الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول الشعر

Share

فى آفاق الشعور التى لم تكن اغوارها لتسبر ولا ابعادها لتقاس فى مجاهل النفس التواقة الى الجمال يراد فلا ينال ويترك فيتفق ، يسير المرء بين ذبذبة العواطف ورفرفة الاحاسيس ويمازج أطياف المشاعر فى اختلاجها بروح هادئة كاليقين حرى مضطربة كالشك ، يسابق مذهب الاهداب من أحلام سراب .

ويخلو المرء بنفسه فيعود إليها تحدثه شفاف الاحاديث عما يحيط بها من جمال وما يكمن فى خباياها من بديع السحر وتسرد على باطني سمعه ما لا يكاد يفهم عنه الا حدسا وحسا فينتشي ويذوب شوقا إلى عالم من الفن والجمال يعلم جيد العلم أنه ليس بمنته اليه يوما ، فيضنيه الشوق وتعمه نشوة هى ذوب الالم ورحيقه ، فيستحيل روحا شفافة تلتحق بأطياف الجمال الراقصة المياسة المرفرفة فى أرجاء الكون . وهنا يصبح الانسان شاعرا .

وإن هو فى هذه الحال الا شاعر لنفسه . وليس بشاعر عند الناس ما لم يبق في هذه الحال انسانا ، فى ثنائية ليس له أن يخرج منها الا ليعود اليها . وتلك هى منزلة الانسان فهو بشر بين آلهة وإله بين البشر .

اذ كيف يكون عند الناس شاعرا اذا اكتفى بادراك الجمال دون أن يخرجه للناس في صورته التى الفاه عليها ، ثم كيف يستطيع أن يعبر عن ذلك الجمال بلغة ليس للانسان فيها نصيب ، وقد خاطب الآلهة الناس بما يفهمون ونزلوا من عليائهم الى مستوى الجسد واللسان حتى لا يكون نصيبهم عبقرية الصمت وخلود السكون .

ومنزلة الشاعر الحق هى النفاذ إلى جوهر الجمال والانتشاء به فى غمرة اللانهاية تنعدم فيها الحدود بين اللذة والالم ثم ربط الصلة بين هذا العالم المتبخر السحرى وبين عالم الناس .

فالشعر هو ذلك الجمال الخالد الذى يتوق اليه الانسان ولا يصل إلى ادراكه الا بعض الموهوبين ممن دق حسهم وأرهفت عاطفتهم وروحهم ، افراد ينفتح قلب الواحد منهم فيسع الخلق ويشمل الكائنات ، ثم يفيض ذوبا سائغا فيكسوها من روحه ويمزجها بكيانه ويخرجها للناس ملكا مشاعا يجد كل فيها ما ينشده منذ الزمان الابعد .

ولست ادعي بسابق قولي وجود عالم خاص بنخبة من الناس مقصور عليهم لا يصل إليه إلا من فتح الله عليه فتروض رياضة صوفية فكت له مغالق الحكمة ، انما مواطن الجمال شائعة بيننا وموضوعات الشعر منتشرة من حولنا نغدو عليها ونروح ، بينها وبين الناس غشاوة خفيفة ، لكن أكثر الناس لا يبصرون . . .

وأهم موارد الشعر عند الانسان الطبيعة بمعناها العام والعلاقات البشرية مثل الحب بجميع معانيه . وقد كانت علاقة الانسان بالطبيعة من أكبر مقومات الشعر في جميع العصور والمجتمعات : فهى حزينة تارة وهى خفيفة مرحة طورا ، وهي يائسة قاتمة حينا وهى تعج حينا آخر ببسمات المسرة وشعاع الامل . فهى الموت وهى الحياة ، وهي الطرب بمعناه الاصيل .

ولست أنوي ذكر موضوعات الشعر واحدا واحدا فهي متعارفة بين الناس لكنى أغتنم الفرصة لاشير الى عنصر من عناصر الجمال والشعر لا نكاد نرى من شعراء العربية من أقبل عليه أو احتفل به وأعنى بذلك المجتمع او الشعب ، نعم الشعب في حركاته الجماعية الجبارة الرائعة ، الشعب فى ثوراته وفي انتفاضاته ، فى جده وفى مرحه ، فى أفراحه وفى أتراحه ، الشعب الزاخر البناء في توحد قواه وسمو روحه عندما يصبح القوة الهائلة تدك الصروح وتبني الحياة المتجددة المتوثبة وتسير نحو الغد الباسم تزول فيه الفروق ويعم الاخاء والمساواة بين بني البشر . ان مشاهدتك (1) لنصف مليون من الصينيين كالنمل يبنون سدا بايديهم بين الاناشيد التى ولدت مع الدهر يملأ نفسك

خشوعا ويجعلك تؤمن بالجمال ، ان تخيلك لمليون من الاشجار تغرس فى يوم واحد ببلادك يجعلك ترى مشهدا من مشاهد عمل الشعب يدخل عليك الاجلال والطرب . ان حضورك مهرجانا من مهرجانات الشعب يجعلك تفقد شعورك بالوحدانية فينسكب كيانك فى ذلك السيل الجارف الرائع وتستسلم إليه كما تستسلم إلى نشوة الجمال أمام أروع مشهد من مشاهد الطبيعة . فمتى يتغنى شعراؤنا بجمال هذا الجبار الخلاق بعد أن جعله الشابى " طفلا صغيرا لاعبا بالتراب " هذا وان وصف الشعب يحيا ويعمل لهو أقرب إلى الجمال من التغنى بمفاخر وأعمال أتاها الاجداد فأصبحت عندنا مخدرا نغالط به انفسنا ونخفى وراءه نقصنا بدل مصارحة انفسنا بحقيقة حالنا والعمل على تحسينها . ويمكن لنا أن نقول فى آخر كلامنا عن موضوعات الشعر ان كل ما يتصل بالانسان هو خليق بأن يكون موضوعا لشعره . انما المشكل الآن هو طريقة التعبير عن هذا الموضوع . وهو مشكل لا يقتصر فى الحقيقة على الشعر إنما نجده فى كل فن من الفنون .

يشعر الانسان بالجمال فينعم ويألم ويغشاه الحنين ويغمره الشوق ، فيتغنى ويغنى الناس يحمل إليهم آيات الفن الخالدة ... وليس الانسان بمستطيع ابلاغ الجمال إلى الناس بدون أن يغير منه ، وهذا مشكل التعبير ، اذ لا وجود لشعر بدون شاعر ولا لفن من غير فنان . ووظيفة الشاعر أو الفنان ليست في الحقيقة نقل الجمال كما هو موجود بل نقله من خلال نفسه فالشاعر الحق هو الذي يسعى إلى نقل طربه أمام الجمال وتأثره به إلى بني جنسه فيصيب وليس الشاعر من يصور لك مشهدا رآه تصويرا صادقا أمينا والشاعر الحق هو خالق الجمال فى مشهد الجمال وهو ناقل هذا الجمال اليك كما خلقه . هو ذلك الانسان الذى سكب من روحه ومن لحمه ودمه في قطعته ، ثم قدمها إليك جزءا من فؤاده ، فنعمت بنعيمه وشقوت بشقوته واهتززت له ولها طربا .

غير أن هذا لا يعنى أن الشاعر هو المرجع الفرد فى اكتشاف الجمال وانه عليه أن يخلد إلى أعماق نفسه ويكتنه أسرارها الفريدة ويشيد آيات الجمال منها منصرفا عما حوله . فالشاعر هو خلاصة مجتمعه وهو المعبر

عن آماله وميوله وأشواقه وآلامه . هو الطاقة الناتجة عن مجموع هذه القوى الغامضة الجامحة تسرى فى مجتمعه ، وهو اللسان المفصح عما تجمع فى فؤاده من اثار التفاعل بين روحه المعبرة وروح مجتمعه المغمغمة الحنون . ومهما ادعى الشاعر الاعتكاف والاعتزال فى قلاعه وبروجه ، ومهما زعم الاقتصار في موضوعاته على خبايا نفسه فانه معبر ولا شك عن روح عصره وعواطف مجتمعه المكونة لروحه وعاطفته والمتقمصة فى صميم كيانه .

وطرق التعبير الشعرى كثيرة متعددة وليس هذا مقام التعرض اليها انما نسوق منها على سبيل المثال الكلاسيكية الجامدة في أشكالها وقوالبها والابداعية الباكية المنتجة والايحائية والرمزية ، وغيرها كثير . ولكل اتباع وانصار الا أن أقوم مذهب فى الشعر هو فى نظرنا الحرية فى الخلق وعدم التقيد بما سبق على أنه قديم جدير بالتقليد . فالشاعر هو الذى يكتشف طريقه بين المسالك بعد بحث وجهد وعناء فيسمو بها الى مستوى الفن الاصيل . أما من يدعى أن الشعر صناعة فحسب فقد قتل الشعر وخنق موارد الجمال لست أعنى أن الشعر فوضى مطلقة ، إنما الشعر يبدأ فوضى ويستحيل نظاما على نحو خاص بصاحبه ، فان لم يكن كذلك جاء شعرا فاترا .

ثم إن من الناس من ينظم شعرا تستسيغه النفس لاول وهلة لما فيه من صور جميلة تحمل الشعر بين طياتها ( كالفجر والورد والنور واللحن ... ) لكن الجمال ما يلبث أن يتلاشى لما كان قد طرأ على تلك الصور المعروفة من كثرة الاستعمال حتى فل حدها وجف معينها وسكنت أصوات السحر فيها . أما الشاعر الخلاق فى طرق تعبيره فهو الخالد على مر الدهور .

وخير الشعر ما كان فيه الغرض والقائل والسامع متكاتفين فى وحدة رائعة مظاهر متمازجة لصورة من صور الجمال الخالد .

اشترك في نشرتنا البريدية