-2 - (*)
تخطيط المدن والعمارة :
يبدو من الصعب فهم طبيعة نماذج الحيز الاسلامى خارج علاقات التضامن بين تلك النماذج فى اطار المدينة الاسلامية . فاذا كان من الجائز تحليل معطيات الحيز فى ذاته وبصورة مستقلة داخل بازيليت رومانية مثلا ، بالاستناد فقط الى مفاهيم التناظر والتوازن أو التضاغط بين الكتل والاحجام ، فان ذلك لا يكفى للتعريف بخصوصية الحيز فى العمائر الاسلامية التى تمتد فراغاتها الداخلية بصورة عضوية وتستمر دون انقطاع فى الحيز الخارجى من خلال تكامل فى الوظائف لا يمكن فهمه خارج اطار المدينة ككل . وهكذا يتأثر فضاء البيت بفضاء الحى السكنى الذى يتكامل بدوره مع فضاء الاسواق وتنتهى الفضاءات جميعها الى المسجد حسب نظام مسبق بحيث تصبح الوحدة الحقيقة للحيز هى المدينة وليس العمائر المكونة لها وينظم المدينة فى مجموعها منطق شديد التمركز يجعل المسجد فى موضع القلب ومن حوله أسواق الحرف النبيلة مثل صناعات الحرير والعطارة ويدفع الى الاطراف بالصناعات الخشنة أو الملوثة ويقصى الاحياء السكنية الى المواضع الهادئة البعيدة عن المعابر الرئيسية (4) . ويعارض هذا النظام العمرانى الدقيق ما يدعيه بعض الدارسين الغربيين ( 5 ) من أن المدينة الاسلامية
عشوائية البنية ، منعدمة التخطيط انطلاقا من ملاحظات سطحية حول غياب التناظر والتواء الازقة وتراص البناءات .
وتنتظم العمائر فى النسيج المتلاصق المتواصل للمدينة ، مجسدة تضامن الامة وتتجه احجامها وابعادها الى تفضيل القياس الانسانى والابتعاد ، فى أغلب الاحيان ، عن التعالى والشموخ تحقيقا لمعنى المساواة كما تفرضه العقيدة و الاخلاق الاسلامية . ومن نتائج التلاصق والتواصل أن حيز المدينة يصبح حين تماس لا يكون للمنظور او قواعد التآلف والتناظر فى تنظيمه أى دور ، وهكذا تبدو العمائر مندمجة فى النسيج العمرانى وفاقدة لذلك البعد البصرى الذى يوفره المنظور ، مما يفسر ندرة ما يسمى بالفن المدنى الذى يعنى بالعمائر فى علاقاتها مع الفضاءات الفارغة كالميادين مثلا (6) .
المسجد :
المسجد هو القلب النابض للمدينة الاسلامية وله فى حياتها وظيفة ايقاعية فعلية تتجسد فى النداءات الخمسة للصلاة ، ومن خلال تلك الوظيفة يرتبط المؤمنون بلانهائية الحيز الروحى الشامل للعالم المحسوس . واذا كانت المساجد تعتبر بيوتا لله الا أنها ، أولا ، مواضع للبشر يجتمعون فيها للصلاة والذكر ولا يتحقق داخلها حضور إلهى خاص ومكثف على نحو ما يعتقده المسيحيون من حضور صوفى للمسيح عند اقامة القداس داخل الكنيسه . ويعبر المسجد أولا عن القيم الدينية المتصلة بصلاة الجماعة ويبدو حيزه مطبوعا بالافقية الدالة على المعنى الاجتماعى والتى يفرضها وقوف المؤمنين صفوفا طويلة متتالية وراء الامام . وهذه الافقية تميز المسجد عن الكنيسة التى يمتد حيزها نحو العمق من الباب الى المذبح . ومما يشد الانتباه ، أن حيز المسجد يتمطط مثل الفضاءات الاسلامية الاخرى خارج الجدران ويستمر فى حيز المدينة . ونحن نلاحظ أن صفوف المسلين فى أيام الجمع والاعياد
الكبرى تمتد عندما يضيق بها المسجد الى الخارج وفى ذلك دليل على الطبيعة اللانهائية للحيز الروحى الذى يتسع ليشمل الارض بأكملها (7) .
الله والمادة :
تتضمن مركزية مفهوم الله وطبيعته المطلقة فى الاسلام نظرية كونية خاصة ترفض بشدة مفهوم قدم المادة كما نجدها فى الارث الفلسفى وخاصة الارسطى منه . وقد قاوم أصحاب المذهب الذرى من المعتزلة ثم من الاشاعرة الآراء الارسطية حول أزلية المادة لانها تناقض صفات الوحدانية والقدرة والخلق عند الله . وهم بتجزئتهم المادة الى ذرات لا تتجزأ ، ينفون عنها امكانية الانقسام اللانهائى وتحديد ذاتها بذاتها وينتج عن ذلك أن تجميع الكائنات والاشياء والحفاظ على تماسكها يتطلبان التدخل المستمر للقدرة الالهية ويؤدى ذلك الى القول باستمرارية الخلق .
وقد كان ماسينيون (8) أول من حاول تفسير الاشكال الفنية الاسلامية بالرجوع الى المذهب الذرى الاشعرى الذى يؤدى - فى رأيه - خاصة الى نفى الاشكال المكتملة فى ذاتها مثل الاشكال الهندسية المغلقة ليؤكد ، من خلال الاشكال المفتوحة وغير الثابتة ، على تحول العالم ازاء ثبوت الله ودوامه . بينما يرى أ. بابادوبولو أن مذهب الذرة مسؤول عن كل ما هو غير عقلانى وغير منتظم فى التراث الفنى وذلك فى مقابل الاشكال المكتملة والمتوازنة التى تعود الى الارث اليونانى (9) .
ومع موافقتنا لماسينيون على رأيه ، نرى أن النظرية الكونية الاشعرية يمتد تأثيرها الى أبعد وأعمق مما أشار اليه فهى تعطينا تفسيرا مناسبا لشمولية الفن الزخرفى الاسلامى وكذلك لوضع التصوير على الاقل بالنسبة الى المذاهب السنية كما سنرى ذلك .
يعتبر فن الرقش العربى المظهر الاكثر شيوعا للفن الاسلامى ، وهو منظومة من الاشكال والخطوط والتقنيات المتنوعة يمكن ارجاعها الى وحدات تشكيلية أساسية كالازهار والنخيلات والاشرطة والاشكال الهندسية المعروفة . وتخضع بنية الحيز فيه الى التكوينات المكررة والتناظر والحركية الخ ... ونجد فن الرقش العربى مستعملا على نطاق واسع فى بلاد الاسلام قاطبة فى العمارة وفن الكتاب وزخرفة الاوانى والاسلحة وغيرها . ولقد أشار الكثيرون الى أن فن الرقش العربى - ((التجريدى )) كما يقولون - كان نوعا من رد الفعل على النهى عن تصوير الاحياء ؛ وهذا الرأى لا يكفى وحده لتفسير نشأة الزخرفة الاسلامية . فالنهى يتجه الى تصوير الاحياء بينما الفن الزخرفى يعتمد عموما الاشكال الهندسية والعناصر النباتية المحورة عن الطبيعة . ثم ان المكونات الاساسية للحيز الزخرفى مثل ملء المساحات وكثافة الزخارف والتحوير وتركيب العناصر النباتية والهندسية نجدها فى الحشوات الجصية بسامراء وقد كانت تتساكن فى القصور مع التصاوير وحتى التماثيل مما يشير الى أن الفن الزخرفى لم ينشأ كرد فعل على التصوير ولكنه تطور على هامشه مؤسسا اتجاها خاصا وباحثا عن حيز تشكيلى جديد .
والواضح أن تكوينات الزخرف الاسلامى توحى بمعان متنوعة تتصل بموقف المسلمين عامة وأهل المذهب الذرى خاصة من أن الحياة الدنيا دار فانية والعالم المحسوس عرض زائل لا يستحق التركيز عليه أو التأمل فيه . فالتكرار والتكثيف الزخرفى يسببان حالة تشبع بصرى تفضى بدورها الى استحالة قراءة الاشكال ، والى ما نسميه جمالية الغياب النافية للحامل المادى ؛ فيكون لفن الزخرف بانتشاره الواسع على الأشياء ، وظيفة تغييب واخفاء للمادة حتى لا يتسبب حضورها الذاتى فى الهاء النفس عن التأمل فى الله . وف الوقت نفسه يكتسب الفن الزخرفى حيزا جماليا مستقلا ، توحى ذراته المرتعشة بايقاع الذكر والتسبيح ، كأنما تبتهل من خلاله المادة الكسيرة المجزأة الى العلي القدير ، يقول تعالى : تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وإن من شئ الا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا (10) . ونلاحظ هنا ارتباط معنى الزخرف الاسلامى بالكونيات الاسلامية التقليدية المعنية بابراز العلاقة بين المركز والاطراف أى بين الله
كجوهر والعالم كآية من آيات الله (11) . إن النفس المرتعش للزخارف يلامس المادة ليدمجها فى حركة الذكر والتسبيح المتصاعدة عبر الجمادات والنبات والانسان والنفس والروح فى حركة متعالية حتى (( سقف الكون )) حسب عبارة مولانا جلال الدين الرومى .
الأشاعرة والصورة :
رأينا أن مركزية مفهوم الله تنتهى الى القول بنسبية المادة وبتجزئتها وجعلها فى موقع أدنى من واقع الحقيقة الروحانية . لذلك فان التحريم عند الاشاعرة بصورة عامة لا ينطبق على الصورة المقدسة الايقونة فقط . وانما أيضا يولد نفورا يكاد يكون عاما من الصورة التى تنقل الاحياء وحتى الجمادات رغم أن أحاديث النهى الشريفة لا ترفض تصوير الجماد . ويمكن تفسير ذلك النفور بأن الصورة مهما كانت ، هى انعكاس لعالم للمادة ومجال للتركيز عليها والتأمل فيها وذلك ما يتعارض مع ما أشرنا اليه من ضرورة تغييب المادة والتفرغ الى التأمل فى الله .
واذا كان بعض من عاشوا فى العراق فى القرنين الثالث والرابع للهجرة مثل النحوى أبى علي الفارسى والفقيه الحنفى أحمد الرازى الجصاص صاحب أحكام القرآن يتجهون الى تفسير معتدل للنهى حيث يرون أن التحريم يتجه فقط الى الصور التى تجسد الاله ، ( مما مكن التصوير من الازدهار بعض الوقت فى العراق ثم بعد ذلك فى تركيا وهى منطقة حنفية ) ، فان ذلك يبقى ظاهرة محلية غير مستمرة وليس لها تأثير كبير على الموقف السنى الاشعرى فى مجموعه وهنا نذكر موقف الحنابلة والمالكية وخاصة الموقف المتشدد للشافعية على لسان الامام النووى (12) الذي يمكن تفسيره بردة فعل عنيفة
ضد ميل الاسماعيليين الفاطميين المفرط الى التصاوير ، سواء كان ذلك طيلة حكمهم فى المغرب أو فى مصر .
الشيعة والباطنية والصورة :
استعرضنا بعض مواقف الاشاعرة من الصورة فما هو موقف غيرهم من المسلمين ؟
بعد سقوط بغداد ( 1258 م ) ، بدأ نجم التصوير فى الأفول من المنطقة العربية وخاصة فى العراق وسوريا ، ولجأ إلى البلاد الايرانية ليبدأ حياة جديدة ثرية ويعود ازدهاره فى رأينا الى عاملين أولهما سيطرة العنصر التركى والمغولى على مواقع السلطة فى شرق الامبراطورية الاسلامية ويتميز هذا العنصر منذ فجر الحضارة الاسلامية بولعه بالتصوير ، والثانى حيوية المذاهب الباطنية والغنوصية وتواتر الآراء حول التجسيد والفيض والوحى المستمر عن طريق الامامة فى التراث الشعبى بالاضافة الى الذكرى المتجددة الاليمه لاستشهاد الحسين رضى الله عنه وما يحف بها من مظاهر التشخيص والاحتفال . وقد أدى ذلك الى نجاح الصورة فى ايران وما حولها حيث ارتبطت بالحياة الروحية و الفكرية للمسلمين وخاصة بالتصوف فنجد أشعار سعدى شيرازى والجامى وجلال الدين الرومى مزوقة بالتصاوير كما تظهر صور النبىء صلى الله عليه وسلم فى بعض الكتب المغولية والايرانية.
النظام الخاص للصورة فى الاسلام :
ولكن رغم ممارسة المسلمين للتصوير فان الصورة تبقى عندهم رمزية فى أغلب الاحيان ، فهى كالاحجية ولها علاقة بالكيمياء الروحية والسلوك الصوفى ، وتتأثر بالكونيات الاسلامية التى تسعى الى تحويل الكون وجزئياته الى أيقونة يمكن التأمل فيها ، ومرآة يظهر من خلالها الواحد الاحد وسط نطاق التعدد ذاته (13) وفى بعض الاحيان ، تصبح الصورة شكلا من أشكال دراسة الكونيات تماما مثل الخطط الكونية المبنية للعلاقات بين (( الكثرة والواحد ، بين الوجود والخلق ، بين كل مخلوق من مستوى خاص من الوجود وبين أعلى المستويات حتى الوصول الى أسماء الله الحسنى ، حيث
توجد أسس كل المظاهر الكونية وغاياتها )) (14) . ومن المواضيع الكلاسيكية التى تعبر عن ارتباط الصورة بالكونيات الكلاسيكية ، قصة معراج الرسول الكريم التى وصفها عدد كبير من الشعراء والمصورين . كما نلمس تأثير مذاهب الفلسفة الصوفية مثل نظرية الانسان الكامل فى الحيز الجمالى للصورة الاسلامية (15) .
نجحت الصورة اذن فى الارتباط بالحياة الروحية العميقة للمسلمين فى سياق تاريخى وجغرافى محدود ، ولكنها لم تتجه مثلما كان الشأن فى الغرب المسيحى الى الارتباط الواقعى بالعالم المرئى حيث وصلت تحت تأثير نظرية المحاكاة الى التماثل التام مع الحيز المنظورى الذى حاولت نقله بدقة كبيرة فى عصر النهضة وما بعده . وقد بقيت الصورة الاسلامية بصورة ارادية فى أجواء الرمز لان مفهوم الله المطلق يمنع كل اقتراب مشبوه من الواقع المحسوس أو من الشكل القائم بذاته خارج العلاقة مع خالقه ، فذلك يؤدى الى تجاوز ابداعى و ان شئت الى هرطقة تحاول خلق أو اعادة خلق الشكل الواقعى . وهذا الموقف يتعارض طبعا مع تاريخ الفن الغربى نقطة بنقطة ، حيث يعتبر الفنان الغربى مبدعا وتضفى عليه بعض صفات الالوهية المبدعة .
نرى إذن ان الصورة حتى اذا سمح بها فان لها موقع خاص فى الحضارة الاسلامية وهذا قدرها : فازدهار الصورة فى الغرب مثلا تفسره ظروف روحية ( فكرة التجسيد المسيحية ) وطقوسية ( الصور فى مقابر المسيحيين الاولى التى هى صلاة لخلاص الميت : سوزان والشيوخ ويونس والحوت ودانيال فى حفير الاسود (16) وتعليمية قصة السيد المسيح المصورة على جدران الكنائس لوعظ الشعب . هذا بالاضافة الى سيطرة مبدأ المحاكاة كما ذكرنا وهو يطبع الابداعات الجمالية والأدبية للغرب عامة . اما فى الاسلام فان الموقف الروحى بالاضافة الى الطاقة التصويرية الكبيرة للغة العربية وتأثيرها فى مجموع الحياة الثقافية يجعل من الصورة فى الاسلام محدودة الوظيفة وهو أمر طبيعى يمكن تفسيره تاريخيا وليس نقصا أو عيبا تؤاخذ عليه الحضارة الاسلامية .
وما دام الله تعالى قد ظهر فى الزمن - بالنسبة للمسيحيين - متجسدا فى يسوع فقد أصبحت الصورة المجسدة أساسية فى العالم الروحى النصرانى لانها تثبت الى جانب صفة الالوهة ناسوت عيسى بن مريم الذى صلب لخلاص البشر ، وبتعبير آخر أصبحت الصورة حليفا وضمانا لنظرية ازدواج الطبيعة لذات المسيح ( اللاهوت والناسوت ) فى مقابل آراء القائلين بالطبيعية الالهية الواحدة Monophysistes الذين كانوا يعادون الصور المقدسة .
خاتمة :
أما بالنسبة للمسلمين فان حضور الله فى التاريخ كان عن طريق القرآن الكريم ، كلام الله وبذلك أصبح الفن الاسلامى شاهدا على ذلك الحضور الالهى ، من ذلك ارتقاء الخط العربى المجسد لكلام الله الى أعلى قمم التعبير والتنوع ممجدا القول الربانى ناشرا آياته فوق كل شئ ؛ كما دفع الفن الاسلامى الزخرفة النباتية والهندسية الى أقصى امكانات الابداع .
ومن الواضح ان فكرة الجمال او رؤيته مرتبطه عند المسلمين بالتسبيح وذكر الله الخالق . فأغاريد الطيور ، تسبيح والزهرة اليانعة تسبيح وشهادة؛ والاسلام يقبل طبعا البرهان الجمالى على الخالق . وما الفن الزخرفى الاسلامى فى الواقع الا ثناء على الله تتعدد مظاهره ويملأ الكون كصدى لكلامه المكتوب ليقر - عبر الكثرة - ببقاء الموجود أمام زوال العالم ، وبفردانيته أمام تجزؤ العالم .
وختاما ، وعندما نقف أمام قصر الحمراء بغرناطة فاننا نقف أمام قمة هذا الفن الالهى . وقد اعتبر بعض مؤرخى الفن فى الغرب ان ثراء هذا المعلم الكبير دليل على التصنع الاسلوبى وأنه يمثل مرحلة تميع للفن الاندلسى المغربى أى شبه (( باروك )) شرقى وقد أسقطوا هنا كالعادة على الحمراء مقاييسهم الغربية بينما يشهد القصر بصورة درامية على موقف أساسى من مواقف الفن الاسلامى : فقصر الحمراء يمثل الانفجار النهائى للثراء الساطع عند الاشاعرة حيث تتجزأ المادة الى أقصى ما يكون التجزؤ وتبدو فى شكل تخاريم وشبائك دقيقة حتى لكأنها تفقد جرمها ، حتى لتبدو كهاجس فى الخاطر .

