الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول الشعر

Share

فى آفاق الشعور ) * ( التى لم تكن اغوارها لتسبر ولا ابعادها لتقاس فى مجاهل النفس التواقة الى الجمال يراد فلا ينال ويترك فيتفق ، يسير المرء بين ذبذبة العواطف ورفرفة الاحاسيس ويمازج أطياف المشاعر فى اختلاجها بروح هادئة " كاليقين حرى مضطربة كالشك ، يسابق مذهب الاهداب من أحلام سراب .

ويخلو المرء بنفسه فيعود اليها تحدثه شفاف الاحاديث عما يحيط بها من جمال وما يكمن فى خباياها من بديع السحر وتسرد على باطنى سمعه ما لا يكاد يفهم عنه الا حدسا وحسا فينتشى ويذوب شوقا الى عالم من الفن والجمال يعلم جيد العلم أنه ليس بمنته اليه يوما ، فيضنيه الشوق وتعمه نشوة هى ذوب الالم ورحيقه ، فيستحيل روحا شفافة تلتحق بأطياف الجمال الراقصة المياسة المرفرفة فى ارجاء الكون . وهنا يصبح الانسان شاعرا .

وان هو فى هذه الحال الا شاعر لنفسه . وليس بشاعر عند الناس ما لم يبق فى هذه الحال انسانا ، فى ثنائية ليس له أن يخرج منها الا ليعود اليها وتلك هى منزلة الانسان فهو بشر بين آلهة واله بين البشر

اذ كيف يكون عند الناس شاعرا اذا اكتفى بادراك الجمال دون أن يخرجه للناس فى صورته التى الفاه عليها ، وقد خاطب الالهة الناس بما يفهمون ونزلوا من عليائهم الى مستوى الجسد واللسان حتى لا يكون نصيبهم عبقرية الصمت وخلود السكون .

ومنزلة الشاعر الحق هى النفاذ الى جوهر الجمال والانتشاء به في غمرة اللانهاية تنعدم فيها الحدود بين اللذة والالم ثم ربط الصلة بين هذا العالم المتبخر السحرى وبين عالم الناس وهر الجمال الانتشاء به فى غمرة الم يم ربط الصلة بين هدا العالم

فالشعر هو ذلك الجمال الخالد الذى يتوق اليه الانسان ولا يصل إلى ادراكه الا بعض الموهوبين ممن دق حسهم وأرهفت عاطفتهم وروحهم ، افراد ينفتح

قلب الواحد منهم فيسع الخلق ويشمل الكائنات ، ثم يفيض ذوبا سائغا فيكسوها من روحه ويمزجها بكيانه ويخرجها للناس ملكا مشاعا يجد فيها كل ما ينشده منذ الزمان الابعد

ولست ادعي بسابق قولى وجود عالم خاص بنخبة من الناس مقصور عليهم لا يصل اليه الا من فتح الله عليه فتروض رياضة صوفية فكت له مغالق الحكمة  ، انما مواطن الجمال شائعة بيننا وموضوعات الشعر منتشرة من حولنا نغدو عنها ونروح ، بينها وبين الناس غشاوة خفيفة ، لكن اكثر الناس لا  يبصرون . . .

وأهم موارد الشعر عند الانسان الطبيعة بمعناها العام والعلاقات البشرية مثل الحب بجميع معانيه . وقد كانت علاقة الانسان بالطبيعة من أكبر مقومات الشعر فى جميع العصور والمجتمعات : فهى حزينة تارة وهي خفيفة مرحة  طورا ، وهي يائسة قاتمة حبنا وهى تعج حينا آخر ببسمات المسرة وشعاع الامل . فهى الموت وهي الحياة ، وهى الطرب بمعناه الاصيل

ولست أنوى ذكر موضوعات الشعر واحدا واحدا فهى متعارفة بين الناس لكنى أغتنم الفرصة لاشير الى عنصر من عناصر الجمال والشعر لا نكاد نرى من شعراء العربية من أقبل عليه أو احتفل به وأعني بذلك المجتمع او الشعب نعم الشعب في حركاته الجماعية الجبارة الرائعة ، الشعب فى ثوراته وفى انتفاضاته ، فى جده وفي مرحه ، فى أفراحه وفي أتراحه ، الشعب الزاخر البناء فى توحد قواه وسمو روحه عندما يصبح القوة الهائلة تدك الصروح وتبنى الحياة المتجددة المتوثبة وتسير نحو الغد الباسم تزول فيه الفروق ويعم  الاخاء والمساواة بين بني البشر . ان مشاهدتك ) 1 ( لنصف مليون من الصينيين كالنمل يبنون سدا بايديهم بين الاناشيد التى ولدت مع الدهر يملأ نفسك خشوعا ويجعلك تؤمن بالجمال ، ان تخيلك لمليون من الاشجار تغرس فى يوم واحد ببلادك يجعلك ترى مشهدا من مشاهد عمل الشعب يدخل عليك الاجلال والطرب . ان حضورك مهرجانا من مهرجانات الشعب يجعلك تفقد شعورك بالوحدانية فينسكب كيانك في ذلك السيل الجارف الرائع وتستسلم اليه كما تستسلم الى نشوة الجمال أمام أروع مشهد من مشاهد الطبيعة فمتى يتغنى شعراؤنا بحمال هذا الجبار الخلاق بعد أن جعله الشابى " طفلا صغيرا لاعبا بالتراب " هذا وان وصف الشعب يحيا ويعمل لهو أقرب الى الجمال من التغني بمفاخر وأعمال أتاها الاجداد فأصبحت عندنا مخدرا نغالط به انفسنا ونخفي وراءه نقصنا بدل مصارحة انفسنا بحقيقة حالنا والعمل على تحسينها .

ويمكن لنا أن نقول فى آخر كلامنا عن موضوعات الشعر ان كل ما يتصل بالانسان هو خليق بأن يكون موضوعا لشعره . انما المشكل الآن هو طريقة التعبير عن هذا الموضوع . وهو مشكل لا يقتصر فى الحقيقة على الشعر انما نجده فى كل فن من الفنون

يشعر الانسان بالجمال فينعم ويألم ويغشاه الحنين ويغمره الشوق ، فيتغنى ويغنى الناس يحمل اليهم آيات الفن الخالدة . . . وليس الانسان بمستطيع ابلاغ  الجمال الى الناس بدون أن يغير منه ، وهذا مشكل التعبير ، اذ لا وجود لشعر بدون شاعر ولا لفن من غير فنان . ووظيفة الشاعر أو الفنان ليست فى الحقيقة نقل الجمال كما هو موجود بل نقله من خلال نفسه فالشاعر الحق هو الذى يسعى الى نقل طربه  أمام الجمال وتأثره به الى بني جنسه فيصيب وليس الشاعر من يصور لك مشهدا رآه تصويرا صادقا أمينا والشاعر الحق هو خالق الجمال فى مشهد الجمال وهو ناقل هذا الجمال اليك كما خلقه . هو ذلك الانسان الذي سكب من روحه ومن لحمه ودمه فى قطعته ، ثم قدمها اليك جزءا من فؤاده ، فنعمت بنعيمه وشقوت بشقوته واهتززت له ولها طربا .

غير أن هذا لا يعنى أن الشاعر هو المرجع الفرد فى اكتشاف الجمال وانه عليه ان يخلد الى أعماق نفسه ويكتنه أسرارها الفريدة ويشيد آيات الجمال منها منصرفا عما حوله . فالشاعر هو خلاصة مجتمعه وهو المعبر عن آماله وميوله واشواقه وآلامه . هو الطاقة الناتجة عن مجموع هذه القوى الغامضة الجامحه تسرى فى مجتمعه ، وهو اللسان المفصح عما تجمع في فؤاده من آثار التفاعل بين روحه المعبرة وروح مجتمعه المغمغمة الحنون . ومهما ادعى الشاعر الاعتكاف والاعتزال فى قلاعه وبروجه ، ومهما زعم الاقتصار فى موضوعاته على خبايا نفسه فانه معبر ولا شك عن روح عصره وعواطف مجتمعه المكونة لروحه وعاطفته والمتقمصة فى صميم كيانه .

وطرق التعبير الشعرى كثيرة متعددة وليس هذا مقام التعرض اليها انما نسوق  منها على سبيل المثال الكلاسيكية الجامدة في أشكالها وقوالبها والإبداعية الباكية المنتجة والايحائية والرمزية ، وغيرها كثير . ولكل اتباع وانصار الا ان اقوم مذهب فى الشعر هو فى نظرنا الحرية فى الخلق وعدم التقيد بما سبق على انه قديم جدير بالتقليد . فالشاعر هو الذي يكتشف طريقه  بين المسالك بعد بحث وجهد وعناء فيسمو بها الى مستوى الفن الاصيل . أما من يدعى أن الشعر صناعة فحسب فقد قتل الشعر وخنق موارد الجمال ولست اعنى أن الشعر فوضى مطلقة ، انما الشعر يبدأ فوضى ويستحيل نظاما على نحو خاص بصاحبه ، فان لم يكن كذلك جاء شعرا  فاترا

ثم ان من الناس من ينظم شعرا تستسيغه النفس لاول وهلة لما فيه من صور جميلة تحمل الشعر بين طياتها ) كالفجر والورد والنور واللحن . . . ( لكن الجمال ما يلبث ان يتلاشى لما كان قد طرأ على تلك الصور المعروفة من كثرة الاستعمال حتى فل حدها وجف معينها وسكنت أصوات السحر فيها

أما الشاعر الخلاق فى طرق تعبيره فهو الخالد على مر الدهور

وخير الشعر ما كان فيه الغرض والقائل والسامع  متكاتفين في وحدة رائعة مظاهر متمازحة لصورة من صور الحمال الخالد .

اشترك في نشرتنا البريدية