تحت عنوان ) امسكوا الزمن الهارب ( ورد قصيد فى مجلة الفكر ) * ( للشاعر نور الدين صمود ، الذى ما فتئ يتحفنا من حين الى آخر ببعض الخطرات الشعرية الجميلة ، والذى يبدو ممسكا بالزمن لا يتركه يهرب منه ، بل يظل يعمل ويشارك وينظم قصائد يعبر فيها عن خلجات نفسه ويخدم بها قضايا اجتماعية وأخلاقية .
وهذا القصيد من هذا النوع الأخير الذي دأب عليه الشاعر ، فأنت لو تدبرت شعره لوجدت أنه كثيرا ما يحوم حول قضايا مطروحة للبحث في عالم البلدان التى هى فى طريق النمو والتي تتخبط فى مشاكل من هذا القبيل : عدم الاكتراث بالوقت ، انتشار البطالة ، سيطرة الأفكار الساذجة على الناس . . . الخ ويكفى أن ترجع الى عدد " الفكر " السابق لهذا الذي ورد فيه هذا القصيد لترى صدق ما أقول ، فالشاعر قد نظم فى هذا العدد
السابق قصيدا آخر بعنوان ) خواطر ساذجة يوم اكتشاف القمر ) تحدث فيه عن سذاجة بعض الناس وغبائهم وجهلهم الذى جعلهم لا يصدقان بوصول البشر الى القمر
! ان هؤلاء الناس الذي تحدث عنهم الشاعر لموجودون حقا وكم التقينا بهم فى الشوارع وقهوة الحي وسمعنا منهم كلاما ساذجا وأسئلة تصور جهلهم المطبق بهذا الكوكب :
لعمرى هذا هو المستحيل " ترى كيف لا يغرقون " " وقد نزلوا فوق ) بحر السكون ( ؟ ! " ولكن اسمع الشاعر يرد بعنف على أحد هؤلاء الاغبياء المتأخرين عن الركب : " اذا كنت تحيا بعقل البقر بهذا الغباء الفظيع فانك لن تستطيع بلوغ القمر
ان الشاعر نور الدين صمود ملتزم فى هذا القصيد كما فى الاول ) امسكوا الزمن الهارب ( وفي قصائد أخرى كثيرة . وهذا الالتزام يدل على احساس الشاعر بمشاكل يعاني منها وطنه تتطلب من الأديب الغيور أن يحمل عبئها فيعمل على تحطيمها وتطهير الأرض الطيبة منها .
ولنعد الآن الى القصيد ) امسكوا الزمن الهارب ( لنقول كلمة فيه ان هذا القصيد - وهو من النوع الحر الذي يلجأ اليه الشاعر أحيانا - ملىء بالصور الشعرية الجميلة والمعاني الطريفة التى تدل على أصالة شعرية وعلى ذوق فنى رفيع ، فهو يستغل الأقوال المأثورة استغلالا جيدا :
الوقت من ذهب ما عاد منه ما ذهب " وان " الأيام تموت والأوقات تنتحر " وان الناس فى مجتمعنا يظلون " واقفين فى انتظار فى بلاهة الحمار " .
وان صمود ليشعر أن الوقت ليس له قيمة فى مجتمعنا والوقت الذي كان من ذهب لا يعود منه ما ذهب أصبح فى نظر الناس من خشب يعود منه ما ذهب :
فالوقت من خشب يعود منه ما ذهب "
وان الناقد ليلاحظ وهو يقرأ القصيد تدرج الأفكار وسيرها فى خط بياني واضح وترابطها ، فهي تنتقل من الخاص الى العام ومن الجزئى الى الكلى فبعدما يتحدث عن الوقت وقيمته في حياة الفرد والمجتمع ينتقل الى ذكر أثر ضياع الوقت على الوطن والحضارة
ونحن ههنا نكبل الزمن ندوس فوق هامة الوطن نضاجع الحضارة " وان الاحساس بالمرارة والذى ظهر فى تلك العبارة المملوءة غضبا وثورة " وانت فى كرسيك الأمين تلوح مثلما يلوح فى سريره الوثير سعادة الأمير
ان هذا الاحساس وهذا الوصف ليدلان دلالة واضحة على أن الشاعر كان مخلصا للواقع ، مستلهما له ، يلتقط منه الحقائق التى تقلق الضمير العادي فما بالك بانسان شاعر حساس !
وفى الجملة ان هذا القصيد يستحق دراسة أطول حتى تكتشف جوانبه الايجابية ويماط اللثام عما في أسلوبه من التصوير الجميل والعاطفة الصادقة والتعبير الواضح السليم ورغم كل هذا فلا بد من القول أنه يجب على الشاعر صمود أن يخلق صوره خلقا جديدا وان يبتعد عن تلك الصور والتعابير التى دعونا بها بعض الشعراء المحدثين من أمثال بدر شاكر السياب ونزار قبانى وغيرهما حتى يصبح شعر ذا طابع أصيل به يخلد .

