائق التى تثبت أن أهل قرطاجة كانوا يخطون كتبهم على ورق البردى ؟ قلنا ذلك لا لأننا لم نجد ألواحا من طفل مشوى
فحسب بل لأننا نجد من بين ما أزيح عنه التراب فى قرطاجة خواتم من صلصال كانت تستخدم لختم المخطوطات البردية . ذكرها الاستاذ حليار بيكار فى كتابه عالم قرطاجة .
كل هذا لا يكفينا مؤونة لاثبات حركة أدبية فى دنيا البونيقيين لكن المؤرخ الأثرى لا يعتريه اليأس ولا يستسلم للقنوط تراه دائما يترقب بروز ما قد تنطوى عليه طبقات الارض فلعل حفريات المستقبل تمن علينا بما ينير طريقنا فى البحث عن الادب البونيقى وقد وصلتنا أصداء عنه فى كتب القدماء تحدثوا عن ذلك عرضا . يبدو أن بعض المؤرخين من يونان ورومان قد استمدوا معلوماتهم من كتب بونيقية (*) .
تذكر رسالة نسبت خطا الى أرسطو نصوصا بونيقية حددت زمن تأسيس قرطاجة . كما استشهد الشاعر الرومانى ( Servius ) بما أتى فى الكتب البونيقية عندما تغنى بمجازات عليسة . وذكر الشاعر ( Refus Festus, Avienus ) الذى عاش فى القرن الرابع بعد المسيح أنه استند على حوليات بونيقية . وورد عن الفيلسوف اليونانى (Plutarque) - الذى عاش فى القرن الثانى بعد المسيح - أن مخطوطات بونيقية دست فى الارض ونجت من النار غداة الحرب البونيقية الثالثة . ومن الذين لمحوا للكتب البونيقية تصفحوها أو سمعوا حديثا عنها يجدر بنا أن نذكر ابلين الاكبر (Pline l'ancien ) حيث قال : (( بعد سقوط قرطاجة أهدى ( مجلس شيوخ روما ) الكتب البونيقية الى الامراء الافارقة (( وأتى فى كتاب صنفه صلوست ( Salluste ) فى حرب يغرطة أن الامير الافريقى يامبصال ( Hiempsal ) قد رجع الى مصادر بونيقية لما قام ببحثه عن أصل الافارقة . كما استعان يوبا الثانى - وهو ملك افريقى عاش فى عهد الامبراطور أوغيست ( Auguste ) - بكتب البونيقيين عندما أراد البحث عن عيون نهر النيل . بلغنا هذا النبأ فى كتب صولان ( Solin) واميان مرسلان (**) .
ترون كيف لم تخل قرطاجة من الحركة الادبية وذلك باعتراف اليونان والرومان أنفسهم ذكروا الكتب البونيقية ولعل أشهرها عندهم رسالة ألفها ماجون فى الفلاحة ترجمت الى لغة الرومان ووصلتنا فقرات منها فى كتب ( Varron و Columelle ) الذى يقول : (( ينبغى الا يجهل الفلاح النصائح التى توجد بوفرة فى الكتب البونيقية الافريقية . . . )) يبدو أن ماجون قرأ الكتب اليونانية التى اعتنت بالفلاحة . كانت قرطاجة وقتئذ مفتوحة أبوابها لأدب اليونان وعلومهم وفلسفتهم ومن أشهر الذين تشبعوا بالفلسفة اليونانية يجدر بنا أن نذكر الفيلسوف عزر بعل الذى عاش فى القرن الثانى قبل المسيح أيضا باسم يونانى ( Clitomaque) تتلمذ على الفيلسوف اليونانى ( Corneades وتحدث عنه ( Plutarque - Diogene Laerce Etienne de Byzonce - Popyrus d' Herculamum ألف عزر بعل رسائل عديدة اعتمد عليها (Ciceron) عندما صنف رسالته المعروفة باسم ( De naturo Leorum ) فى أصل الآلهة .
كانت قرطاجة اذا مركزا من مراكز الفلسفة ولم تشح بوجهها عن الحركات الفلسفية اليونانية فكانت حسب يامبليك (Yamblique) تأوى بعض الذين اتخذوا فلسفة (Pythagore ) مذهبا . كل ذلك يشير الى نشاط الحركة الادبية بقرطاجة بمعناها الواسع (*).
ويبدو حسب الاستاذ جلبار بكار أن المعابد البونيقية كانت تقوم مقام المدارس يتعلم الاطفال فيها القراءة والكتابة كما يحفظون الاشعار والقوانين الدينية التى تكنها الاساطير الدينية والطقوس . يعسر علينا فى الحقيقة أن نتحدث عن وسائل العلم وطرق التعليم بقرطاجة إذ تعوزنا المصادر فى هذا الحقل ولم تكن الثقافة والفن بقرطاجة وقفا على الرجال بل كانت أبوابهما مفتوحة أمام
النساء وقد أثبت ذلك المؤرخون الرومان إذ تحدثوا عن امرأة بونيقية تنتسب الى عائلة ماجدة كانت تسمى (( سفونيزية )) عاشت أيام الحرب البونيقية الثانية ولعبت وقتئذ دورا سياسيا عظيما . وكان لها ما أدهش القدماء فى ميادين الادب والموسيقى .
شعت الحضارة البونيقية فى ديارنا الافريقية وعملت فى نفوس الافارقة فعلقوا بها وساهموا فى تشييدها وكانت الايدى البربرية تتصفح المؤلفات اليونيقية . علقوا بها ولم تستطع الحضارة الرومانية نزعها من قلوبهم . لنا مجموعة من الوثائق الاثرية تبرهن بصفة لا يتطرقها الشك على ثبات اللغة البونيقية حتى القرن الثالث بعد المسيح ومن بين تلك الوثائق يجدر بى أن أذكر نقائش كتبت بالحروف البونيقية الجديدة كالتى وجدناها بمكثر وبمدينة أوزفة كما يجدر بى أن أذكر نقائش كتبت بحروف لاتينية أما اللغة فكانت بونيقية وقد أبرز الاثريون الايطاليون نقائش كثيرة من هذا النوع بالقطر الليبى الشقيق وقام بدراسة هاته النقائش الثمينة ( levy Della Vida ) وهو من اكبر علماء اللغات السامية . وقد وجد الاستاذ دى فيطا (Divita ) نقيشة فى طرابلس الغرب حروفها لاتينية ولغتها بونيقية ويبدو أنها تتحدث عن جندى لوبى انخرط فى الجيش الرومانى أيام الامبراطور كلود الثانى أى فى القرن الثالث بعد المسيح .
نعم ليس لنا نقائش تثبت وجود اللغة البونيقية بعد القرن الثالث ولكن المصادر الادبية تثبت استعمالها فى القرن الخامس والسادس بعد المسيح حسب ما ورد فى نصوص ( St Augustin و Procope ) . بقيت اذا لغة البونيقيين حية قرونا بعد تحطيم مدينتهم وهذه الحقيقة التاريخية تجعلنا نفكر فى مسألة أخرى قد يكون لها اتصال بثبات الحضارة البونيقية وهى مسألة دخول العرب الى ارض الافارقة فيبدو أن الاسلام والعروبة وجدا أهل البلاد متشبعين بالحضارة البونيقية فكانت لهما أحسن الاسس الامر الذى جعل الاسلام والعربية ينتشران بسهولة خلال المغرب العربى الكبير . فكل من الحضارة البونيقية والحضارة العربية الاسلامية ينتمى الى التراث الشرقى السامى المشاع . فمن كان يحسن اللغة البونيقية لا يعسر عليه تعلم لغة العرب إذ تتحد اللغتان فى كثير من عناصرهما . ومن المرجع أن لغة المخاطبة عندنا تحتوى على كثير من الالفاظ التى قد ترجع الى لغة قرطاجة العتيقة ولو اتفقت والعناصر العربية فى تركيبها الحرفى . فلنأخذ مثالا فى هذا : إن لفظة (( منصبة )) تعنى فى العربية (( الجهد والكد )) . يقال عيشى ذو منصبة أى متعب . وتحتوى من جهة اخرى لغة المخاطبة عندنا على لفظة (( منصبة )) وتعنى الحجرة . يقال مثلا (( ارمى عليه منصبة ، أى (( ألق عليه حجرة )) . فما هو أصل هاته الكلمة ؟ هل أتتنا عن
طريق العربية ؟ نجد فعلا فى لغة العرب كلمة نصيبة وجمعها نصائب وتعنى الحجارة التى تنصب حول الحوض ولكن لا وجود فى العربية للفظة منصبة فى معنى الحجرة ولكن اذا نظرنا إلى النقائش البونيقية نرى أنها تحتوى على لفظة (( منصبة )) وتعنى الحجرة التى تقام ذكرى للمية نجد عليها اسمه وعمره الى غير ذلك . فمن المرجح اذا أن اللفظة البونيقية بقيت فى لغة المخاطبة عندنا وخاصة بمدن الساحل وقراه . ومهما يكن من أمر فالمشكلة عويصة لا يمكن البت فيها بصفة قطعية وختاما نرى أن الروح الفنية رفرفت فى سماء قرطاجة التى لم تخل من حياة أدبية وكثيرا ما لمحت لها النصوص اليونانية الرومانية . نعم لقد عفت آثارها لكن ذلك لا يعنى أنها لم تكن . بل كانت وأشعت فى ديارنا الافريقية وما زالت حياتنا تنطوى على عناصر الحضارة البونيقية .

