خواطر سابحة . . تأبى القيود ولا تعيش على غير الحرية .. جناحها الشعر والايحاء والتوليد . . كلمات خرج بها - محمد مصمولى - عن المألوف او يكاد هي دراسة لمفهوم الشعر فى اللاحدود فكانت الطريقة كتلك الفراشة الحائمة بعيدة عن كل موضوعية علمية كما هو معروف فى أساليب البحث . . وقد يعاب عليه هذا التمرد لكن اذا ما انتهينا من قراءة هذه الفقرات او التموجات للمس بوضوح أسلوب المصمولى المعهود ورأيه فى الموضوعية التى نستشف انها مستحيلة فى الشعر عنده فكانت طريقته مستمدة من طبيعة الشعر نفسه : استشفافا لرموز وايماء وتلميحا لا يعرف النظام من غير خروج عن أبعاد المحتوى . .
وماذا عن المحتوى ؟ . . هو بحث عن الكلمة الشعرية واصطيادها فى حقول اللامنتهى . . ذلك الكون الابدى الزاخر بحروف القصيد " التى يغريها النسيان بالفناء ، وهيهات ان تفنى . . " ما دام الكون كونا والاحساس احساسا . . والكون عند المصمولى هو كلمات تخرج عن الحس لتلقى بيد حالة بين أحضان الحلم ودنيا الايحاء فالشعر كما يقول ( سانت باف ( Saint Boeuve ) : ليس في ان نقول كل شئ بل فى أن نحل النفس بكل شئ من هنا نلمس ثورية المصمولى وجعل كلماته طريقة للايحاء ووسيلة للحلم شأنها تماما شأن الشعر نفسه . . والحلم ارتعاشة تجوب عالم ما بعد الحقيقة بقوة حدسها وحساسيتها لذلك نرى الشعر وجميع الآداب
والفنون الاخرى من قصة وقصيد و رسم وموسيقى . . الخ اوسع مدى من وسيلة التعبير لانه كامن حتى فى " القصائد التى لم تكتب بعد " لانها مضامين كامنة في الانسان والارض والاشياء المنظورة وغير المنظورة . . لذا فالشعر خال من كل تقنية او مقياس . . فهل تسمى شعرا كلمات موزونة او عمودية او حرة او منثورة . . ؟ ! الفن الاصيل يرفض كل هذه الاعتبارات ولا يحتضن غير الرؤيا الخفية للأشياء المتضمنة التى لا تفنى بفناء الزمن " الآنى " فرسالة الشعر باقية لا كما يتهمها البعض بالفناء أو بقرب الزوال فـــ " لان كان العلم يوقف الانسان على عتبة الحقيقة فالشعر الذى فى نجمه المساء ، يسمو بالانسان الى ما فوق الحقيقة وتلك هي رسالة كل شعر أصيل عميق . . " وكما عرف أديبنا " المسعدى " الادب بانه مأساة او لا يكون فالشعر - بحث او لا يكون - وهو بذلك ازمة وبالاخرى محاولة للتعبير عن ازمة لذلك نرى
" روح الرمز الشعرى ما تزال بكرا تبحث عن عشاقها لغاية الابحار بهم فى أجواء المجهول واللاوعى حيث تحرق الأشياء براقعها وأوراقها واقنعتها ، وحيث تتجلى الاسرار و - تتسطح - الدواخل والخفايا ، وحيث تتفتح الالغاز قبل استقرائها واستفسارها . . وهو لقداسته - اى الشعر - وشفافيته يكاد لا يعطي مفتاحه أحدا " فجمهوره قليل او لا يكاد وقد يكون مرجع ذلك الى كسل ذهنى او ثقافة منقوصة تقف صاغرة امام تمثل الاشياء والجواهر التى ترفعنا " الى اعلى عليى الفكر . . الى الله " والجواهر
نفسها تكاد تكون معدومة فى أدبنا العربى عامة والادب التونسى خاصه فمتى ينمو القصيد ؟ ومتى نلمس الانسان فيه ؟ انسانا نريده فى اى لباس كان واى لون اتخذ ما دام الدم " هو دم الانسان وان اختلفت الحروف والدمع هو دمع الانسان وان تباينت اللغات فى الشعر والعينان هما عينا الانسان وان اختلفت الصور والايقاعات العروضية " والازمة هى ازمة الانسان وان تباعدت الشقة . وما تطور الكلمة الا تطور الانسان نفسه وما تجدد الايقاع وتحوله من كلاسيكية النحاسية الى ايقاع واع معبر - ما تجدد ذلك - الا لتجدد بقاع الحياة وفق مقتضيات التجربة ومعطياتها وغاية هذا التحول الارتباط بالصورة المقصودة فهو يخدم التجربة مراده تشريك الاخرين وجعلهم بتفاعلون مع هذه التجربة وهو ايقاع عفوى لا تكلف فيه لتدفقه من نع التجربة الصادقة - لا المفتعلة - التى هى عامل مشترك بين الناس ما دام المقياس الشامل للشعر هو الانسان . . فلا غرابة اذن ، ان نادينا مع الجاحظ ( عود قلمك على كتابة اشياء شعرت بها ) تاركين لكل فنان أصيل وسيلة التعبير حرة فجوهر الفنون هو التجربة وهو بالتالى جوهر الانسان الواحد فى كل مكان على ربوة الانسانية الشاملة وقمة المستوى الحضارى الاوسع . . و لا يتسنى لنا ذلك الا متى تحررنا من قيود التقليد الاعمى لقفانبك . . وبانت سعاد . . وعشنا التحريرية المخلصة المجتهدة غابتنا : المطلق والرؤيا الامينة الخالية من الانا الساذجة لعناصر الحياة . .
فاين هذه الكلمة . . واين هذا الاثر الفنى الخالد وهل كان الذى " يعيننا على الشعور بالروابط الموحدة بين ذواتنا والصميم الحى للاشياء التى تشاركنا فى الكيان ، وتجايلنا بصمت " . . هل كان هذا . . ؟ ! أم ترى ليست لنا غير علامات استفهام مصلوبة والفاظ مهشمة وبوليس يطوف شوارع : مصطفى " صمود " ومصطفى " عبد الصبور " ويتصارع بين " محسن ونزار " وبين " قبانى وجاك " ويعود بنا الى عهد المتنبى وسرقاته . . نحن فى مرحلة النمو بجميع أبعاده ونقدنا نريده بحثا ونبشا فى الكلمة الباحثة عن " التآلف الذى تملكه الحياة " وما النقد غير أدب يجعلنا أيضا " نفهم الصيد الروحى " لتجارب الفنانين الذين لا فضل لهم غير الاحساس المرهف الذي تذوب أنانيته الفردية لتنصهر فى " أنا الجماعة " . أملنا في القلم عميق كعمق الحرف وأبعاد الكلمة .

