الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

خواطر, في " التربية ونزعات الشباب "

Share

كثيرا ما يكون للالفاظ ، حالما تقرع آذاننا ، أثر صوتى تتولد عنه مجموعة من الخواطر او سلسلة من المعاني تتبادر الى الذهن ، وانما ذلك بمفعول العادة والتواتر فى الاستعمال

ولعلم اللغات ( Linguistique)باع طويل فى التعريف بهذا الباب فلفظة الشباب " او " الشبان " يثير سمعها ما يدل على اللهو والنزوع الى العاطفة وتياراتها قبل الاخلاد الى التفكير الرصين والتروى العميق فيما يصدر عن النفس من اعمال وتصرفات .

وكما ان لفظة " مطر " تذكرك بالسحب المتلبدة فى السماء او الماء يجرى على الارض يسقيها ، ولفظة " صيف " بحرارة المناخ والسباحة فى البحر ، فلفظة الشباب " قد تدل عندك من اول وهلة على مفهوم الحركة والطيش او القلب يسيطر فى دفعاته على العقل . وهذا ابن المقفع في باب عرض " كليلة ودمنة" يتحدث عن اغراض الكتاب فيقرل : " وينبغى للناظر في هذا الكتاب ان يعلم انه ينقسم الى اربعة اغراض : احدها ما قصد فيه الى وضعه على السنة البهائم غير الناطقة ، من مسارعة اهل الهزل من الشبان الى قراءته ، فتستمال به قلوبهم لان هذا هو الغرض بالنوادر من حيل الحيوانات . . "

على ان الشبان اصناف ونزعاتهم متباينة ولا ينبغي ان نجمع بين هذه اللفظة وكلمة الهزل والحديث عن القلب دون العقل كما جاء القول فى هذا الشان على لسان ابن المقفع .

ذلك ان من الشبان : الطائشر الغرير ومنهم الرصين الثابت ، والنشيط المتحرك والخامل الساكن ، والضحاك الطروب والعابس النفور ، والذكي الحصيف والغبي المتبلد ، والمثقف والجاهل ومنهم من نراه ينزع الى الخير والعمل الصالح ومنهم

من يميل الى الفساد والافساد والشر ، اوالى اللهودون الجد

وهذا الى السكينة والوقار مخلد وآخر عنه عادل .

وانما القصد من هذه النزعات اغلبها على النفس واشدها سيطرة دون سواها

ولو حاولنا التفهم بالنظر فى منشأ هذه الميول عند الشبان ونموها واتجاهاتها لأحصينا من المؤاثرات الداخلية او الباطنة من جهة والخارجية من جهة اخرى عوامل مختلفة في تكييفها : منها ما هو راجع الى الوراثة أو البيئة العائلية او الاجتماعية التي فيها يدرج المرء طفلا ويترعرع فيصبح شابا يافعا . ولعلم النفس ودراسة الامزجة البشرية وعلم الحياة والطب ضلع كبير في استجلاء الاسرار واستبطان الغوامض واستطلاع الدقائق العليقة بهذا الباب .

ولئن كان الشاب يتأثر في حياته بما يجرى في عروقه من دم ابويه فهو من ناحية اخرى يتلقى من محيطه العائلي الضيق او بيئته الاجتماعية الواسعة ما من شأنه ان يترك في نفسه بالغ الاثرويولد له فيها حاجات لامناص له منها ولا سبيل الى الحياد عنها

ومن هنا يكون التفاعل بين الشاب والمجتمع الذى ينشأ فيه ويكبر . وبقدر ما يكون الفرد سليما فى جسده وعقله بقدر ما يصلح المجتمع بصلاحه وينمو بنموه فالرياضة البدنية والرياضة الفكرية من الحاجات الناشئة فى المجتمعات وهى مكملة لحاجات الانسان الفطرية الطبيعية كالغذاء والنوم . وكذلك الفضول وحب الاطلاع والتجول وحب الانخراط في النوادى و الجمعيات من الحاجات المتولدة عن الحضارة الانسانية خلافا لما كانت عليه اساليب العيش البدائي . ومن هنا نستخلص ما يمكن تحقيقه في ميدان التربية والتوجيه والتنمية لنزعات الشباب باحدث الوسائل التربوية والنفسانية

والشباب عبارة عن مادة غضة خام تتكيف مع السنين وتسير في المسلك الذى يتهيأ لها بالتوعية والتعليم والتربية .

وفى يومنا هذا تعلق البلاد الناهضة اهمية كبيرة على وجوب الاعتناء بالشبان والسهر على تربيتهم تربية صحيحة سليمة على قاعدة اخلاقية متينة ناجعة ، باعتبار المؤثرات الخارجية المتمثلة خاصة فى عوامل البيئة الاجتماعية وما تتيحه من وسائل التلهى والتعلم والتثقف وبث الوعى فى النفوس بالنسبة الى الشبان .

ولأنت قادر ان تعرف ابنك الشاب وتكيف شخصيته وتجعل منه ما تريد بشرط الاعتماد على ما يساير طبعه ولا يثير نفسه بل يستهويها بما يرجع عليها بالفائدة والرفاه والترفيه واحسن سبيل الى ذلك ما كان فيه الجد بجانب الهزل والعمل بجانب اللهو حتى يحصل التوازن الذى هو عنوان الكمال والشعور بالسعادة .

اشترك في نشرتنا البريدية