الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول اللغة العربية

Share

تنتمي لغتنا الى العائلة السامية واللغات السامية عديدة منها البابلية والأشورية ومنها العبرية والفنيقية ومنها الارامية والعربية. ويبدو على ضوء دراسات مشاهير فقهاء اللغات السامية أنها تولدت جميعها عن أم واحدة. توفيت الام وبقيت لنا بناتها حتى أنك إذا رمت التعرف على الام وضبط مميزاتها وجب عليك درس بناتها. وقام علماء كثيرون بهذا العمل المجدي على أنه عسير يتطلب الكد والثبات والمثابرة.

فهو عمل مجد لا فقط لانه يوقفنا على كنه اللغة الام بل أيضا لانه يساعدنا على معرفة بناتها معرفة علمية ويمكننا من افتكاك أسرارها. ولعل ذلك يساعدنا على التاريخ أى على معرفة ماضي اللغة من حيث هى كائن حي، تنشأ وتتطور فى شكلها ومحتواها. ولا شك أن تاريخ اللغة مرتبط أوثق ما يكون الإرتباط بتاريخ الحضارة

على أننا اذا أردنا معرفة تاريخ لغتنا أو معرفة تاريخ احدى ماداتها وجب علينا معرفة أسرار اللغة العربية من حيث هى كائن حى كامل بذاته يتمتع بشخصية مستقلة لها من الكفاءة ما جعلها أداة تفكير وتعبير فى مختلف الميادين العلمية والادبية. فمعرفة المادة العربية معرفة دقيقة مستوعبة يساعد على انارة ما قد يبدو مظلما حتى يصبح العسير يسيرا والمغلق مفتوحا.

والثابت ان الاقتصار على اللغة العربية لا يكفيك مؤونة لمعرفة كل ما قد احتوت عليه المادة العربية خلال العصور. فالمادة كالظرف، والمظروف معناها. وفقه اللغة يتضمن معرفة مقومات اللغة في أشكالها ومحتوياتها. فلو بقيت لنا اللغة السامية الام التى

تولدت عنها اللغة العربية لكان عمل فقيه اللغة يسيرا كما هو الشأن بالنسبة لفقهاء اللغة الفرنسية مثلا حيث تراهم يعودون الى الاصل اللاتيني او اليوناني كلما أرادوا معرفة أحد عناصر اللغة الفرنسية وتعقب تطوراته ظرفا ومظروفا.

فخذ مثلا كلمة ((Pecuniaire)) وهي نعت يشير الى معنى المال والدراهم بالخصوص. والكلمة الفرنسية تولدت عن مادة لاتينية ((Pecus)) ومعناها ((قطيع الغنم)). ولئن تولدت عن المادة اللاتينية ((Pecus)) ألفاظ تشير الى المال والدراهم فذلك لان رؤوس الضان كان القدماء فى فجر التاريخ يستخدمونها عملة. أى أن البضاعات والأعمال كانت تقيم برؤوس الضان كما هو الشأن الآن بالنسبة للذهب.

ترون كيف يتمكن فقيه اللغة من معرفة تطور الكلمات في أشكالها ومحتوياتها اللغوية والتاريخية والحضارية بالعودة الى الاصل أى بالعودة الى اللغة الام وحضارة الذين فكروا وعبروا بفضل تلك اللغة.

الا أن ذلك ليس في امكان فقهاء اللغة العربية لسبب فقدان أم اللغات السامية أى اللغة التى تولدت عنها لغتنا العربية وأخواتها كيف العمل اذن؟ لا شك والحال ما ذكرنا أنه من واجب الباحث عن كنه الكلمة العربية وعن تاريخها شكلا ومضمونا أى عن التطور الذي اعتراها من حيث هى ظرف ومظروف ان يتجه الى أخوات اللغة العربية ويستنطقها بالدرس والمقابلة والمقارنة عله يدرك الغاية ويجد حل المشكلة ويتمكن من الإجابة عن الاسئلة التى قد تثيرها الكلمة لديه.

والثابت أنه اذا تحتم الرجوع الى لغة سامية لتفسير كلمة عربية وضبط تاريخها من حيث الشكل والمضمون فذلك لا يعنى أن الكلمة العربية دخيلة تولدت عن تلك اللغة السامية التى أنارت طريق الباحث ومدته بمفاتيح القفل. فما هي سوى أخت اللغة العربية ولا غرابة ان تحدثك الاخت عن أختها.

على أنه يوجد فى لغتنا بعض الكلمات سامية كانت أو آرية دخلت العربية في ظروف تاريخية حضارية يمكن الوقوف عليها. وقد لا يكون ذلك يسيرا.

فلنأخذ مثلا كلمة ((جهنم)). إننا نجد هاته اللفظة فى الكتاب المبين وقد جاء ذكرها في سور وآيات عديدة مكية وأخرى مدنية. ((واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المصير)) (سورة البقرة آية عدد 206). ((وغضب الله عليهم ولعنهم واعد لهم حهنم وساءت مصيرا)) (سورة الفتح آية عدد 6). ((يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد)) سورة ق آية عدد 30) الى غير ذلك من آي الذكر الحكيم. فان رمت ضبطها بالتدقيق انظر ((محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهوم لالفاظ القرآن الكريم تحت لفظة ((جهنم)) مطبعة الشعب 1378. وراجع ايضا ريجيس بلاشار R . Blachere القرآن الجزء الثالث باريس 1951 تحت لفظة  ((Gehenne))

كما نجد كلمة جهنم في الشعر المنسوب الى عنترة فى قوله كأس الحياة بذلة كجهنم        وجهنم بالعز أطيب منزل)) ان الباحث عن حقيقة لفظة جهنم يمكنه ان ينظر اليها من زاويتين: هناك زاوية دينية قرآنية وقد عرفها الجوهرى والازهرى بأنها من أسماء النار التى يعذب الله بها الكفار والمنافقين من عباده في الآخرة. (انظر لسان العرب تحت مادة ((جهنم)) ).

وقد قيل الكثير في جهنم وأوصافها (انظر Cara de Vux, Encycllopedie de I' islam ancienne edition Leyde et Paris S.V. Djahannam. Louis Gardet Ibidem. Novelle edition.1913

ويجد الباحث في هاتين الدراستين اشارات للمراجع العربية الاسلامية الخاصة بالتعريف بجهنم مثاب الكافرين والمنافقين يوم القيامة.

أما الزاوية الثانية التى يمكن للباحث ان يتخذها مرصدا فهي لغوية بحتة، ومن خلال هاته الزاوية اللغوية نريد ان ننظر الى لفظة جهنم في هذه الاسطر المتواضعة.

انها لفظة تتركب من خمسة أحرف: جيم وهاء ونون مكررة وميم. وقال الجوهري انه اسم ((ملحق بالخماسى بتشديد الحرف الثالث منه)) (راجع لسان العرب). فالى أى جذر تعود اللفظة؟ هل هي عربية الاصل؟ ما هو أقدم نص ظهرت فيه؟ هل لها وجود فى اللغة العربية قبل الإسلام أى قبل ان تأتي في آي الذكر الحكيم؟ وان كانت معروفة في لغة الجاهلية فما هو مدلولها اذ ذاك؟ هل كانت تشير أيضا الى معنى ديني؟ ويتولد عن هذا السؤال سؤال آخر: ان كان للفظة ((جهنم)) فى لغة الجاهلية معنى ديني فالى أي ديانة يشير؟ والمعروف أن العرب قبل الإسلام كانت لهم ديانات متقابلة متباينة فمنهم من كان يدين بالنصرانية وكان فيهم من اعتنق اليهودية دينا وأغلبيتهم كانوا يعبدون الاوثان وقد أشار القرآن الى ((اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى)) (سورة النجم الآية عدد 19).

وان لم تكن اللفظة عربية الاصل فعن أي لغة تولدت؟ وكيف ومتى دخلت اللغة العربية وقد تطول قائمة أسئلتنا! على أن الجواب عن كل هاته الاسئلة ضرورى اذا أراد الباحث أن يتعرف على لفظة جهنم معرفة لغوية علمية دقيقة ويقف على التطور الذي اعتراها في شكلها ومحتواها. وليس من الغلو في شيء ان قلنا ان الإجابة عن هاته الاسئلة أو بعبارة أخرى محاولة الإجابة عنها عمل جدير بأن يكون غرض أطروحة أو موضوع كتاب لان الإجابة عن الاسئلة التي سبق ذكرها تتوقف على معرفة المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده معرفة دقيقة بلغته ولهجاته ودياناته السماوية منها والوثية وعلاقاته بالمجتمعات المعاصرة له قريبة كانت منه جغرافيا أو بعيدة.

كما ينبغي على الباحث في هذا الميدان أن يكون ملما بالنصوص العربية القديمة خاصة. وينبغي أن يكون مطلعا على اللغات التي وقع احتكاكها بلغة العرب قبل الإسلام وبعده. انها مادة فسيحة الارجاء لكن استيعابها حتمي اذا رام الباحث التعرف على لفظة جهنم وتاريخها من حيث الشكل والمضمون.

لقد حاول ابن منظور الاجابة عن بعض الاسئلة التى طرحناها. لكن طريقته كانت وصفية سطحية حيث يبدو أنه جمع ما أمكنه جمعه مما قيل في شأن لفظة ((جهنم)). وتعرض ابن منظور بادىء ذى بدء الى معنى اللفظة وأثبت ان ((الجهنام)) هو القعر البعيد وذكر ان لفظة جهنم استخدمت كنعت حيث يقال ((بئر جهنم وجهنام)) أى بئر بعيدة القعر ويضيف صاحب اللسان: ((وبه سميت جهنم لبعد قعرها)). وجاء في نفس المصدر أن جهنام اسم رجل وقيل هو أخو هريرة التى يتغزل بها الاعشى فى شعره: ((

((ودع هريرة ان الركب مرتحل          وهل تطيق وداعا أيها الرجل)) وقيل ان جهنام لقب عمرو بن قطن من بني سعد بن قيس بن ثعلبة وكان يهاجي الاعشى. ويقال هو اسم تابعته وقال فيه الاعشى:

((دعوت خليل مسحلا ودعوا له         جهنام جدعا للهجين المذمم))

(راجع لسان العرب).

أما فيما يتعلق بأصل اللفظة فيبدو جليا على ضوء اللسان أن فقهاء اللغة القدامى لم يتفقوا فى هذا الشأن. فمنهم من يريدها عربية الاصل ومنهم من يعتبرها فارسية معربة وقال آخرون انها تعريب ((كهنام بالعيرانية)) ترون كيف حاول ابن منظور التعرف على لفظة ((جهنم)) باستنطاق النصوص والرجوع الى نظريات فقهاء اللغة العربية. لكن بحثه بقى وصفا سطحيا حيث اكتفى بما قاله الآخرون واتخذ نظرياتهم ملجأ. بل يلاحظ القارىء بعض التشويش فى طريقة عرضه بل نلمس فيها المذكرات التى أخذها خلال مطالعاته ثم ضم بعضها لبعض دون ما تنسيق حيث تراه يحدثك عن معنى الكلمة ثم عن أصلها ثم يعود بك ثانية الى معنى الكلمة. انها فقرات مفيدة لكنها تشكو هزالا في المبنى فكأنها ملف حول لفظة جهنم لكنه ملف قدمه صاحبه دون ان يدرسه ويربط بين مركباته. والجلي ان ابن منظور لم يضع المشكل على بساط البحث بطريقة علمية. بل أخذ اللفظة وذكر ورودها في شعر القدماء وذكر ما قاله فقهاء اللغة في شأنها. وتراه يقتصر على سرد الروايات دون القيام بعملية الاختيار. بل كأني به يترك الخيار الى قارئه.

فلا نجد اذن في اللسان ما قد يجيب عن الاسئلة التي أثرناها حول لفظة جهنم وذكرنا أنها جديرة بدراسة مطولة مستوعبة تتجاوز حدود هاته الصفحات لذلك أردنا الاقتصار على اثارة بعض المشاكل المتعلقة بلفظة ((جهنم)) مع محاولة درس بعضها أو تسليط أضواء على بعض ثناياها.

ذكرنا منذ حين أن فقهاء اللغة العربية القدامى لم يتفقوا فى شأن أصل الكلمة. وفي امكاننا اليوم على ضوء دراسات علمية عصرية إثبات انها عبرية الاصل ولقد أشار الى ذلك كرى دى فو ((Cara de vaux ولويز غاردي ((L. Gardet)) فى الموسوعة الاسلامية وقد سبقت الإشارة اليهما. والملاحظ انهما لم يتعرضا الى معناها الدقيق وتطوراته فى لغة بني اسرائيل كما لم يتعرضا الى الطريق التي دفعت بها الى لغة العرب والقرآن. وكأنهما لم يريا فائدة فى ضبط دخول هاته اللفظة العبرية الى دنيا العرب. وكأني بلويز غاردي ((L. Gardet)) لم يكن فاهما فهما دقيقا للأصل العبري الذى تولدت عنها لفظة ((جهنم)). يقول لويز غاردي: جهنم هي الجيهان ((La Ghenne)) وأصلها العبري (( جي هنام)) يعني وادى الجيهان)). والثابت كما سنراه بعد حين أن لفظة ((جي)) فى اللغة العبرية تعني الوادي. ثم ان لفظة ((جى)) العبرية من مركبات الكلمة الفرنسية ((Ghenne)) هناك اذن خلط أو قل عدم تدقيق وتمحيص في دراسة لويز غاردي. وسوف يتضح تعليقنا هذا بأكثر وضوح بعد حين.

فللفظة ((جهنم)) أصل عبري وهو أمر لا يترك للشك مجالا. فما هو معنى الكلمة في لغة بني اسرائيل؟ انها في الحقيقة تتركب من لفظتين عبريتين الاولى ((جي)) وتعني الوادى كما سبق ذكره. والثانية ((هنم)) أو ((هنام)) وهو علم ((جى - هنم)) عبارة عبرية تتركب اذن من اسم جغرافي وعلم ومدلول العبارة "وادي هنم". ويوجد هذا الوادى كما أثبتته الدراسات الجغرافية للبقاع المقدسة فى أرض فلسطين بجنوب بيت المقدس. يتبين لنا

الآن بأكثر وضوح الخطأ الذي وقع فيه لويز غاردي لما فسر عبارة ((جي هنام)) بقوله: ((وادى الجيهان)) ((Vallee de la Gehenne)) وكان عليه ان يقول ((وادي هنم أو وادي هنام)).

ومهما يكن من أمر فلقد جاء ذكر ((جي هنم)) أي وادي هنم))  في عديد من آيات التوراة منها الآية السادسة عشرة من الإصحاح الثامن عشر من سفر يشوع ومنها الآية الواحدة والثلاثون من الاصحاح السابع من سفر أرميا.

وتثبت آيات التوراة أن اليهود كانوا يعتبرون ((جي هنم)) أي ((وادى هتم)) مقدسا وكانوا يقدمون فيه أبناءهم وبناتهم قربانا لأوثانهم والمعلوم أنهم زاغوا عن الطريق التى خطها لهم موسى واعتنقوا الديانة الكنعانية الوثنية تحت تأثير الفنيقيين مما قد استاء له الانبياء وأثارت فيهم موجة عارمة من الغضب ازاء بني اسرائيل. وفي ((جي هتم)) كان اليهود يشعلون نارا مؤججة ويلقون فيها ضحاياهم البشرية. وكانت هاته العقائد والعبادات معهودة عند البونيقيين كما ضبطته حفريات التوفات بقرطاج.

ذلك هو معنى ((جي - هنم)) وتلك وظيفتها الدينية عند اليهود قبل أن يأتيهم الأنبياء المصلحون. وتحت تأثير هؤلاء عاد اليهود الى ((صحف ابراهيم وموسى)) وأصبح ((جي هنم)) مصبا لاوساخ مدينة أورشليم. وكانوا يؤججون النار كى تلتهم الاوساخ وقاية لاهل المدينة من شرها.

تطورت اذن وظيفة ((جي هنم)) كما تطور معناها فى أوساط مفسري التوراة وأوساط الباحثين في أصول الديانة اليهودية واحتوت العبارة على معان ماورائية واصبحت تشير الى مكان فيه نار مؤججة يكون مثاب الذين زاغوا عن الدين الحق وتلوثوا بالرجس. وقد يكون تعذيبهم بالنار فور موتهم وقد يكون ذلك يوم الدين.

ونجد هذا المعنى في الاناجيل (انظر مثلا الانجيل كما ورد

عن متى الإصحاح الخامس والثالث عشر والخامس والعشرون) فواضح أن عبارة ((جي هنم)) بعدما كانت تشير الى مكان معروف جنوب بيت المقدس وكانت له وظيفة دينية تتعلق بعبادة الاوثان لدى بني اسرائيل أصبحت مقرونة بالحياة الأخرى وبما تتضمنه الحياة الاخرى من نشر وحساب وجزاء.

فيبدو من المرجح اذن على ضوء ما سبق ذكره أن عبارة ((جي هنم)) دخلت اللغة العربية عن طريق الاوساط اليهودية أو المسيحية التى كانت باتصال متين مع بعض الاوساط العربية في شبه الجزيرة أو خارجها. فليس من الغريب أن نجدها اذن في الشعر الجاهلي وكان من عرب الجاهلية من يدين باليهودية أو النصرانية الا ان العبارة العبرية تعربت بارتداء ثوب عريى وكان ذلك بتركيب مزجى حيث سقطت ياء ((جي)) ووقع ادغام ما بقي من الكلمتين فتولدت عن ذلك لفظة ((جهنم))

وقد تجدر العودة ثانية إلى ما ذكره اللسان فيما يتعلق بالاصل العبرى للفظة ((جهنم)) ولكم ما جاء في اللسان وقيل هو تعريب كهنام بالعبرانية. لقد أتى اللسان بآراء مختلفة ومن بينها الرأى الصحيح. لكن ابن منظور لم يكن واعيا بصحة ذلك الرأي فمر عليه مر الكرام.

على أنه قال ((كهنام)) والعبارة العبرانية ((جي هنم)) كما أسلفناه. والفرق بين ((كهنام)) وجى هنم)) واضح في مستوى النطق والحروف. ولسائل أن يقول مثلا كيف انقلب جيم ((جي هنم)) الى كاف حتى قيل كهنام؟ ان الجواب عن هذا السؤال يسير! ذلك ان الجيم العبري ينطق ((ق)) شأن الكاف الفارسية وشأن الجيم العربي في نطق المصريين فاشتبه الامر كذلك على الأذن العربية حتى قيل (( كهنام)).

وجاء في اللسان أن لفظة ((جهنام)) تعني القعر البعيد وان لفظة جهنم استخدمت كنعت يشير الى معنى العمق حيث يقال بئر جهنم

أى بعيدة القعر. فلا شك أن معنى العمق هذا أتى أيضا عن طريق الكتابات الدينية يهودية كانت أو نصرانية وقد ذكرنا أن الكلمة العبرية ((جي)) تعني ((الوادى)) وقد يكون الوادى عميقا. ولما تطورت العبارة ((جي هنم)) واصبحت تشير الى مكان ما ورائي يعذب فيه الكافرون من اليهود والنصارى يوم القيامة وصف علماء هاتين الديانتين هذا المكان بالعمق فيه يلقى الكافرون وفيه تلتهمهم النار. (ان رمت الإحاطة بهاته النظريات اليهودية النصرانية المتعلقة بجهنم انظر: Dictionnudure encyclopedique de la Bible Edition Brepols Paris 1960 S.V.Gehenne

فلا غرابة اذن ان دلت لفظة جهنم في العربية عن معنى العمق. ترون كيف ان التعرف على كلمة جهنم يتطلب معرفة لغة اليهود وديانتهم كما يتطلب الاطلاع على بعض أوجه الديانة النصرانية. تلك على كل بعض الخواطر حول ارتباط اللغات السامية بعضها ببعض وتاثير بعضها على بعض فالعربية قد تساعدك اذ أردت التعرف على كنه لفظة عبرية أو فنيقية وقد تفيدك الارامية أو العبرية أو غيرها من اللغات السامية اذا رمت الوقوف على أسرار لفظة عربية. أما إذا أردت أن تترجم لكلمة من كلمات القاموس العربي تحتم عليك فضلا عن معرفة لغات سامية مختلفة أن تلم بالنصوص العربية وبمشاكل حضارة العرب وألوانها قبل الاسلام وبعده.

اشترك في نشرتنا البريدية