4 أوت 1961
كان عبد المجيد عطية اذاك بباريس وكنت أنا بهولندا . فكنا اثنين من منبتين كثيرين لم نشعر يمنزلتنا تلك يقدر ما كنا نشعر بها فى مهجرنا وفي تلك الفترة المؤلمة من تاريخنا الانسانى والقومى لا سيما وان حرب الجزائر ثم حوادث بنزرت كانت كانت تصفعنا صفعا . فكانت تزيد فى لوعتنا وتضاعف فى شكنا الموروث ، ذاك الذي ركب عصرنا واسلامه وثقافتنا وأجيالها النازعة فى اضطراب مفجع نحو انسانية جديدة دون أن تدرك كيف توفق بينها وبين ماض حضارى التبست طرقه وتحجر جوهره
فأتذكر اني اتصلت اذ ذاك برسالة من عبد المجيد عطية ، ردا على رسالة مني اليه ، يستحسن أن نذكر منها بعض الفقرات لتكون لنا مدخلا يساعدنا على ادراك الاسباب التى أوحت الى صاحبها هذه القصة التى نود أن نتعرض لموضوعها وللمشاكل التى أثارتها ثم الى الوسائل الادبية التى أعتمدت عليها للتعبير عن تلك المشاكل وتقريب حلولها من الاذهان
ان الرسالة المذكورة هى رسالة منبت قد عاش تلك الازمة قبل ان يعيشها بطل قصته اذ جاء فيها " اتصلت برسالتك وكنت على عزم مكاتبتك لاعلمك أنى بخير رغم الزوابع ورغم التهديدات التى تصلنا من وقت لآخر الى مونسينيى ( 2 ) تتوعدنا بتخريب المحل وقتل من فيه . وعلى كل فنحن صامدون يقظون لا خائفون مروعون ٠٠ الجو متسمم جدا بباريس والتونسى محل النقمة واذا دام هذا التوتر فاعتقد أن العلاقات الثقافية سوف تنقطع ٠٠
لكن تلك الحوادث العارضة الخطيرة لم تمنع مراسلى من أن يربط ازمته وأزمتنا جميعا يقضية الادب وأن يبدى رأيه فى قصتى " تعيش وتربى
الريش " التى تروى أزمة منبت آخر من نوع اخر . فهو رأى يتجاوز هذه الاقصوصة فى حد ذاتها ليتناول بالبحث قضية القصة التونسية عامة وقضية المنبت خاصة . فلقد قال فى رسالته : " . . . واذا أردت بعض النقد فانى أقول لك أن من خصائص اللغة العربية أنها لغة ايحاء وقد يرى بعضهم في ذلك عيبا اذ تصير اللغة قليلة الدقة . ولكن مزية ذلك ان القارىء يسرح به خياله فيتصور ما قد لا تعبر عنه السطور . خذ لك مثلا أسلوب أبى الفرج الاصبهانى - ولو كان الاستاذ بلاشير يرى أن ليس له أسلوب - فانه موجز ولكنه بالغ الايحاء . أذكر نص بثينة وجميل . فان بثينة لما سمعت هاتفا قالت : " لقد سمعت قائلا يقول . . . " ثم تزيد فتقول واصفة حالتها لما علمت بموت جميل " فصرخت صرخة آذيت منها الحي وسقطت لوجهى فأغمى على . فكأن صوتى لم يسمعه أحد وبت سائر ليلتى " هذا الايجاز الموحى ! لم تذكر كيف باتت ولكن القارىء يستطيع ان يتصور كيف باتت خذ لك مثلا اخر من نفس الاغانى من نص الاعشى والمحلق . فان المحلق لما أشارت عليه عمته أن يكرم الاعشى ويذبح له ناقته الوحيدة بقى حائرا فعبر ابو الفرج عن الحيرة بقوله : " فأقبل يدخل ويخرج ويهم ولا يفعل" فلم يقل مثلا " بقى المحلق حائرا " ويضيف مراسلى قائلا : " من الفقرات التى استحسنتها فى قصتك أكثر من غيرها فقرة مسايرة السكة ( ص 15 سطر 11 ) " فتتبع السكة . . . " ولكن أرى أنه كان الاولى أن تنتهى الفقرة عند " جادا سريعا . . . " فجملة " كأن السكة وقضبانها مغناطيس . يجذبه " أراها من الحشو الذي قد يخل بجمال القصة . . واني أرى أن تحكم هذا الميدان ولذلك عليك بالاكثار من مطالعة الاغانى وكتابات المسعدى ( السد - مولد النسيان - جملة أحاديث صدرت بالباحث منها حديث الكلب وحديث القيامة والسندباد والطهارة الخ . . )
لقد اوردنا هذه الرسالة لانها وثيقة مهمة ستمكننا من اثارة مسائل عديدة منها أنى كنت أظن أن مؤلف " المنبت " قد خلق ليكون ناقدا يؤمن بمعايير أدبية معينة تنحصر فى القصة الواقعية وفي الاسلوب الايحائى والتعابير البلاغية الكلاسيكية التى خلفها لنا أمثال أبي الفرج الاصبهانى وأبى حيان التوحيدى ومن جرى مجراهما من المحدثين مثل محمود المسعدى وان اختلفت نظرته للحياة عن سابقيه فلم أكن أتصور أن عبد المجيد عطية كان ينوى الالتحاق بقافلة القصاصين الناشئين فى تونس ذلك لانى كنت أجهل سره الكامن وشغفه بواقعنا الانسانى وعزمه على تصوير ووصف مميزات مجتمعه وعصره .
ان هذه القصة التى يطلع بها علينا دون ان يمر مثل غيره بالاقصوصة هى قصة انسان . وهو البطل حسن - قد فاجأه عصر لم يهيئه له جوه العائلى الفقير ولا مجتمعه المتخلف . فهى صورة عن انسان يريد ان يتبدل وان يخلق
من جديد دون أن تتوفر له الاسباب والوسائل الضرورية ليدرك هدفه بل أمله المنشود وهو التحرر من كل العراقيل الاجتماعية والعقلية والسياسية ان هذا الطالب الذى يسعى دون جدوى أن يدرك التعليم العالي بمساعدة ورضا رؤسائه الاداريين ، يعبر عن كفاح وصراع الكثيرين من شبابنا الذين حتم عليهم ان يعيشوا فى ازمة واضطراب لا يمكن لهم ان يتخلصوا منها الا بالكفر بما فرض عليهم من عوائد مختلفة ومن عراقيل واهية أكل عليها الزمن وشرب . فحسن انسان مفجوع قد اشتبكت أمامه الطرق . فهذه أمه العجوز وأخواه يقفون فى فقرهم وضعف وسيلتهم مسؤولية فى وجهه يود أن لا يفرط فى حقهم عليه ، وهذه ذاته التى تريد ان تتحرر فتنكر نوايا عمه ولا سيما زوجته التى تريد ان " تشتريه " ليتتزوج ابنتها ويوفر لها أسباب العيش الكريم فيهضم حق أمه وأخويه . فهو مدعو فى الحقيقة الى مأساة خفية وعميقة تخبط فيها الكثيرون من أمثاله فعاشوا أنصاف بشر قد ماتت قلوبهم وسكنت عقولهم ونسوا أن وراء الافق البعيد نورا فياضا يكفى أن يفوز به الانسان لكى يدرك منزلته ومنزلة ذويه
ان سلوكه ونظرته للحياة يشهدان شهادة واضحة عن مميزات مجتمعه وعراقيلة لا سيما الادارية منها . فهي وان كانت وطنية عمياء آلية اذ أنها تعيد شاعرة او غير شاعرة أفعال الادارة الاجنبية التى حلت محلها . فهى مثلها ظالمة اجتماعيا لانها تجور غالبا بحقوق الضعفاء . وهذه ظاهرة لا يمكن لملاحظ مخلص أن ينكرها لانها تميز مجتمعاتنا المتخلفة التى لم تتخلص من المحسوبية والايثارية فعصيان حسن للادارة ليس نكرانا لما للمواطن من حقوق وما عليه من واجبات بل هو تنبيه مهم الى انه لا يكفى أن يكون المجتمع وطنيا مستقلا لتكون ادارته عادلة . فالمنبت الذى يتخبط بين حضارة قديمة تكاد تكون عاجزة وحضارة جديدة مسرعة مخيفة ، انسان وعي منزلته وعيا شاملا . فقرر ان يتحمل الى النهاية مسؤوليته ولو أدت به الى ما يبدو أنه العدم لانه بعد ما فقد أمه وزوج أخته وضمن تعليم أخيه الصغير ، هرب من وطنه كاللص الى فرنسا دون رجعة كان النقمة التى كانت على قدر العراقيل قد نالت عقله فجعلته لا يدرك أعماله ونتائجها
ولكن من هو المنبت منا الذى لم يسلك هذا المسلك ولو فترة قصيرة ؟ فسلوك حسن وعزمه على مفارقة وطنه لا يعنى نكران مجتمعه بل السعى فى ادراكه بالثورة المرة عليه كى يدرك حقائقه الجوهرية بما فيها من ايجابى وسلبى . فقصة المنبت قصة أجيال عديدة ابتدأت ازمتها منذ القرن التاسع عشر واشتدت عند ما انبثق فجر الاستقلال وتميزت الطبقات الاجتماعية ومصالحها فى بلادنا . وهى لا تزال ترحى وتعرك مستقبل الكثيرين منا لان جند المنبتين لن ينقطع ما لم تدرك مجتمعاتنا العربية الاسلامية توازنها الحضارى . ولا شك أن عبد المجيد عطية الذى أكد هذا " الانبتات " أحسن
تأكيد لم يزودنا مع الاسف بالاسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة التى كيفته وخلقته وأعنى بذلك ان جور الادارة وتطاحن الثقافات وتراكم العوائد ليست الا ظواهر لنظم اجتماعية واقتصادية وسياسية بالية يجب تحليلها والاشارة اليها لندرك ازمة المنبت وأمثاله
ان هذه الازمات اجتماعية . فكيف يمكن التعبير عنها دون الالتجاء الى الطريقة الادبية التى تناسبها فى غالب الاحيان وأعنى الاسلوب الواقعى الذى اختاره عبد المجيد عطية لانه ادرك أن أهم مشاكلنا الحاضرة لا تزال متعلقة بهياكل اجتماعية موضوعية لا يمكن الكشف عنها والحكم عليها الا بعرض ذلك الواقع المجرد العارى بما فيه من عوائد وفلكلور وحكم قد بدت مملة لبعضهم حتى أنهم نادوا بتخلف الاسلوب الواقعى وتعلقوا مطمئنين بالاساليب الادبية الاوروبية الحديثة التى لم تتمكن حتى الآن فى ان تعم فى مجتمعاتها انهم لم يدركوا ان تلك الاساليب وليدة تطورات اجتماعية لم تدركها مجتمعاتنا بعد . فان كان المجتمع الاوروبى قد بلغ الحيرة والقلق فان مجتمعاتنا تزال تتخبط فى ازماتها العديدة الناتجة عن استسلاماتها المتراكمة
ان الاسلوب الواقعى لا يعنى بتاتا محاكاة الواقع بل تصوير فترة معينة من واقع معلوم وجب تسجيله كى نسجل تاريخ مجتمعنا وبالتالى تاريخ أدبنا . وليس هذا يعنى أن الواقعية فى هذه القصة تدعو الى وطنية أدبية بل انها تسعى ان تتخذ عبرتها من مجتمعنا كى تسمو به الى ميدان الاصالة والشمول . ولذلك فان هذه القصة ومثيلاتها تريد ان تصف واقعنا قبل ان تتخيله مثالا وان تتصوره وتحلل مشاكله قبل ان ترى فيه معالم القلق والحيرة واللامعقولية . فالواقعية فى الادب - ومنها اللامعقولية - تعنى بالذات التعبير عما يميز كل مجتمع من تطورات يمكن ان تختلف عن تطورات مجتمع آخر وبعبارة أخرى فان أدبنا لن يعبر عن ذاتنا الا اذا كان مرآة صادقة لما يميز انتفاضات مجتمعنا وخبرته فى الحياة
ولقد أدرك عبد المجيد عطية ذلك فسعى الى التخلص من ثلاث عقد لا تزال تسيطر على كتابنا : اولها الوعظ والارشاد الذى يطغى على كثير من قصصنا الحاضرة . وأعنى بالوعظ والارشاد كل ما يمت الى ما يسمى بالادب الهادف الذي يهدف فى الحقيقة الى القضاء على كل هدف فيفر من المسؤولية الادبية الحقيقية ليسقط فى شباك الدعاوة السياسية او المقالة الصحافية . أما العقدة الثانية فهى تنحصر فى التعلق بالاسلوب الخيالي المحض السائد حاليا والذى أصبح دابة يركبها كل من يريد . فهو طريقة سهلة لكتابة القصة لانه ينحصر عند بعضهم فى خلط المعقول وغير المعقول وتهويل الحوادث وانفجار السماء والارض والسير على الرؤوس والتكلم بالاذنين والاستماع بالفم الخ من الخرافات التى تتقبل جميع التأويلات وتسمح لكل من يتعاطاها أن يدعى أنه نبى مجهول عند ما يسأله سائل عما يدعى بذلك أو يؤاخذه على غموضه
وأوهامه . ان المسرفين فى هذا الاتجاه اما عاجزون عن التوفيق بين الواقع والخيال اللذين يعيشهما كل انسان فى كل يوم واما طوبيون سفسطائيون ليس لهم هدف معين واما منعزلون عن واقع حياة مجتمعنا وما فيها من واقعيات موضوعية جهلوها لانهم لم يعرفوها ولم يعيشوا فيها
ان مؤلف " المنبت " قد استطاع ان يتجنب ذلك كما تجنب عقدة ثالثة و النزعة الى التشدق اللغوى وما وراءه من البهلوانيات البعيدة التى تحمس اليها بعضهم فأصبحوا دون أن يشعروا أدباء سلفيين اذ أنهم تعلقوا ببديع ابى حيان التوحيدى ومن جاراه ونسوا أن الادب رسالة ومسؤولية ترميان قبل كل شئ الى تمييز الواقع والتأثر به والتأثير فيه . فهل نحن فى حاجة الى مجاراة مقابسات أبى حيان ؟ أنكتب ليفهمنا غيرنا أم نكتب لنقنع أنفسنا بأننا جبارون مهرة ؟ وهل لنا ان نخاطب عرب القرن العشرين بلغة القرون الوسطى ؟
لقد كان عبد المجيد عطية يؤمن بتلك المعايير حسبما تدل على ذلك بعض العبارات الواردة فى رسالته السابقة لكنه سعى للتخلص من ذلك ولم يطبقه فى قصته حيث استعمل لغة أدبية بسيطة تكاد تكون لغة التخاطب اليومى لانه يؤمن ان رسالة الكاتب تحتم على صاحبها ان يخاطب الناس بما يفهمون ولعل ذلك يعود الى تطور جديد يعود الفضل فيه الى دراساته اللغوية العالية وما حصل له منها من فوائد . ولكنه ما انفك متشبثا بما يدعوه الاسلوب الايجابى . وهو لعمرى أسلوب صعب المنال والتحديد لا يمكن ان نضع له معايير معينة . فهو فى الحقيقة أسلوب ادبى سلفى مثله مثل ذلك الرأى الذي يدعى أن الايجاز هو أحسن ما تميزت به العربية دون غيرها . ولعل تشبث الكاتب بهذا الرأى وتطبيقه فى قصته قد جعله يسرد لنا الحوادث سردا جافا يكاد يشابه الوصف الصحافى . فكادت عباراته تخلو من الخيال والشاعرية ومن الوحى والموسيقى . لكن تلك اعتبارات جمالية أكتفى بالاشارة اليها راجيا من الكاتب ان يتنبه اليها كما نبهنى من قبل الى مثلها من الاعتبارات ويكفينى ان اقدم هذه القصة كمحاولة جديرة بالاعتبار مثل غيرها من القصص التونسية الحديثة آملا أنى عرفت بها دون الوقوع فى الاطراء والمجاملة اللذين لا يرضاهما تواضع صاحب هذه القصة ودون أن أكون شاعرا او غير شاعر ضحية أحكام تعسفية لا يرتضيها الحوار الخلاق ولا التسامح نحو نزعات أهل الادب المختلفين ببلادنا

