الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول القصة الجزائرية الحديثة

Share

استطاعت الجزائر دون غيرها من اقطار المغرب العربى ان تبرز ثلة من كتاب القصة لكل واحد منهم شخصية واضحة المعالم واتجاه خاص واسلوب فى العرض والتعبير يعرف به . وقد بلغ بعض الكتاب الجزائريين المستوى العالمي واصبح لهم قراء مغرمون فى غير اوطانهم وترجمت قصصهم وحولت الى تمثيليات .

وان كل قاص جزائرى يكسب طرافته لا من شخصيته الفذة القوية فحسب بل ايضا من تصويره للمجتمع الذي نشأ فيه وتعبيره عن امانى من يحيطون به ومطامحهم ومجابهتهم لمصيرهم حتى تكاد القصة المعاصرة الجزائرية تعطينا صورة كاملة عن مختلف المجتمعات الجزائرية ومختلف الجهات بالجزائر

فهذا محمد ذيب يركز الاضواء على الطبقات الشعبية الفقيرة بتلمسان فيصف آلام الفقراء العاطلين المكدسين بعيالهم فى الغرف الضيقة بالدار التى اسماها غير مجازف " دار سبيطار " ويعبر تعبيرا رائعا فى جميع قصصه عن آفة الجوع اذا اصبح ملازما للصبية والكبار فمس العقول وصبغ الحياة كلها فى نظرهم بلون اغبر قاتم . كما يعبر محمد ذيب فى قصصه عن شواغل الفلاحين الفقراء والعملة الفلاحيين بضواحي تلمسان وعن عناءهم وعن بوادر الثورة فيهم وبداية تنظيمها بين صفوفهم

وهذا مولود فرعون وهذا مولود معمرى وكلاهما من منطقة القبائل يصوران المجتمع القبائلي بتقاليده الزراعية القديمة الاصيلة يصارع التأثيرات الاتية من الخارج عن طريق العمال الذين ينزحون عن منطقتهم الجبلية الفقيرة للعمل بفرنسا وغيرها من اقطار اوربا ثم يعودون الى قراهم بسلوك جديد وعادات جديدة

وهذه آسية جبار وليدة البليدة المدينة الجميلة المشتهرة بورودها الواقعة على بعد اربعين كيلومترا من الجزائر العاصمة فى ظل جبل الشريعة تصف لنا مجتمعا وسطا متحضرا يفتخر بانتسابه الى المهاجرين الاندلسيين

وهذا كاتب ياسين وليد مقاطعة قسنطينة يشخص لنا فى اسلوبه القصصى الشعرى الفريد من نوعه مجتمعا جزائريا متحولا فى عنف ونقمة مستقبلا

فجرا جديدا بين المزالق والصخور . هذا كاتب ياسين الذي يجعل من طلقات الرصاص بالسطيف سنة 1945 منطلقا لقصصه والذى يشخص لنا في صفحات رائعة قسنطينة وعنابة عبر تاريخهما وفي واقعهما وفي اتجاه امالهما منارتين لامال شعب كسر الاغلال وواجه مصيره

كان فى الامكان ان تبدو لنا القصة الجزائرية مجموعة من القصص ذات الطابع الاقليمي المؤكد ولكن القصاص الجزائريين ، وان افتتنوا بالواقع المحلي المحيط بهم مثل مولود فرعون تجنبوا حصر ادبهم فى المحيط الضيق الذي يعيشون فيه بل ابرزوا تأثر مجتمعهم الصغير بما يحدث فى المجتمع الجزائرى الكبير حتى اصبحت تلك المجتمعات الصغيرة لها ابعاد كسبتها مر انعكاس احداث الوطن الكبير عليها ومن توقها الى جمع اشلاء مجتمع اكبر مزقه الاستعمار وما فتئ يؤكد على فوارقه فيضخمها بهتانا وافتراء .

ان عمر الصبى الفقير بطل قصة الدار الكبيرة لمحمد ذيب يلوك قطعة خبز فى الفصل ويطيل مصها هذا مظهر من واقعه اليومى المرير ولكنه اذا استمع الى درس المعلم حول مفهوم الوطن لا يفقه كيف يمكن ان تكون فرنسا وطن له وهى بعيدة يفصلها عن الجزائر بحر واسع عميق . وتتضح فى قلب الطفل الفقير الجائع فى تلك اللحظة حقيقة الوطن رغم الزيف والبهتان

وان كاتب ياسين وآسية جبار يصفان دائما المجتمع الذي يعيشون فيه فى تنقل مستمر اما فى نطاق هجرة العمال والباحثين عن العمل داخل الوطن  لجزائرى او خارجه واما فى اطار ظروف معينة كوفود عدد من المحاهدين الى نونس والنزول بها اثناء الحرب التحريرية فيجر ذلك تفاعلا مستمرا بين الناس يقوى الشعور بوحدة المصير

ان للثورة الجزائرية تأثيرا عميقا على القصة الجزائرية يحتاج الى بحث يحلل ويوضحه ، ونكتفى الان بمجرد الاشارة البه .

فقد احس جميعهم . وقد كتبوا بعيد الحرب العالمية الثانية بان الامة الجزائرية باسرها تجتاز فترة تاريخية حاسمة صهرتها صهرا فيبدلت المفاهيم وجددت العقليات تجديدا .

فبدت لنا القصة الجزائرية الحديثة صورة حية نابضة فاترة ملتطمة احيانا لمحنه شعب ارغم على مجابهة جميع مشاكله الحياتية من سياسية واقتصادية واجتماعية فى وقت واحد ووضعها الوضع الصحيح فى تكاملها والبحث عن الحلول السريعة الناجعة . فاذا تحدثوا عن قضية البطالة في تلمسان او في منطقه القبائل او فى قسنطينة ربطوها بقضية وجوب القضاء على الاستعمار وتحرير الامة الجزائرية

ان التزام القصة الجزائرية لم يكن سطحيا لفظيا يتناول ناحية من واقع الامة ولكنه التزام شامل عميق يتوق الى تحول جذرى وثورة عارمة مجددة للمجتمع .

عرف القصاص الجزائريون كيف يجتنبون مزالق الادب المبتذل من ميل الى التقاط النواحى الشاذة او الغريبة ، فى السلوك او العادات او من اثارة الحمية والغضب بالفات النظر الى المظاهر المفزعة الفظيعة للواقع او من توخى اساليب الشتم والسباب والسخرية اللاذعة للحكم على الواقع ومهاجمته .

وان اروع مظهر من هذا الموقف الذي توخاه الكتاب الجزائريون يتمثل فى القصص التى برزت فى هذا العام اعنى خاصة " مطلع النجوم " لكاتب ياسين

ان جل حوادث القصتين ترجع بنا الى الحرب التحريرية ولكن لا نجد فيهما اى وصف مثير لفظائع الحرب ولا اى استجداء سهل للنقمة والسخط والنحيب . بل نجد فيهما اقتصادا فى التعبير مع عمق فى المعانى وبعد فى النظر جعلت من الثورة الجزائرية الاداة الاساسية لتحول المجتمع الجزائرى من بين عوامل اخرى

وإنى أميل الى ربط هذه الظاهرة بقيمة اسلامية اصيلة هى الحياء . فالادب الجزائرى فى احتقاره للسهولة وميله الى الاقتصاد ادب حيى . والحياء مظهر من مظاهر الرجولة الحق

هذه خواطر عابرة خاطفة عن القصة الجزائرية الحديثة . اتمنى ان اعود اليها بالتحليل وسرد الامثلة فى مناسبات اخرى

اشترك في نشرتنا البريدية