الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

خواطر في الشعر والخيال،

Share

لم ازل منذ زمن بعيد افكر فى ماهية الشعر على وجه العموم وفي مميزاته ومشاكله عند العرب بوجه خاص ولم يزدنى الاطلاع على محاضرة ابى القاسم الشابى عن " الخيال الشعرى " الا شغفا بالموضوع وميلا اليه . واني لاجدني اثناء مطالعاتى الآن مترددا امام النتائج المتناقضة والآراء المتضاربة حسب الظروف والكتاب ارفع من منزلة الشعر العربى احيانا واضع منها احيانا اخرى واثبت وجود خيال عميق عند العرب تارة وانفيه اخرى . ولقد صادفت فى هذه الايام الأخيرة شاعرا عربيا صديقا فى بلد عربى شقيق يشكو ضعف الخيال فى ما بين ايدى العرب من انواع التعبير ووسائلا ويحاول فى الوقت نفسه ان يرجع الى الشعر العربى القديم ما نسي عنه او اغتصب منه سعة ميدان وتفننا فى التعبير وفاتحة لكل فن . ويتفق ان كان هذا الرجل فى آن واحد من ذوى المسؤوليات السياسية بالخرطوم ومن اهل الادب المولعين بالفن وهو الاستاذ محمد عثمان يس . فشجعتني هذه المصادفة  على العودة الى ما قد ذهبت اليه عند تقديمى لديوان " النغم الحائر " للهادى نعمان فوددت ان ابسط بين يدى القارىء بعض الخواطر حول مفهوم الشعر اولا وحول الخيال ثانيا ثم ان اقدم له بعض ما صنعه الاستاذ محمد عثمان يس مما يتصل بتوسيع ميدان الشعر العربى وبفتح افاقه . ولقد خطرت لى هذه الخواطر على سبيل الحدس والشعور الغامض فجاءت فى آن واحد مبعثرة فى غير ترتيب وكذلك فى قالب القواعد والاحكام لانى واثق من صحتها وان لم اجد لها برهانا دائما .

عندما يحاول النقاد تحديد معنى الشعر يلتجئون كثيرا الى التشابيه المحسوسة المقتبسة من عالم الجن وعمليات السحر وما اشبه ذلك . يلتجئ " اندرى جيد " مثلا فى مقدمته لما اختار من الشعر الفرنسى الى صورة من " الف ليلة وليلة " ابدعها الخيال الشرقي العربي وهى صورة ذلك الجان الذى كره أن يحبسه اناء فتكف في اشكال شتى واستحال نارا ودخانا واصواتا وانقلب سمكة ثم طائرا ثم اختبأ في حبة رمان يسرع اليها ديك فيلتقطها . ويلتجئ " تيارى مونيى " ايضا فى مقدمته لما اختاره من الشعر الفرنسى الى

قريب من تلك الصورة فيقول : " ليس العمل الذى يمتاز به الشاعر هو ان يحيى فى نفسه خيالات واظيافا ليحبسها بعد ذلك فى كلمات بل انما عمله ان يفجر الخيالات والاطياف التى تحبسها الكلمات " . فلئن كانت كل صناعة انما هى قلب وخلق واخراج فالشعر هو اقصى ما تصل اليه الصناعات البشرية من مظاهر القلب والخلق والاخراج . يصنع العامل بيديه من المادة الخام شيئا مضبوطا محدودا تظهر فيه المهارة والبراعة ويصنع الشاعر من مادة خام اخرى شيئا آخر محصورا محدودا ولكنه يطير شعاعا ويتسرب امواجا ويتكيف خيالات واشباحا واطيافا . ولقد رأى ابن الرومى ذلك اذ وصف احد عماله بالسحر والشعوذة والخلق

يلقى العجين لجينا من انامله      فيستحيل شبابيكا من الذهب

مثل الشاعر مثل الساحر الذى يريد ان يخرق حدود المعتاد ومثله مثل كيماوى القرون الوسطى الذى يريد ان يجعل من الحديد ذهبا . فعملية الخلق الشعرى انما هى عملية خرق وسحر وتوسيع يريد بها الشاعر ان يفتح ثلمة فى عالم الشهادة تطل على عالم الغيب وذلك باببسط الأدوات واعمها واكثرها انتشارا بين الناس وتداولا وهى اللغة

وهنا يظهر التناقض : كيف يستطيع الانسان باكثر الاشياء استعمالا وابتذالا ومشاركة ان يحدث اكثر الاشياء اختصاصا واختلافا وعمقا . فباللغة العربية المشتركة وبالالفاظ العربية المستعملة يوميا يحدث الشاعر شيئا خاصا شخصيا يختلف به عن غيره

ولهذا للغوص على اعماق الشعر والوقوف على خباياه يجب معرفة الحد الادنى من العاميات ومن الاطار المشترك . وكانتى بهذا العلم ينقصنا نحن وارثى اشعار العرب فى القرن العشرين فيخيل لى انه يعوزنا معرفة السر الذى يكشف لنا عن كنوز الشعر العربى فكاننا فقدنا مفتاحا من ذهب يفتح لنا اغلق من جنات شعرنا او طلسيما بلاغيا يحيى لنا مامات من مشاعر وخيالات

فاوكد الواجبات ان نتساءل عن ماهية الشعر العربى وان نتعمق فى تحديده وفهم عناصره ومكوناته لا أن نتمادى بلا انقطاع فى محاكاته والنسج على منواله . ان بين هذا العمل وذاك الفرق بين الاجتهاد فى العمل لابقاء النسل وتخليد الجنس وبين الاجتهاد فى العمل للتوسيع من آفاق الفتح البشرى والتمديد فى منطقة نفوذ الانسان - الفرق بين النحل المنتظم لدوام الخلية والمجتمع وبين البشر المتأهب لاكتشافات جديدة وفتوحات اخر

كنت قد كتبت ( 1 ) وما زلت اعيد ان الشعر اوسع ميدانا عند العرب منه عند الامم الاخرى فهو بداية كل فن ونهاية كل فن وخلاصة كل فن ومجمع الفنون : فيه الرقص وفيه الغناء ، فيه الرسم وفيه التمثيل ، فيه النحت وفيه النقش . فالشعر بضاعة العرب فهو حداؤها واراجيزها وهو بيوتها ومصاريعها وهو اثاثها وقصورها وهو طرازها ونسيجها وهو دواؤها وتمائمها

لقد يسخر بعضنا اليوم من " قفانبك " وقد يتهكم . ولا يفهم اعجاب المعجبين اذ وقف امرؤ القيس واستوقف واذ بكى واستبكى وانى ما اظن ان " قفانبك " اشتهرت فى غير استحقاق بل ارى فى شهرتها فضائل وخصالا تتصل امتن الاتصال بماهية الشعر العربى وروحه . ولعل أغلب هذه الفضائل امحت عنا ولعل اغلب هذه الخصال غاب سرها عنا ولكن خصلة واحدة تظهر فى هاتين الكلمتين واضحة بينة متبرجة للناقد وهى ان اصل الشعر العربى جعل للانشاد وللاستماع الجماعى لا للقراءة الفردية وهى ان الشاعر العربى عندما ينشد انما يقف موقف الخطيب من الناس او القائد من جوقة العازفين أو الممثل على المسرح . والانشاد تحيط به الظروف ويضبطه الاطار كالاخراج المسرحى فنرى الشاعر فى قومه أو قائما فى سوق عكاظ أوا فى المربد او بين يدى الخليفة واهل الحل والعقد حواليه فيصبح الشاعر ممثلا وتنقاد الحركة للقصيد فتعينه وتفسره كما يعينه السكوت ويدعمه الوقف احيانا فينشأ بين الشاعر والحاضرين اتصال قد يكون تجاوبا وقد يكون تصادما . ان فى كل شاعر عربى ممثلا كامنا كما ان فى كل رجل عربى شاعرا كامنا ان لم ينشد شعره تمثل بشعر غيره . ان كلمتى " قفا نبك " توحيان مشهدا تمثيليا . نرى امرأ القيس قد ظهر فجأة على المسرح يتبعه صاحباه ويقف على الاطلال ثم يقول مبتدئا رواية : " قفا نبك " مثلما تتقدم " فيدر " على المسرح تصحبها وصيفتها فتقف ثم تقول مبتدئة مأساة حياتها : فلنقف هنا ولا نواصل السير . . يتصل الشعر بالمسرح فى كلا المنظرين ويتحد

والشعر العربي مستمد من الامة موجه لها منبعه منها وغايته اليها فهو للعامة والخاصة وهو للملوك والسوقة يقتبس معانيه واغراضة من الامة العربية ) اجمل القصائد الفرنسية مثلا ملهمة من التاريخ القديم والاساطير اليونانية لا من حياة جان دارك ونابليون ( وينتشر ويصبح سيارا فيتغنى به الكبير والصغير والنساء والرجال . ويحفظ البيت وينسى قائله حتى ان النقاد العرب - وقد نعيبهم

بذلك - يكتفون فى درسهم وحكمهم باحسن بيت فى المدح او احسن ست فى الغزل الى غير ذلك . فالبيت الواحد يكفى لاحياء جو خاص ولفتح افاق لا تفتح الا به .

الشعر العربى متصل بمستمعيه حتى ان العرب ليظهرون من مظاهر الطرب والانفعال ما يدهشنا فالعربى اذا استمع الى الشعر او الغناء طرب فبكى او قهقه او صرخ وانتحب او مزق ثيابه او رمى بنفسه فى الماء او اغمى عليه او تصدى للقر والحر يلتذ بموجات الاصوات ( وهذا يذكرنا انفعالات اوائل الرومانطيقيين فى اروبا مثلا عند قراءة قصة " روسو " هيلويز الجديدة فلقد اغرق القراء فى البكاء والنحيب والعويل كما اسرفوا في التنعم بالقراءة والتلدذ بوصف عواطف الحب ( انه يوجد بين العرب المستمعين الى شاعرهم تضامن المتحزبين المصغين إلى زعيمهم والصالحين المتقين المنصتين لامامهم وكم ان المتحزبين السياسيين يطلبون من زعيمهم كهربة وحماسا وكما ان الصالحين يرغبون من امامهم وعظا وارشادا فان المستمعين العرب يطلبون من منشدهم ذلك الطرب وذلك الانفعال

فالشاعر المطبوع محبوب عند الشعب مشهور مقصود يؤيده الشعب ويشجعه ( شهرة بشار رغم الخليفة ) فهو منسجم مع الامة متحد معها يرثي امواتها ويمدح وجوهها ويذود عن حماها وهو فى الوقت نفسه منفصل عن مقومات حياتها مناهض لقواعد اخلاقها وآدابها فكل ما لا يباح للمرء ان يعبر عنه تجده قد لاذ بالشعر فحاز المرتبة الاولى والدرجة العليا . فما كان للصلاة و للزكاة مثلا أن تلهما الشعراء فيبدعوا بل كانت المرأة والخمرة من أهم مكونات الشعر العربى وانت تعلم ما كان عليه المجتمع العربى من الصلابة في شان المرأة وانت تعلم ما جاء به الدين الاسلامي من تحريم للخمر وحد لشاربها فكانى بالشاعر يتحرر من جميع القيود فيباح له ما لا يباح للعامة ويعبر بصوت عال عما لا يستطيع ان يعبر عنه عامة الناس الا فى السر والخفاء .

لكل صانع ثم لكل فنان مادة خام منها يبدع ما يبدع بانامله . ومادة الشعر الكلام . فهل الكلام قشور فقط وغلاف واعراض تغطى مادة اخرى هى المادة الذهنية والفكرية أم الكلام هو الجوهر وهو المادة اللغوية الخالصة ؛ هذه مسالة عويصة .

واذ كانت اللغة العربية مرتكزة على اصول ثلاثية وجب المقابلة بين كلمة  شعر ( وكلمة ) سحر ( لما بين احرفهما من تشابه ووجب ايضا قلب كلمة

) شعر ( الى ) رعش ( حسبما تقرؤها من اليسار الى اليمين او من اليمين الى اليسار . ذلك ان لكل كلمة أشعة تحدث نوعا من الرعشة تسمى بقشعريرة الشعر وقشعريرة الطرب الفنى التى يشعر بها حتى الرجل الغلظ الجافي عندما يسمع فى بلاد أجنبية نشيد وطنه البعيد يعزف على رؤوس الملأ . لكل شئ ولكل كائن موجات واشعة تصدر عنه وللكلم ما لغيره . انما اللغة العربية لغة سامية اعنى انها احدى اللغات التى اختارها الله للاتصال بمخلوقاته وليشهد بها كل نبى على قومه . وهى لغة القرآن بما فيها من بيان واعجاز ثم ان الثقافة العربية ثقافة رواية اعنى شهادة شاهد عيان يدرك الشيخ الهرم فياخذ عنه سماعا وباتصال حى لا على طريق الحرف الميت . فلعل الالفاظ التى وصلت الينا نحن وارثى الشعر العربى فى القرن العشرين تضئ باشعة اقصى من بنفسجيتنا او ادنى من حمرتنا فتفوتنا وهى بين ايدينا كالماء الجارى بين اناملنا او كصوت الوجة الوضاء من وزراء النافذة لا يدرك . ولعل امهات الشعر العربى وصلتنا كالثلاجات الى جى منتجع يجهل الكهرباء فقد تصلح خزائن وتنفع ولكن نفعها ادنى مما جعلت له . لكل كلمة هالة شعرية خفية عسير علينا أن نظفر بها من خلال تشريحات فقهاء اللغة وحفاظ الغريب . ولن نفهم اللغة حق فهمها الا اذا كانت اللغة شائعة بيننا متغلغلة فينا محترمة لدينا فلعل حظا وافرا من سر المادة الخام قد غاب عنا .

وللغة العربية موسيقى خاصة لوفرة حروفها الصحيحة وقلة حروف العلة فيها . وانك لتجد فى تكرار الياء الممدودة مثلا حنانا خاصا وجوا غريبا . ثم ان مشتقاتها معروفة مقررة مقدرة قد يسبق السامع اليها قبل الانشاد وكذلك بدء القصائد معروف متوقع فيه الواو المتبوعة بمجرور وفيه المثنى الغنائى ) عللانى فان بيض الامانى . . ( . تلك امور مشتركة بين الناس تحدث بين الشاعر ومستمعيه انسجاما واتحادا

من تلك الالفاظ المتداولة ومن تلك الاصوات المعروفة ومن المادة الخام المشتركة يصوغ الشاعر شيئا جديدا وينظم اشكالا جديدة غايتها الاذن والسماع لا القراءة ) القوافي العربية مبنية على السماع لا على رسم الكتابة بخلاف م يوجد في الفرنسية مثلا ( وتنشأ انغام مرتبة واصوات منظومة تنوم المستمع لها او قل تجعل المستمع في حالة اصغاء كامل وقابلية للتاثير كاملة كالمسلم يدخل المسجد على وضوء منصرفا عن عالم اللهو مقبلا على عالم الطهارة او كالحية تخضع لموسيقى الحواء فيدخل المستمع فى حالة نوم مغنطيسى ويذعن للمنشد ويثبته فالشاعر اخوه ومثيله وابن جلدته فلئن اتى ببدعة فهو قابلها

وانك لتجدن فى قالب القصيدة الطويلة على بحر واحد وروى واحد رتابة ووحدة نفس من شانهما ان تريخا النفس وتجعلاها فى انتظار امر ذى بلل فكانهما تحدثان سكوتا شائعا فى الجمع كالسكوت الذي يسبق التصريح الخطير كحالة السكوت التى يشفق الانسان فيها مما يليها ويرغب فيه

فاطار القصيدة معروف والبحور معدودة والقوافى محدودة واغراض الشعر مقررة مقيدة ومع ذلك - او قل لاجل ذلك - يستطيع الشاعر ان ينسج على منوال من سبق وان يخلق شيئا جديدا فيتصل بالاغلبية ويتحد معها ثم ينفرد بشخصيته فيفتح لك وله آفاقا جديدة قد تخالف حتى ما قصد والنحو الذي اراد اولا .

بين معاني الشعر العربى معنى يسير أن نسخر منه وهو الوقوف على الاطلال ولعل فى هذا المعنى هدى بعيدا فيه غوص على الماضى المنصرم واتصال بحياة اولى من قبيل تناسخ الارواح وحنين الى الوطن ومعنى الترحال والهجرة ، ترحال اقتصادى

ذرينى اكثر حاسديك برحلة   الى بلد فيه الخصيب امير

وترحال دينى ( من هاجر الى النبى العربى - لاهدى قومى اما اطرد من بينهم واما اصلب ) .

ولا يستحق معنى من المعانى درجة الغرض المستقل فى الشعر العربى الا بعد ان يظهر حيويته ويبرهن عن مكانته ان صح هذا التعبير فهو يقضي زمنا فى " التربص " قبل الدخول فى جمهرة اغراض الشعر وفنونه ( استقلال الغزل واستقلال الخمرية الخ . . )

انى اعتقد انه لا يمكن اليوم تجديد فى الادب والشعر من دون غوص عميق وبحث طويل عن مكونات الادب العربى وعبقرية الشعراء العرب . فالعسير هو ان يتفهم كل جيل صاعد بكل صبر وحسن استعداد " الرساله " التى تركها له من سبقه او " وصية " اسلافه او " ميثاق " القدماء . واعسر من ذلك ان يحاول - بعد ادراك الوصية - ان يجدد بالاجتهاد لا بالاندفاع وبالصناعه لا بالمسخ وبالتفنن والابداع لا بتكسير القيود وتحطيم القوالب فحسب . ثم الامر الاعسر هو ان تحاول الاجيال العربية ان تكون حلقات متلاحمه متلاصقة توضح كل حلقة ما قبلها وتبشر لما بعدها والواقع ان حلقات عديدة منها انصرمت ) 6 او 7 قرون ( وان اضواء اخرى اجنبية بدلت بعض

الوانها . فوجب مضاعفة الاجتهاد لكى يضبط كل جيل مفهوم تراثه ويطهره ثم يجدد منه ويتقدم به . ولا يكون هذا العمل بالاستعداد والمواهب والطبع فحسب بل يكون بالصناعة والثبات والتفنن . انك تجد الطبع وتجد الفن وانك تجد القريحة وتجد الصناعة وقد يخفق الشاعر المطبوع ما لم يجتهد فى طلب الايقاع والانغام والاعداد والالوان والخيالات

يشكو بعض العرب ومنهم الشابى قلة الخيال وفقره عندهم وينفيه اكثر من مؤرخ اجنبى نفيا قطعيا ويفخر أكثر من ناقد عربى بغزارته وعمقه . فلعل فتورنا خلال القرون الثمانية او التسعة الاخيرة - فى وقت تقدم اروبا واتساع ميادين فنونها - هو الذي ينسينا خيال بشار وابى نواس وابن الرومى وابى العلاء المعرى ثم كيلة ودمنة ورسالة الغفران والف ليلة وليلة وحي بن يقظان .

كان الجاحظ يستطيع من رسالة التربيع والتدوير مثلا ان يبدع خيالا وان يجعل منها مثل ما جعل ابو العلاء من رسالة الغفران او فلوبير من صلامبو او من La tentation de s Antoine فالكاتب يحدث بخياله صورا ولوحات منظمة  تحاكى الامور الطبيعية وترتكز على المعطيات التاريخية او العلمية او الفلسفية وتكون قصة عجيبة من حيث الفن والصناعة . ما الذى منع الجاحظ وامثال الجاحظ من تاليف القصة الخيالية ؟ تكوينهم العلمى المنتشر فى المجتمع الاسلامى دفاعا عن اللغة والدين بالتصحيح والتعديل والتجريح ؟ .

هل غادر الشعراء من متردم ؟ نعم . ان فى كل شئ ان فى كل محسوس قسما من الغيب يبقى مستورا كامنا حتى تكشفه عبقرية مريدة أو يقدحه قادح . يقول " موباسان " فى بعض مقالاته : " لقد اعتدنا ان لا ننظر الى الاشياء الا وفى انفسنا ذكرى ما قيل قبلنا فيما ننظر اليه . والحق ان فى حقر الاشياء لنصيبا وافرا من المجهول "

يمر الرجل فى كل يوم أمام دار أو حانوت ولا يرى الا العادى ثم يكتشف فجأة ) وخصوصا اذا صحبة اجنبى ( شيئا موجودا من قبل لكنه لم يره مر قبل لان العادة قد جعلته ينظر اليه ولا يراه . فالعادة تجعل الانسان يرى كل شئ عاديا بينما ينبغي ان نقف فى الشئ العادى على الامر الخارق للعادة ولعل الرجل العربى الذى هو اجتماعى قبل كل شىء يستحى او يشفق من الخروج عن المجتمع اذا هو رأى فى الشىء العادى امرا خارقا للعادة فيكره ان يضحك عليه قومه او ان يعتبروه ساحرا او مجنونا . فهو يحافظ على سمعته

ويهتم بما يفكر الناس فيه ويجتهد للبقاء عند الحد الوسط وعلى الطريق العادى . اما صاحب الخيال فهو يخاطر بنفسه حتى الخروج عن العادة حتى الجنون ) ان من بين شعراء فرنسا وكتابها لعددا من المجانين تقدموا بالخيال الشعرى تقدما بعيدا مثل نرفال )

طمانينة العربى تجعله يقبل ولا يبدع وان حياءه ووقاره يجعلانه لا يشارك فى العاب الهزل الاجتماعية . من منا يخرج فى رمضان مثلا متظاهرا فى الشوارع بمظهر الهزل مشاركا جماعة اللاعبين الهازلين مثلما يصنع الاروبيون فى كارنفال ؟ انك لتشم من كلمة التنكر فى الزى للرقص والهزل رائحة الانكار كان المجتمع ينكر عليك ذلك

قلة التمثيل فى المسرح وقلة الالعاب الكارنفالية فى الشوارع ثم قلة الصور واللعب والخيالات فى غرف الصبيان عندنا كل هذا يجعل عالم الاطفال حاليا من الخيال او يكاد . لا اظن السينما وحدة بشجع على توفير الخيال لاننا تقبل ولا نخلق . يجب المشاهدة ويجب المشاركة ايضا . انما الجلوس على الكرسى والانتظار حالة قبول سلبى وتوكل على الغن لا تدرب على الانشاء والتاليف . ان فى تربيتنا وبيئتنا لحواجز وعوائق تجعلنا اذا اردنا المشاركة تكلفناها .

يشكو الاستاذ محمد عثمان يس قلة الانتاج الفنى عند العرب وفقر أنواع التعبير عندهم فيقول : " ما زالت فنون التعبير عن خلجات النفس قاصرة فى محيطنا العربى " ويلاحظ كما لاحظ الشابى وغيره التخلف والتقصير غير انه يؤمن باتساع نطاق الشعر العربى فيقول : " لانني اجد فى ذلك الشعر من الاخيلة والصور الدقيقة والالوان ما يمكن ابرازه فى المسرج العربى على شكل " بالية " . فهو يشعر بان القصيد العربى يحمل في طياته بذور الموسيقى ومناظر الرقص وما شئت من اصناف الفنون الاخرى فيعمد الاستاذ يس الى قصيدة بشارة الخورى فى رثاء أحمد شوقي التى طالعها :

قف فى ربى الخلد واهتف باسم شاعره  فسدرة المنتهى ادنى منابره

وينشدها فاذا هى تتجسم امامه مناظر رقص وتفرض نفسها عليه هكذا فى صورتها التمثيلية وان كان هو - كما يقول - من اصحاب الادب والشعر لا من ذوى الخبرة بالعمل المسرحى ولا برقصات " البالية " . هو شاعر

يطرب للشعر ويتاثر به فاول ما توحيه اليه قصيدة الاخطل الصغير هى لوحات ملونة وانغام مرتلة وخطوات راقصة كان الالفاظ انفجرت شعاعا وطارت خيالات واطيافا .

وقسم الاستاذ يس مختاراته الى خمسة مناظر : يتصور اللوحة الاولى فى جنة الخلد عند سدرة المنتهى فيظهر فيها الشاعر ومن حوله الكواعب الاتراب يرقص ثم يقصصن شعورهن ويجعلن منها ستائر لمقاصيره . ويتخيل اللوحة الثانية فى الدنيا عند هجرة " الحسن " و " الاحسان " من جنة لبنان الى وادى النيل والحسن " فتاة فارعة القوام دعجاء العينين شهباء الشعر " والاحسان " شاب سمهرى طويل القامة عريض المنكبين ملء بالحياة والفتوة " ويرقصان طويلا على ضفة الجدول ويتحاوران بالرقص فى معنى الفراق والوصل ويعبران بالرقص عن معنى الترحال واتعابه وعن الوصول الى وادى النيل الخصب . ثم يتصور اللوحة الثالثة فى مناظر الطبيعة والوحوش وقد آذنت باقتراب الكارثة واحست بان الشاعر سيموت . ويصور المنظر الرابع احمد شوقى طريحا على فراش الموت ومن حوله " الحسن " و " الاحسان " يرقصان رقص المعالجة ويلتحق بهما الطبيب من حين الى آخر ثم " الاحزان " فى شكل فتيات لابسات السواد فيرقصن رقصة الموت . ويرجع بنا فى المنظر الخامس الى جنة الخلد " فيرى الخلد فى بهائه وجماله ويرى الحور واتراب مريم ورهط جبريل ويرى ابولو وكوبيدون يغنون وتظهر فى نهاية المسرح ثريات من النور تنير الواحدة تلو الاخرى حتى تكون شكل اهرام من النور يجلس الشاعر على قمته وعلى يمينه آلهة الشعر وعلى شماله آلهة النثر ويعود جميع الممثلين فتنزل آلهة النثر من اعلى الهرم فتناجى الشاعر راقصة :

سل جنة الخلد كم ودت ازاهرها لو استحالت عبيرا فى مجاهره

ان محاولة الاستاذ يس محاولة طريفة لطيفة فيها خيال واسع شخصى وابراز لخيال واسع آخر هو خيال بشارة الخورى . وهى مساهمة فى الغوص على جوهر الشعر العربى وفى كشف كنوزه وخباياه وايقاد ما خمد من نيرانه . لئن كانت وسائل التعبير مشتركة بين الامم متجسمة فى الفنون الجميلة التى تفتخر بها الانسانية جمعاء فلقد يصيب كل فن منها امة بعينها يستانس بها ويترعرع فى جوارها كالنبات فى التربة التى توافقه . ولئن اشتهرت اليونان بهندسة هياكلها وجمال نحوتها والمانيا بعمق موسيقاها

وايطاليا بكثرة رسومها وبدعه تمثيلياتها وتنوعها والروسيا برقصات " باليهاتها " الفذة وهذه البلاد او تلك بهذا الفن او ذلك فلا ينبغي للعرب ان ينسوا ان لشعرهم تاثيرا لا باس به فى نشأة الشعر فى اروبا وان لخيالهم تاثيرا لا باس به فى تلقيح الخيال الاروبى وانه حرام عليهم ان ينقطعوا عن شعرهم ظنا منهم انه خمد وفتر او ظنا منهم ان ميدانه محدود وانه لا يعينهم على تعاطى الفنون الاخرى او ظنا منهم ايضا انهم يجددون قديمه ويحبون ميتة ولا تجديد الا اذا فهم المجدد اسرار الشعر العربي العميقة الغنية .

اشترك في نشرتنا البريدية