الاعاصير
ناولنى صديق عزيز عن طريق الاعارة ديوان ( الاعاصير ) للشاعر الكبير . . رشيد سليم الخورى ( القروى) . . وقد قضيت معه وقتا طيبا جعل النفس تحلق فى سماء الشعراء . . الذين هم بحق شعراء العربية . . فى يومها الحاضر . . والشاعر القروى معروف برصانة قوله وجزالة لفظه وذلك فى وطنياته الصادقة التى تتجسم فى شعره القوى . . الذى جعل منها مادة لا عاصيره . . والشاعر لم تلهه معاني المدنية . . ولا مفاتن الحضارة الغربية . . فلم تغره حياة النعومة والترف التي قد تتمثل فى مهجره . . حينما نأى عن وطنه . . وبعد عن مسقط رأسه : " لبنان " وقضى زهرة شبابه فى الوطن الجديد - البرازيل - فلم يحكم بعده ومناه بنسيان وطنه ، بل عاش معه في قلبه واحاسيسه ، وناهيك باحاسيس الشاعر فعلى الرغم من انه هاجر منه بعد ما ضاقت بوجهه سبل العيش هو واخوان له . . وجدوا فى " الدنيا الجديدة " متنفسا . . ومنأى عن انفاس المستعمر الخانقة . فالشاعر عاش مع وطنه وهو تحت وطأة المستعمر البغيض . . فخاطب بني وطنه . . ليوقظ فيهم روح العروبة السامية . . بصيحاته الوطنية التى يرسلها . . من برازيله عبر البحار والقارات . .
وقد خاطب المؤلف فى مقدمة ديوانه . . أمته العربية مذكرا بمجدها التليد . .
ومستنهضا اياها لمحاربة المستعمر البغيض . وقد لمح فى أول مقدمته الى اسباب تسميته . . لهذه المجموعة بالاعاصير وذلك بقوله . . ( هذه الاعاصير . . وهى مختارات من شعري الوطني نحيتها عن سائر اشعارى لتعصوصف فى جو وحدها . . انها خواطر جامحة . . وافكار ثائرة بلوت من صراعها فى صدرى مع اخواتها الوادعات ما اشفققت معه . . أن أجمع بينهن فى كتاب يسمنه من تنابذهن وحواشهن ما سمننى من عذاب ) وقصائد الديوان . . كلها من النوع الوطني وهى تكاد تكون مقصورة على الشام عامة . . ولبنان خاصة . . فمن قوله يخاطب لبنان فى قصيدة " الرجاء الوطني ص ٣٢ " :
غرست بلبنان ورد الامل
فقل للبرازيل ان تمحلا
وجدت عليه بمزن المقل
فقل للأمازون ان تبخلا
وحليت قلبي " بنبع العسل "
فقل لليالي امطرى حنظلا
.......وفى مقدمة قصائد الديوان قصيدة - ( تحية الاندلس ) وهي عذبة فى موسيقاها . . غنية فى معانيها عميقة فى تعاببيرها . . وقد القاها الشاعر فى الحفل الذى اقامته الرابطة الوطنية السورية تكريما للشاعر الاسبانى
" فرانسيسكو فيلا سبسا " حينما حاضر في سان بأولو عدة محاضرات نوه فيها بذكر امجاد العرب فى الفردوس المفقود " الاندلس " مباهيا ومفتخرا بانتسابه اليهم يقول الشاعر القروى مخاطبا الاندلس :
خبرينا كيف نقريك السلاما
طيب النفس كأنفاس الخزامي
والشذا المحيي بسوريا العظاما
غادر الشام وبيروت وهاما
فى بلاد حرة لم تحن هاما
خبرينا كيف نقريك السلاما
فالشاعر يتساءل كيف يقريها السلام من بلاد مثقلة بقيود الاستعمار " سابقا " . . ولكنه يرى أن يؤجل التحية ويرجئ السلام الى أن يتم الاستقلال وحينئذ يهديها السلام طيب النشر كأنفاس الخزامي
بيروت أم النور ولى
عن سماها أثقل الرايات ظلا
واذا السيف من الصحراء سلا
نافضا عن اربع الفيحاء ذلا
واذا لبنان بالامر استقلا
فلبسنا العز أو متنا كراما
عند هذا سوف نهديك السلاما
وأما قصيدة ( سلطان باشا الاطرش والتنك ) فهو يصف فيها زحف السلطان برجاله على السويداء لانقاذ الامير الذى قبضت عليه السلطات الفرنسية . . فى بيت السلطان . . خارقة حرمة الضيافة العربية المشهورة . . فيصف هجومه على التنك - الدبابة - وتعطيلها . . وفى القصيدة بطولة وفخر عمرو بن كلثوم وفى وصفه لهجوم سلطان قوله :
زعقت بمثل فرخ النسر طرف
يجن إذا رأي سهلا وسبعا
يحن الى الوغي تحنان أم
بحضن غريبة تركت رضيعا
فطار لها كانك مستقل
جوانح شاعر ذكر الربوعا
أو هكذا جوانح الشاعر حينما يذكر الربوع . . ويتخيل الحمى اسبق من النفاثة . . وأمضى من الصاروخ . .
وتسير القصيدة بمثل هذه القوة في التعبير . . والوصف الشاعرى . . والفخر العربى . . وفى أثنائها يقرر حقيقة واضحة فى قوله :
إذا حاولت رفع الضم فأضرب
بسيف محمد واهجر يسوعا
والشاعر القروى شاعر مسيحى . . وفى بيته هذا اعتراف واضح بأن الحق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . . وصدق الله العظيم حيث يقول : ( يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) .
والشاعر فى قصيدة ( عيد لبنان ص ٥٢ ) يتغنى فى حب وطنه . . ويرسم امنياته الصادقة . . فى استقلاله كما يؤكد أنه لا يجفوه . . او ينساه . . بل يستطيب العيش فى سبيل رفعته . . كما يفضل الموت فى سبيل حياته . . وبهذين البيتين يختم تلك القصيدة
قالوا اتعشقه وهذى حاله ؟
يا حبذا وطني على حالاته !
العيش حلو في سبيل رقيه
والموت احلى فى سبيل حياته !
وهو طويل النفس فى قصيدة - وعد بلفور ص ٧٢ - ويعبر فيها عن استيائه بذلك الوعد المشؤوم الذى جاء تحقيقه صدمة لامانى العرب . . ونكسة لآمالهم . . وجرحا داميا فى وطنهم العزيز . يقول فى مطلعها مخاطبا بلفور :
الحق منك ومن وعودك اكبر
فأحسب حساب الحق يامتبجر
تعد الوعود وتقتضى انجازها
مهج العباد خسئت يا مستعمر
لو كنت من اهل المكارم لم تكن
من جيب غيرك محسنا يابلفر
ويظل بقصيدته هذه يصور آلامه لجعل فلسطين الشهيدة مهجرا للمغضوب عليهم عن طريق انكلترا ثم يخاطب انكلترا بقوله :
أن تأمني خطر البحار فان
دمع الارامل واليتامى أخطر
تطوى دوارعك الخضم وربما
طويت بدمعة ثاكل تتحدر
لا يخدعن بنيك انا أمة
صبرت فليس بميت من يصبر
تتغير الاجرام في افلاكها
وصفاتنا الغراء لا تتغير
فاذا أناخ بنا الزمان فانما
عرض ازيل ولم يمس الجوهر
نرعى عهودك ما رعيت عهودنا
فاذا خفرت ذمامنا قد نخفر
واذا عقلت فكل رمح سعفة
واذا جهلت فكل غصن خنجر
فلكم تفجر من مواطننا دم
ولكم تدفق من ندانا الكوثر
وقضية فلسطين . . مأساة الارامل واليتامى المشردين الذين يعانون من عنت السقم والفقر ما الله به عليم . . قضية قلما وجد شاعر عربى . . او مفكر عبقرى ماشغلت باله وآلت احاسيسه وأدمت قلبه الشاعرى . . وحركت عواطفه الانسانية . . ونوازعه الوطنية فجاد بالدمع سخيا سخينا عليها . . وقد يخلد ذلك برائعة من نثر او شعر . تبقى ما بقى الزمن
وديوان الاعاصير . . الذى لا يتجاوز ( ١٢٠ ) صفحة من القطع المتوسط - مطبعة العرفان عام ١٣٦٨ - كله من هذا النمط من الشعر الوطني الانسانى . . الذى استوحاه الشاعر . . من احداث وآلام وطنه . يوم كانت الشام مسرحا . . للمستعمر الفرنسى البغيض . .
وهو يهدى ديوانه هذا الى شهداء الوطنية فى قوله :
يا رفاتا تحت الرمال دفينا
مبعدا عاطل الرموس نسيا
لك اهدى هذا الكتاب لأني
لم أجد في البلاد غيرك حيا
واقعية شاعر :
المرء فى هذه الحياة . . يعيش بين شئون وآمال . . وهذه الآمال تتجسم بعظمها . . وتفاهتها حسب طموحه الشخصى . . وحسب مقدراته النفسية . . وعزيمته واقدامه . . وكل هذا يتأثر بدرجة تعليمه . . ومستواه الفكرى . . وكما أن هذه الآمال . . وتلك الشئون مصدر الشعور بالتعب . . فلابد له من اوقات او فترات يستجم بها ، لأن الاستمرار بالعمل والسعى وراء تحقيق المطالب والرغبات النفسية طويل . . وطويل جدا . . يمل النفس ويحملها الى التكاسل والسأم . . وأخيرا قد يحرق بوتقة عزيمته . . وطموحه . . مثله مثل الشمعة اذا استمرت فى الاضاءة احترقت . . وفترات الراحة والاستجمام تتكيف حسب مقدرات الشخص . . النفسية ، والمالية ، والعقلية والبدنية . . وهذه الفترات قد يكون فيها شئ من السعادة . . او مفهوم السعادة المنشودة . . المختلف فى تعريفها . . وقد
يكون من تعريفها شعور النفس بالاطمئنان . . والتكافؤ . . من عدة جوانب مهمة . . منها توافر الامن والاطمئنان ، والمال ، و الصحة وغيرها . .
وشاعرنا صاحب هذه المقطوعة . . يقرر حقيقة واقعية . . تمثلت فى أطيب ساعات الحياة عنده . . حسب تعبيره . . وأمتع أوقات الراحة لديه الا وهى تلك الساعة التى يخلو فيها . . ويتجرد عن اعماله . وشواغله الى ابنائه . . فلذات كبده مشدودا برباط الحنان . . والعطف الابوى . . وصدق الله العظيم : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين " . . والشاعر يحس السعادة فيقررها فى ساعة خلوه مع ابنائه الذين هم فلذات كبده . . وقطعة عقله وجسده . . كما هم أمله وغراسه وخليفته فى دنياه . . ولا شك أن للابناء شعورا خاصا مزدوجا بالرحمة والعطف والحنان . .
ولنشارك ايها القارىء الكريم . . صاحب هذه المقطوعة بشعوره . . وقد رأيت أن انقلها . . فاسمع اليه . . الى الشاعر محمود غنيم فى واقعيته الانسانية المفعمة بالحنان والعطف
تجاه ابنائه . . استمع اليه كيف يروى . . ويعبر عن حقيقة سعادته . . فى اسلوب شعري واقعى . . وهو يخلو الى ابنائه بعد متاعبه من كده وكدحه . . وهم يحفون به حول " المدفأة " التى يغزو بها البرد القارس فى وقته . .
واطيب ساع الحياة لديا
عشية اخلو الى ولديا
متى الج الباب يهتف باسمى
الفطيم ويحبو الرضيع اليا
فأجلس هذا الى جانبي
واجلس ذاك على ركبتيا
وأغزو الشتاء بموقد فحم
وابسط من فوقه راحتيا
هنالك انسى متاعب يومي
حتى لكأني الق شيا
وكل شراب اراه لذيذا
وكل طعام اراه شهيا
وما حاجتي لغذاء وماء
بحسبي طفلاى زادا وريا
وأية نجوى كنجواى طفل
يقول : أبي ! فأقول : بنيا ؟
