الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

خواطر عن طه حسين، ومسألة الهوية القومية

Share

قبل أكثر من عشر سنوات بقليل ، توفي عميد الادب العربى المرحوم الدكتور طه حسين . واذا كان يصح ان نصف احدا من المفكرين العرب المعاصرين بأنه عميد الفكر العربى ، فلا مشاحة فى ان طه حسين كان أيضا عميد ذلك الفكر ، ذلك انه لا يمكن ان يتبادر الى الذهن اسم مفكر آخر غيره ، كان له على مدى ما يقرب من ثلثى القرن ، أثر مستمر ، كأثره ، فى تغذية الفكر العربى . حتى انه ليمكننا القول : إن طه حسين كان فى حياته ، وما يزال بعد عشر سنوات من وفاته ، أحق من غيره بأن يطلق عليه ما اطلق على المتنبى قبله من أنه " مالىء الدنيا وشاغل الناس " . وما الدراسات والمقالات الكثيرة المدبجة عنه التى تملأ أعمدة الصحف وصفحات المجلات منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن وحتى الآن الا دليل واضح كالشمس على أن طه حسين كان عميد الادب العربى ، وعميد الفكر العربى ، ومالئ الدنيا وشاغل الناس ، جميعا . والخواطر التى أخطها اليوم انما هى اشارات أردت بها الى جانب تكريم ذكرى العميد الذى كان دائما فى قلب كل حوار ، ، إلقاء أضواء على مسألة الهوية القومية لدى العميد ، اضواء شاء حظى معه ان أخطها ومصر تعانى فى ظل معاهدة استسلام تهدف الى اضاعة هويتها القومية

كان طه حسين موسوعيا بكل معنى الكلمة ، وكان الى ذلك مبدعا فى الرواية والقصة القصيرة وفى الترجمة الذاتية . أى فى " أجناس " أدبية مختلفة . فأما موسوعيته فليس أدل عليها من دراسته الدائبة لمواضيع تتراوح من

نأريخه للادب اليونانى ، الى عبقريته فى التراثيات الاسلامية ، الى براعته فى المناقشات الادبية ، الى اهتماماته بالشؤون العامة التى قاربها كمثقف ملتزم فاعل فى الحياة السياسية ، له بها تطلعاته المشروعة ، وممارساته التى ستظل يذكر له بالاكبار وفى مقدمتها عمله من أجل محو الامية ومجانبة التعليم .

الا ان أهم أعمال طه حسين قاطبة هى تلك التى أثارت عليه العواصف الظالمة والمحقة . ولا ريب ان اقساها على نفس العميد كانت العاصفة التى عصفت بعالم الفكر والادب لتصل الى عالم التشهير حتى التكفير ، بمناسبة اصداره عام I926 كتابه " فى الشعر الجاهلى " . نقول : كانت تلك العاصفة الافسى على نفس العميد لانه اضطر ، كما هو معروف ، ليس للدفاع عن آرائه فحسب ، بل للدفاع عن ايمانه حتى ولو كان فى الامر شئ من التراجع عن آرائه . ولعل رسالته فى هذا الامر الى رئيس جامعة القاهرة ، وهو اذ ذاك الاستاذ أحمد لطفى السيد ، تدخل فى نطاق تلك الوثائق التى كثيرا ما اضطر المفكرون على مدى العصور الى كتابة امثالها ، درءا لخطر العامة والتفكير العامى ، حين يصل الحال بالضيقين بحرية الفكر الى اثارة مشاعر الدهماء ازاء مفكر حر تقوده حرية فكره الى توجيه التساؤل باتجاه مسلمات عامة ، حتى لو كان توجيه التساؤل انما يصدر عن موقع ايمان قد يكون أعمق من ايمان الرجل العادى .

كان كتاب طه حسين " فى الشعر الجاهلى " ، الذى صدر عام I926 ، مثيرا للجدل الحاد الصاخب الذى وصل الى التشهير حتى التكفير . الا ان الكتاب الاهم لعميد الفكر العربى كان كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " الذى صدر عام 1938 والذى قدمه " هدية إلى الشباب الجامعيين " ، بعد أن أغراه باملاء الكتاب أمران : " أحدهما ما كان من امضاء المعاهدة بيننا وبين الانجليز فى فى لندرة ، ومن امضاء الاتفاق بيننا وبين أوربا فى منترو ، ومن فوز مصر بجزء عظيم من أملها فى تحقيق استقلالها الخارجى وسيادتها الداخلية " . أما الامر الثانى فكان قضاؤه شهرا فى صيف عام I937 يمثل مصر فى مؤتمرات ثقافية دولية بباريس . وقد سمع العميد فى هذه المؤتمرات آراء وشهد فيها " أشياء وآثار ما سمعت وما شهدت فى نفسى خواطر وعواطف وآمالا ، لم أر بدا من تسجيلها ، فمنيت نفسى بأن انتهز فرصه هذه الخواطر والعواطف ، لانجز ما وعدت به الشباب الجامعيين فيما بينى وبين نفسى " ، أما هدف الكتاب الذى أغراه باملائه الامران سابقا الذكر ، فكان أن يجد فيه الشباب

الجامعيون الذين قدم العميد الكتاب هدية لهم " صورة للواجب المصرى فى ذات الثقافة بعد الاستقلال كما يراه مصرى مهما يقل فيه ومهما يظن به فلن يتهم فى حبه لمصر واخلاصه للشباب المصريين " .

وكتاب " مستقبل الثقافة فى مصر " كتاب ضخم ، يقع فى نحو من 550 صفحة ، ولعله الاكثر منهجية بين كل كتب طه حسين ، والاكثر التصاقا بالفكر السياسى، ومعالجة لما نطلق عليه اليوم اسم " الهوية القومية " .

واذا كان من الصعب تلخيص افكار طه حسين فى كتابه الضخم هذا ، فمن الممكن لنا القول ، بعد نصف قرن من صدوره ، ان المسائل التى يثيرها الكتاب ما تزال حية معنا الى هذه اللحظة . أقول هذا معجبا بنفاذ فكر العميد ، وأقوله أيضا مخالفا له فى كثير مما ذهب اليه .

عالج العميد مسألة الهوية القومية لمصر فى صدر الجزء الاول من كتابه . فنفى مقولة لا يقول بها أحد على حد علمى ، وهى ان مصر جزء من الشرق معنيا به الشرق الاقصى ، مستخدما اسلحته العلمية فى معركة وهمية ، ليخلص ، على اشلاء المعركة ، الى بناء مقولة لا شك انه كان عليه ، لولا انبهاره بفرنسا ، أن يتنبه الى " عبثيتها " وهى ان مصر جزء من أوربا ، وان الواجب امام مصر ، فى عهدها الاستقلالى الجديد ، هو " المشاركة فى الاوربية " .

وانتهى العميد فى ختام الجزء الثانى من كتابه ، وعلى مدى ما يقرب من I5 صفحة ، الى تبيان " واحب مصر نحو الاقطار العربية " ، على نحو يصح أن نطلق عليه بلغة اليوم ، تعبير واجب مصر فى تمصير العرب ، واجبا ينضح " بالابوية " ، وبالنفعية أيضا .

واذا كان لكلام فى أسطر معدودات ان يلخص كلاما فى مئات الصفحات ، فمما سبق تلخيص أمين لمسألة الهوية القومية كما عالجها طه حسين فى خير كتبه .

ليس من العدل ان نقف فى مطلع عام I984 ، لننتقد ، على ضوء معطيات اليوم ، ما خطه عميد الفكر العربى ذات صيف قبل نحو من نصف قرن اثر شهر أمضاه فى باريس - الفكر . ولكن من العدل ان نعجب ، لو عاصرنا

العميد ، كما من العدل ان نعجب اليوم ، لهذا الانبهار الكبير بأوربا ، وان نسخط لهذا التناسى المريب لاهم ظاهرة دارت حولها احداث المنطقة ، بما فيها مصر ، ألا وهى ظاهرة الاستعمار الاستيطانى الصهيونى . ولا ريب انه كان على العميد ان يرى ، وهو فى باريس ، ما رآه قبله ، ومن باريس ايضا ، مفكر آخر عاش قبله هو نجيب عازورى ، الذى كتب عام I905 ان الصدام بين العرب واليهود سيكون أهم أحداث المنطقة ، وعلى نتيجة هذا الصدام قد يتوقف مصير العالم ، لا سيما وأن أيام العميد كانت أيام الثورة الفلسطينية الكبرى .

كذلك علينا أن نسخط أشد السخط لما فى هذا الانبهار الكبير بأوربا ، الذى يظهره طه حسين ويتابعه فيه عدد من تلاميذه الذين سيطروا على الحياة الثقافية فى مصر ( والبلاد العربية ) ، من استخفاف بثوابت منطقتنا ، حتى لكأن " التغريب " الذى دعوا اليه يكاد يطالب بافراغ سكان المنطقة من " عواطفهم " الذاتية كى يصبحوا أوربيين . وهم فى ذلك لا يختلفون كثيرا ، بل كأنهم يمهدون السبيل أمام المطالبين بافراغ المنطقة من سكانها لالحاقها ، عبر سكان جدد ، بقطار الحضارة الاوربية .

ومن عجب أن أفكار طه حسين فى مسألة هوية مصر القومية ، ما تزال تتردد حتى أيامنا هذه . بل لعلنا لا نظلم العميد اذا قلنا : إن " الاستشراقية المزدوجة " التى ننظر بها الى ما ومن حوله ، مسؤولة ، الى حد لا بأس به ، عن تمهيد السبيل امام ما جاءت به اتفاقيتا كامب ديفيد من انكار لعروبة مصر ، انكار كرسته المعاهدة المصرية - الاسرائيلية فى 1979/3/26 .

. . . ولن أقف عند هذه النقطة الا لاتجاوزها . وبالتحديد لم يكن همى الاشارة إلى السياسة الراهنة من خلال بذورها الفكرية ، الا لأؤكد على الواجب الفكرى - القومى الجليل ، المتمثل فى التصدى ، بموسوعية اشمل من موسوعية طه حسين ، الى تراثنا النهضوى ، وموضعته فى الموضع اللائق به ، كلحظة فى تاريخنا الفكرى ، لحظة امتازت بضعفنا أمام الغرب ، لحظة علينا ان نتخطاها ، بشجاعة ، فى عالم الفكر على نحو مماثل لما نشهده من تخط شجاع لها فى عالم الواقع الملموس .

اشترك في نشرتنا البريدية