تقليد . . مخيف التقليد كظاهرة اجتماعية ذات نفوذ فى المجتمعات . . لها من المنافع بقدر ما لها من المساوئ . . فاذا كان تقليد مجتمع لآخر فيما فيه معانى البناء . . فى النواحى الاقتصادية والثقافية . . الخ من جوانب الحياة المتعددة - كانت ظاهرة طيبة يكتسب بها المجتمع والفرد المقلد خبرات من سبقه . . ويكون المقلد بلا شك مستفيدا وكاسبا . . ولكن اذا كان التقليد فى ظواهر وعادات ليس فيها معني البناء المادى والمعنوى المتمشى مع الحشمة والوقار الاسلامى كان التقليد ولا شك ضارا وهادما لمعنوية الشخص المقلد .
. . والمدنية المادية اليوم قد طرقت ابواب الحياة بالكثير من الظواهر والعادات . . التى جاءت وليدة الفراغ ونعومة الحياة فى بعض المجتمعات . الا ان بعض هذه العادات والظواهر لا تتناسب ومظهر المجتمع الاسلامى والبيئة العربية التى اعتادت العزة والكرامة وامتازت بمظهر الرجولة والعفة معا . اقول ان بعض هذه العادات والمظاهر المتولدة فى مستنقعات المدنية . . يجب أن نتجنبها لأنها لا تليق بنا . . لأن فيها اذابة للشخصية العربية الاسلامية . .
والتى يسعى لاذابتها الناقمون على الدين الاسلامى ، والحاقدون على المسلمين ليلبسوا عليهم ، ويخدعوا شنبيبتهم بها فى محاولة لتجريدهم من صفاتهم . . وابعادهم عن مثل اجدادهم التى كانت مضرب المثل فى معانى الرجولة . . والشهامة . . والايثار . .
والامثلة كثيرة فى هذا المجال لو تقصيناها أو حاولنا تعداد جزء منها . . كمثل تقليد اطلاق سوالف الشعر . . وتصفيفه عند بعض الشباب . . تقليدا لما يسمون بالخنافس .
ان هذا المظهر المقلد لا يؤسف جدا . . بقدر ما يؤسف منظر لصورة امرأة فى حلة زاهية علقت تحتها الصحيفة التى نشرتها قولها : ( قبعة كذيل الطاووس وثوب فضفاض . . احدى تقليعات باريس الاخيرة ليلة الزفاف ) .
أو منظر لصورة - اسد . . أو كلب . . أو هرة . . الخ مجسمة موضوعة فى مؤخرة السيارة وداخل الزجاج الخلفى لها .
. . إن التقليد بمثل هذه العادات مخيف لا ينفع بقدر ما يضر . . ونحن اليوم بحاجة الى تقليد يكون فيه معنى البناء . . فى كل ما تدعونا اليه الحاجة وما يستوجبه علينا عصرنا الحاضر . . وبقدر ما يتمشى مع كرامتنا وصفاتنا ومثلنا العربية الاسلامية .
ومن التقليد ايضا ما نسمعه فى لهجة هواة الفن ومبدعى كلماته فى مقطوعات اللحن والموسيقى . . فأنت تقرا وتسمع لهجة غير لهجتك المحلية . . مما يجعلك تشك فى اصالة مبدعها ، وابداع كاتبها . . وتؤكد انه مقلد وماسخ لمن نهج نهجه وسلك طريقته وكثيرا ما تسمع فى كلمات
أولئك ، لهجات وألفاظا وتعابير بعيدة عن محيط لهجتك . . وبألحان مختلفة مختلطة قد لا توجد فى بيئتك المحلية . . تسمع كلمات : ازى ، كده ، امر ( يعني قمر ) . . وهلم جرا . . قد تسمعها بلسان ابن البادية وهو ابن البادية وربيب الصحراء معدن اللغة . . مما يجعلك تتأكد ان داء التقليد شئ مخيف .
كان الاحرى بمن يهوى هذا الفن من مؤلفى النشيد الملحن ان يصوغ أسلوبه بقالب اللغة العربية . . وان لم يمكنه هذا فبلهجة بيئته المحلية ايما كانت . . اذ هى تعتبر تراثا حضاريا يعبر كل التعبير عن البيئة التى وجد فيها وعن المجتمع الذى انشد له . . وسامح الله اخواننا محررى صفحات الفن والرياضة التى اخذت قسطها الأكبر سامحهم الله على تقليدهم فى بعض تعابيرهم العامية والفاظهم الفنية المقلدة . . لقد كان حريا بهم ، ان يصوغوا اساليبهم فى نطاق لغتهم الفصحى ما أمكنهم ذلك . . وان أرادوا الفكاهة أو لغة الفن والرياضة - إذا جاز هذا التعبير - فبلهجتهم المحلية التى يتكلم بها مجتمعهم .
الشيب . . والشاعر : نظر شاعر وجهه فى المرآة فرى فى فوده شعرة بيضاء . . فارتاع منها . . وعاجلها بالنتف ليقضى على شبحها المخيف . . ولكنه ما برح ان ثاب الى الحقيقة . . وواقع الحال فى سنة الحياة . . فسجل خاطرة هذا الحوار القصير :
وزائرة للشيب زارت لمفرقى
فعاجلتها بالنتف خوفا من الحتف
فقالت على ضعفى استطلت وانما
رويدك حتى يلحق الجيش من خلفى
والشاعر هنا خائف متشائم من بياض شعره بالعكس من احتفاء ابى الطيب المتنبى بالشيب ، فالمتنبي يخبرنا بانه قديما تمنى بياض شعره فى شبابه . . حيث يراه أوقر وأجل فى العين . . لانه محب لمظهره . . مظهر القوة ومظهر الرجولة والجد . . يعيب الغزل . . ويأنف من العبث . ولهذا فهو لا يذم اليوم المشيب وقد جلل شعره . . بل يراه اصلا فى سواد شعره فلا غرو ان يبدو ويظهر .
يقول :
منى كن لى ان البياض خضاب
فيخفى بتبييض القرون شباب
ليالى عند البيض فوادى فتنة
وفخر وذاك الفخر عندى عاب
فكيف اذم اليوم ما كنت اشتهى
وادعو بما اشكوه حين أجاب ؟
جلا اللون عن لون هدى كل مسلك
كما انجاب عن ضوء النهار ضباب
وأما الشاعر الآخر وأظنه الشافعى رحمه الله . . فيكره الشيب لانه نهاية الشباب . . فعنده ينتهى أشد الرجل وتنحل قواه . . ولكنه يراه أيضا نذير الاجل فيتخذ منه العظة . . يقول :
خبت نار نفسى باشتعال مفارقى
واظلم ليلى مذ اضاء شهابها
فيا بومة قد عششت فوق هامتى
على الرغم منى حين طار غرابها
رأيت خراب العمر منى فزرتنى
ومأواك من كل الديار خرابها
أأنعم عيشا بعدما حل عارضى
طلائع شيب ليس يغنى خضابها
وعزة عمر المرء قبل انقضائه
وقد فنيت نفس تولى شبابها
اذا ابيض شعر المرء واصفر لونه
تنغص من ايامه مستطابها
فدع عنك فضلات الامور فانها
حرام على نفس النهي ارتكابها
ومن يذق الدنيا فانى طعمتها
وسيق الينا عذبها وعذابها
وما هى الا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همهن اجتذابها
فان تجتنبها كنت سلما لأهلها
وان تجتذبها نازعتك كلابها
لا تبربر علينا : كلمة اعتاد العامة عندنا ان يخاطبوا بها شخص الذى يعلو صوته . . فى الدفاع عن حقه عندما يرى انه مظلوم فيه . . فيرد عليه مخاطبه . . بشئ من الغضب . . التحدى . . بقوله ( لا تبربر علينا خلاص ) . . وهو بهذا التعبير يطلب منه بحدة ان يوقف كلامه ودعواه . . فلا مجال لما يقوله من اعتراض . . وكنت اظن هذا التعبير مقتصرا على العامية فقط حتى وجدت اصلا له فى العربية . . فقد وقعت على بيت من قصيدة للمتنبى يمدح فيها بدر بن عمار . . وقد صرع أسدا . . يقول الشاعر فى وصف حالة الاسد وهو دون فريسته :
القى فريسته وبربر دونها
وقربت قربا خاله تطفيلا
وكلمة (( بربر )) فى المنجد ، تعنى كثر الكلام بلا منفعة والصياح فى غضب . . فكان هذا التعبير فصيحا اقتصر اليوم فى استعماله بكثرة على لغة العامة خاصة فى نجد .
( بريدة )
