لا ريب فى ان الرغبة فى الصناعات، والعناية بها، هما أول ما يشترط للاجادة فيها، والنجاح فيها، إذ لا يخفى على الجميع ان الانسان لا ينجح فى معترك الحياة الا فى الامور والاعمال التى يرغب فيها ويشغف بها. والشغف بالصناعات وما تدره من خيرات وبركات هو الذى يدعو الانسان العاقل المثابرة فى مزاولتها امداً مديداً وزمناً متتابعاً طويلا. والصابر في الغالب لا يخيب ولا يفشل، وقد قيل: " لكل مجتهد نصيب " وقال النبي ﷺ: ( أحب الاعمال الى الله أدومها وان قل ). فيجب على محب الصناعة اذا بدأ فى ممارستها ان يعتنى بدقائقها ويفهم جزئياتها وكلياتها حتى يستطيع ان يبرع فيها، ومن ثم يستنبط ويبتكر ولا يبعد أن يكون من المخترعين، فليس العلم الصناعي وقفاً على أمة دون أمة، ان هو الا التعليم المفيد ودقة الملاحظة والمثابرة على العمل!
ولقد حث الشارع على المثابرة في الامور، وقوة العزيمة فيها والصبر عليها وكثير من الناس يشرع في عمل من الاعمال بنشاط عظيم وطموح كبير ثم تعرض له بعض المصاعب فتبرد عزيمته وتخور همته تلقاءها، فلا يتم ما شرع فيه، فمثل هؤلاء لا يستطيعون أن يتموا أمراً ولا يكسبوا نجاحا. بخلاف أرباب العزيمة وأهل الصبر فهم يقابلون تلك المصاعب والصدمات بقلب ثابت وصدر رحب وعزيمة لا تقبل الكلل والملل فيتغلبون بذلك على العقبات، وينالون ما أرادوا
بفضل الله ثم بجدهم وثباتهم، ولا يمكن ان يجتمع سقوط مع اجتهاد في الغالب والحكم للغالب.
ومما لا يخفى ان الشعب كالفرد؛ فلا يسمو شعب ولا تترقى أمة الا بنتائج أعمالها واتقان مصنوعاتها، وحسن انتاجها الاقتصادى. ومخترعاتها التى تجود بها قرائح صناعها المتفننين، ومهندسيها المتقنين. واذا أمعنا النظر فى الامم الراقية والحكومات الكبيرة نجد اكثرهم رقيا أثبتهم واجودهم اختراعا وصناعة واكثرهم اصطناعا وتصديراً، ورقي الشعب وتقدمه مرتبط كل الارتباط بالافراد فالامة كالجسم الواحد، أعضاؤه الافراد. فالشخص العامل المجد يترقى به الشعب ويسعد، والشخص العاطل ينحط به الشعب، فترى هذا الشخص الخامل إذا بدأ بعمل يراه صعبا ويستعظم ما يلزم صرفه فيه من جهود ووقت فتنفر نفسه قبل ان يسير غور العمل فيحجم عنه. يبقى واهن العزم خائر القوى، فاذا طال عليه الامر ولازمه الضجر وقوى عليه سلطان اليأس، يئس من النجاح بالكلية فيترك ذلك العمل مرة واحدة، ويحاول الشروع في آخر، وهذا إذا صعب عليه فارقه الى غيره، وهكذا يضيع وقته سدى، وينتهى به الامر الى ان يرجع يخفى حنين فى كل مازاول من عمل او صناعة والعياذ بالله.
هذا وقد وجد ولله الحمد بهذه المملكة العربية السعودية معامل ومصانع ومعاهد علمية وصناعية، وان كنا نرى الاقبال عليها اقل مما الامة فى حاجة اليه، فتلك شركة التوفير والاقتصاد وتلك شركة الطبع والنشر، وشركة الصادرات، بالعاصمة وكلها يرأسها زعيم الادب والاقتصاد سعادة الاستاذ الشيخ محمد سرور الصبان
وتلك دار الايتام بمكة يرأسها سعادة مدير الامن العام، وهذه دار الايتام بالمدينة المنورة قد الحقت بها قسما صناعيا يتعلم فيه الطالب مايميل اليه قلبه من
الصناعات المختلفة من النجارة والحياكة وصناعة الجلود وغيرها، وهذا معمل الغزل والنسيج قائم بتعليم فن النسج أحسن قيام ويخرج أقمشة منسوجة صالحة للاستعمال، فنرجوا أن يزداد أقبال ألامة على هذه المؤسسات والشركات الوطنية لتنمو وتتقدم، ثم هذه مدرسة العلوم الشرعية التى أسست منذ ثمانية عشر عاما لرفع المستوى العلمي الشرعي بهذه الرحاب المقدسة هاهى قد خصصت ادارتها رواتب وأعانات لطلابها تكثر وتقل بحسب اجتهاد التلميذ ونبوغه على أقرانه، لتكون تلك الرواتب مكافاة للغني منهم ومساعدة على أمر المعيشة للفقير منهم، ليكون خالي البال أزاء ما يحتاج اليه من أمر المعاش فيتفرغ قلبا وقالبا لتعلم العلوم الشرعية والعصرية النافعة، ومن جملة عناية المدرسة بطلابها أن رأيناها قد شرعت فى بناء مسكن على الطراز الحديث بلصق باب بصري بالمدينة المنورة ليكون مأوى للتلاميذ الذين لا يجدون مسكنا وعما قريب ان شاء الله تعالى تتم هذه البناية ولقد رأت المدرسة فى هذه الايام أن تزيد رواتب تلاميذ القسم العالي فيها زيادة لتنشيطهم فخصصت لتلاميذ الصف الاول منه ( ٧ ) ريالات عربية ولتلاميذ الصف الثاني منه ( ٨ ) ريالات ولتلاميذ الصف الثالث ( ٩ ) ريالات ولتلاميذ الصف الرابع ( ١٠ ) ريالات. هذا إذا كان دخول التلاميذ لهذا القسم العالي بالتدرج من صفوف المدرسة التحضيرية والابتدائية، وأذا كان التلميذ المنتظم في القسم العالي آتياً من الخارج، أي من إحدى المدارس الاخر، وكان ذا معلومات تؤهله للالتحاق بهذا القسم فيعطى ( ٥ ) ريالات شهريا في أى صف كان من القسم العالي وكذلك لاحظت الادارة ضرورة وجود صنائع يتعيش منها التلاميذ اذا تخرجوا منها ويفيدون وطنهم بها ولا يبقون عالة على البلاد فانشأت فرعاً صناعياً ملحقاً بالمدرسة وللتلميذ حق الدخول فيه في غير أوقات الدروس فيتعلم فيه ما شاء من نجارة وزخرفة وحدادة، وخراطة، وقد خصصت الادارة للملتحقين بهذا
الفرع الصناعي مكافآت شهرية علاوة على المكافآت الشهرية التى يتقاضونها تلقاء تعلمهم العلوم.
ومما يجدر بالذكر أن ننوه بان هذا التقدم الذى تتقدمه البلاد والامة هو بفضل الله سبحانه وتعالى اولا ثم بهمة جلالة الملك المفدى ( عبد العزيز آل سعود ) أيده الله وأدام حكومته السنية ما دام الجديدان المدينة المنورة
