الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

خواطر من وعي ما قرأته عن قرية الفاو، بالمملكة العربية السعودية

Share

قرات كتابا عن مدينة عربية تعود الى ما قبل ظهور الاسلام بقرون عديدة وقد صدر هذا الكتاب الضخم الجميل سنة 1982 عن قسم الاثار والمتاحف التابع لجامعة الرياض تحت عنوان (( قرية الفاو )) وهو من تأليف الدكتور عبد الرحمان الطيب الانصارى رئيس القسم . الكتاب من الحجم الكبير الف باللغتين العربية والانقليزية ويتحلى بصور بيانية رائعة بالوانها ودقتها ، بعضها التقط من أعلى الطائرة الامر الذى ساعد على تقديم مشاهد كاملة مطابقة للواقع . أضف الى ذلك خطا جميلا واضحا يشد القارىء واخراجا انيقا على ورق رفيع .

تأثرت من قراءة هذا الكتاب بل قل : انتشيت فكانه جاء ليستجيب لرغبة فى كمينة وتتمثل فى توقى الى معرفة العروبة قبل الاسلام ومعرفة ما قدمه عرب الجزيرة الى الامم الاخرى لما خرجوا ينشرون دين محمد .

ان التاريخ علم من العلوم الانسانية التى تتصف بقدرتها على التطور والتجدد وتتميز بالتهيئة شأن كل ما يتصل بالانسان . فالمؤرخ ان كان حقا من اهل المعرفة والذكر لا يستنكف من رسكلة معلوماته واعادة النظر فيها واثرائها وطرح كل ما قد يشوبه خطأ أو تجاوزا ، ذلك ان الحقيقة أمر يبتغيه العالم الباحث وقد لا يتركه بل تتظافر جهود الاجيال المتعاقبة عبر العصور على الاقتراب من ذلك الهدف البعيد العسير المنال فليس لمؤرخ مهما كانت عبقريته ان يدعى مقدرة على ادراك ماضى امة او مدينة او قرية او مجموعة بشرية او فرد ادراكا شاملا يغطيه بحذافره بل قد يدرك شيئا وتغيب عنه اشياء بل التوفيق ان يستطيع المرء الوقوف على بعض حقيقة ما يبحث عنه ويريد

التعرف اليه وفلاح الانسان ان يسهم بقسطه متواضعا فى مواصلة المسيرة فيثرى ما استقام ويصلح ما لم تثبت صحته مع احترام السلف والايمان بالذات لا تكون احترام السلف بالتوقف عندما خلفه لنا بل لايكون الا بمواصلة المسيرة وتقديم مساهمة تفيد . تلك سنة الحياة : تقدم متواصل على درب الحياة بأبعادها المختلفة والسلف لا يخجل من جديد قد يأتى به الخلف إن كان يستند الى اسس ثابتة ، ولا شك ان ابشع مظاهر التخلف ان يؤمن المرء بغلق باب الاجتهاد ويتوقف عن العلم والمعرفة كافرا بقدراته ومن كفر بذاته ، مصيره التخلف وبئس المصير .

العرب فى كتب التاريخ :

ومما لا بد من اعادة النظر فيه بكل وعى ويقظة رصيدنا من معرفة العرب وحضارتهم قبل الاسلام وبعد الدعوة ، وبناء الامة العربية الاسلامية وصرحا متواجدا فى المشرق والمغرب من المحيط الى الخليج بصهر شعوب عديدة مختلفة وبهضم المتباينة لغة ومعتقدا وفنونا .

مازالت كتب التاريخ العربية تردد لنا صورة عن العرب نستشف منها البداوة والقبلية والجهل والجهالة وكأن العربى لم يعرف فى جزيرته قبل الاسلام الا الصحراء القاحلة والناقة والخباء المعتمد ولم يعرف المدينة والحضارة المتطورة والزخرف والعمارة والقصور والبيوت والرفاه الا فى ترحاله الى الشام او الى تخوم بلاد الفرس . فاذا تحدث احد عن العرب تهيات فى مخيلته صورة بدوى بدائى يجوب الصحراء وله ميزات البدوى من شجاعة وكرم ، على انه يخضع لقانون القبيلة ينصر اخاه ظالما او مظلوما .

اما بعد الدعوة الاسلامية وخروج العرب من جزيرتهم ينشرون الدعوة ويشيدون دار العروبة والاسلام ، تصورهم كتب المؤرخين وهم ينهلون من احواض حضارات الشعوب التى خرجوا لقتالها من روم وفرس كما يكرعون من فلسفة اليونان ومن علوم الهند وكانت نتيجة ذلك حضارة عربية اسلامية تحمل بين اضلعها عناصر دخيلة تبناها العرب اوقل دخلت بها الى دنيا العروبة شعوب اسلمت وباتت تساهم فى بناء دار العروبة والاسلام .

تأثر الحضارة العربية بحضارة الروم وحضارة الفرس : لا يحدثك مؤرخ عن الحضارة العربية الاسلامية دون ان يطنب حديثا مفصلا حول الحضارات التى أثرت على العرب الفاتحين لما تحولوا من مرحلة الدعوة ونشر الاسلام فى اقطار شاسعة تختلف شعوبها عرقا ولغة ومعتقدا .

ومن بين الحضارات التى تتبوأ المرتبة الاولى ترى المؤرخ يصف لك حضارة الروم وحضارة الفرس ، وفى وصفه لعنصر من عناصر الحضارة العربيه الاسلامية تراه يفككه الى مركباته باعتبارها المواد الاولى التى استخدمت لسبكه ويصنفها حسب الاصل ، فهذه بزنطية ، وتلك فارسية واخرى هنديه ، قد يدفع به التحليل والتفكيك الى ما افرزته الحضارة اليونانية الرومانية فى مختلف الميادين التى سيطر عليها الانسان وكيفها بعقله ويده ووجدانه . فاذا تناولت دراسة العمارة العربية الاسلامية بادرك المؤرخ بالتاكيد على ما ساهمت به الشعوب غير العربية الاصل فى تصور تلك العمارة وفى انشائها وزخرفتها حتى كأن القبة أو القوس أو السارية لم تكن تعرف عند العرب لولا اتصالهم بشعوب أتقنت تلك العناصر المعمارية مثل الروم الذين ورثوا الكثير عن اليونان والرومان . فهذا التاج من طراز قرنثية افرزته الحضارة اليونانية ودخل دنيا الرومان وازداد انتشارا فى سلطان الروم ثم تبنته العمارة العربية الاسلامية بالنحت باستخدامه جاهزا بعد اخذه من بعض الاطلال البيزنطية او الرومانية التى تعج بها غالب الاقطار التى اصبحت تابعة لدار العروبة والاسلام . بل ترى بعضهم حريصا كل الحرص على اثبات الاصول البيزنطية الفارسية لذاك العنصر الزخرفى او لتلك الطريقة المعمارية .

وفى خصوص تهيئة المدن كثيرا ما يحاول المؤرخ الرجوع الى المدينة الرومانية او البيزنطية وفى خصوص القصور الاموية اثبت بعضهم انها من وحى القصور السالفة التى شيدها الروم فى سوريا وفلسطين والاردن .

ليس لاحد ان يشك فى تأثير الحضارة الرومانية اليونانية ولا فى تأثير الحضارة البيزنطية والحضارة الفارسية وغيرها على الحضارة العربية الاسلامية بمختلف ابعادها وبمختلف مستوياتها المادية وغير المادية . لا تخلو العمارة العربية الاسلامية من عناصر دخيلة تفاعلت فيها وانصهرت منها عناصر بيزنطية واخرى فارسية . فلا شك ان الشعوب التى اعتنقت الاسلام وانضمت الى العروبة لم تتخل عن ثروتها الحضارة ولم تلق بثقافتها عرض الحائط بل سخرتها اسهاما منها فى انشاء الحضارة العربية الاسلامية ، ولكل شعب من شعوب دار العروبة والاسلام رصيد قدمه الى بنك العروبة ودخل فى صلب الانشاء . فلبلاد الشام نصيبها ولمصر نصيبها وللمغرب العربى الكبير نصيبه وكذلك الشان بالنسبة لاقطار فارس والهند والسند ، ثم ان العرب وكل الذين انضووا تحت لواء العروبة والاسلام لم يتنكروا لما

فى الحضارة الاخرى كاليونانية من عناصر تفيد العقل وتغذى الروح وتساعد على بناء محيط يستطاب فيه العيش . ذاك أمر ثابت لا يترك للشك مجالا ولكنه جزء من الواقع وطموح المؤرخ يدفعه الى حب الوقوف على الواقع بحذافره خيره وشره والقبيح منه والصريح واقبح ما يخشاه المؤرخ الجدير بهذا اللقب ان يقع فى اخاديد تعرقل مسيرته وتحجب عنه رؤية الواقع أو تحجب عنه بعض الواقع الذى يزيد ويتعقد .

حضارة العرب قبل الاسلام

بماذا ساهم العرب فى سبك الحضارة العربية الاسلامية ؟ قد يجيب بعضهم مدعيا ان العرب تحضروا بعد انتشار الدعوة ولم يقدموا الى الشعوب التى اقبلت على الاسلام الا لغة ودينا . اما الذين يعتزون بالعروبة وبالاسلام قد يجيبون عن السؤال المطروح بقولهم : إن العرب تخيروا عناصر البناية مما وجدوه عند هؤلاء القوم وأولئك وفى هذا القطر وذاك واحسنوا صهرها وصوروا منها جميعا حضارة لها طرافتها وخصوصيتها ومميزاتها ولا شك ان كلا التيارين دون الواقع بعيد عن الحقيقة التاريخية .

دخلت شعوب عديدة الى العروبة والاسلام وساهمت برصيدها كما ذكرنا ولكن لعرب الجزيرة رصيد حضارى ساهموا به فى اقامة ذلك الانشاء الجبار المتمثل فى الحضارة العربية الاسلامية . فلقد تقدموا الى الامم بلغة متطورة وبكتاب تضمن دستورا تناول حياة الافراد والجماعات وخط مسالك لمسيرة الافراد والجماعات . كما كان للعرب رصيد حضارى غفل عنه المؤرخون وتوارى تحت الكثبان . قال الدكتور الانصارى متحدثا عن العرب :

قرية الفاو بالجزيرة العربية

تقع قرية الفاو على تخوم الربع الخالى جنوب غربى مدينة الرياض تبعد عنها مسافة 700 كلم كادت تهملها الذاكرة العربية على ان بعض المصادر احتفظت باسمها منها معجم البكرى وصفة الجزيرة للهمذانى ، وورد اسم قرية فى بعض النقائش اليمنية ، حيث كانت عاصمة لدولة كندة غزاها ملوك سبأ غير مرة . لا شك انهم غزوها لما كانت تمثله من قيمة استراتيجية وثروة اقتصادية ومكانة سياسية .

تربعت قرية ذات كهل هكذا اورد اسمها فى بعض النقائش اليمنية فى ربوع تمر بها طريق تجارية تتردد عليها القوافل فكانت نقطة تجمع وتوزيع ،

وفى تلك الربوع مياه وافرة ، فالى جانب الآبار وكان عددها سبع عشرة ، تنعم (( قرية )) بفيضان نهر يخصبها ويطفئ ظمأها فتزدان بجنات تتباهى باشجارها من نخل باسق وكروم ثقلت قطوفها وتدانت عقدا منضودا .

يؤم التجار قرية لعرض بضاعة واقتناء اخرى من حبوب وطيوب ونسيج واحجار كريمة ومعادن ، فلا غرو ان يختارها ملوك بندة عاصمة لهم ، ولا غرو ان تغذى طمع الطامعين وتنمى جشع الاقوياء من سبأ . تلك ملامح قرية عريضة كما رسمها الدكتور عبد الرحمان الانصارى رئيس قسم الآثار بجامعة الرياض .

((فهم لم يكونوا كما يصورهم بعض الكتاب بانهم قد خرجوا من صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع ، وانهم يفرقوا بين المنح والكافور او انهم لم تكن لديهم دراية بفنون العمارة والزخرفة والرسم وان بداية الحضارة فى العصر الاموى كانت متأثرة بل وتكاد تكون نقلا عن الحضارات المعاصرة لها ، ولكن الحقيقة التى لا غبار عليها ان عرب الجزيرة كانوا على معرفة كاملة بمعظم الجوانب الحضارية مما اهلهم لممارسة الحياة فى اماكن فتوحاتهم بسهولة ويسر)) .

الحفريات :

لم يكتف الدكتور الانصارى بتلك الملامح العريضة بل تجاوزها باللجوء الى الحفريات بحثا عما قد يكون سندا لما ورد فى بعض المصادر من كتب ونقائش ، فكون فريقا متكاملا من الباحثين والفنيين والعملة ، وبدأت اعمال إزاحة الغطاء على ما اختفى طيلة قرون عديدة .

ثم تشخيص هذا الموقع الاثرى خلال الاربعينات بعد الحرب العالمية الثانية وكانت الارشادات الاولى من الذين يعملون ضمن شركة ارمكو للبحث عن البترول واستغلاله ، ثم قام بعض الاثريين الاجانب بمعاينة المكان ووصف ما كان عاريا فيه ومن بين هؤلاء الباحثين المنقبين ج . دكمانز البلجيكى كما ساعدت ادارة الاثار والمتاحف مستشرقين آخرين على القيام ببحوث ودراسات حول الموقع ، ولكن يبدو انهم ركزوا على دراسة النقائش المسطورة على سفح جبل يطل على ((قرية)) ويسمى جبل طريق . ثم بدأ اهتمام جامعة الرياض بشؤون الاثار بحثا وتنقيبا عن جذور الحضارة العربية . وترأس الدكتور عبد الرحمان الانصارى فريقا متكاملا يستطيع مجابهة كل ما قد تستوجبة الحفرية .

كان الاتصال الاول بالموقع سنة 1971 ، وانطلقت أعمال التنقيب خلال السنة التى تلتها وتعاقبت المواسم التنقيبية وتطورت حتى تحولت مدة الموسم من اسبوعين فى البداية الى شهرين بالنسبة للمواسم الاخيرة ، وقد تر هذا التطور اثر انشاء قسم الاثار والمتاحف بالجامعة برئاسه الدكتور  الانصارى .

اطلال قرية :

انطلقت الحفريات سنة 1972 وتعاقبت وكشف الغطاء عن اطلال مدينة متطورة تتنزل بين القرن الاول والقرن الثانى بعد الميلاد هذا بالنسبة للاطلال التى ازيحت عنها كثبان الرمال اما بالنسبة الى تاسيس المدينة او قل الى تاريخ جذورها الاولى يبدو ان القضية ما زالت تستوجب بحثا ميدانيا ولا بد من سبر اغوار الموقع سبرا علميا وعلى كل فلقد اثبت الدكتور الانصارى ان قرية كانت متواجدة خلال القرن الثانى قبل الميلاد ولعله فى دراسة اخرى سيجمع كل الوثائق والشهادات ويؤارخها مؤارخة دقيقة مستعينا باحدث الطرق العلمية كالفحم 14 وبالاستناد الى ذلك قد يستطيع ضبط الهد التى تعود اليه اقدم بصمات المدينة ولعل الدكتور الانصارى قد انجز هذا العمل ونحن على غير علم به ذلك ان الذين يعملون فى الجزيرة لا يعرفون ما يحدث فى المغرب العربى الكبير والذين يعملون فى المغرب العربى يجهون كل او جل ما ينجزه زملاؤهم فى المشرق عامة وفى الجزيرة العربية على وجه التخصيص ولا ريب ان التعارف والتعاون والتزاور وتبادل المعلومات من اوكد حاجياتنا كذلك يتقدم البحث العلمى فى البلاد العربية ويستفيد جناح العروبة فى  المغرب بما قد يجد فى الربوع المشرقية ويستفيد جناح العروبة فى المشرق بما قد يجد فى المغرب العربى الكبير فلا تقدم فى دنيا العروبة والاسلام ان بقيت المجارى متعطلة وتوارت المسالك وانغلقت ((الممالك))  وتقوقعت واصبح العربى لا يعرف عن العربى شيئا الا ما قد يتسرب اليه عن طريق غير العرب فى كتبهم وصحفهم وابواقهم وافلامهم وغير ذلك مما قد يقرا ويسمع ويشاهد ولكن لنعد الى قرية الفاو ونتعرف الى اطلالها :

تمتد المدينة على أرض تمسح 200 هكتار دون اعتبار المنطقة الزراعية التى لا تقل عن 25 هكتارا ويرجح الدكتور الانصارى انها (( من اكبر المدن ( مدن القوافل) المعاصرة لها بل والمدن المعروفة )) ص 18 .

ان الاطلال التى كشف عنها الغطاء تتمثل فى العمارة السكنية والعمارة المدنية والدينية وفى المدافن فضلا عن عديد اللقى التى عثر عليها اثناء الحفريات .

العمارة

اسفرت الحفريات على تشخيص اطلال القصر والمعبد والسوق الى جانب احياء سكنية ومدافن . لم يركز الدكتور الانصارى على هذه العناصر المعمارية كما قد يرغب فيه كل باحث فى ميادين الآثار والتاريخ ، ذلك ان طبيعة الكتاب تحول دون الدخول فى التفاصيل على انه وعد بالعودة الى كل اجزاء مكتشفات قرية الفاو فى سلسلة من الدراسات المختصة ، وها نحن نترقب بفارغ الصبر ظهور المجلد السادس من السلسلة والخاص بالعمارة فلا شك اننا سنتعلم الكثير عن العمارة العربية قبل الاسلام استنادا الى حفريات ((قرية)) عن المعالم وهيكلها ومخططاتها وعن مواد البناء المستعملة وعن طرق استعمالها وعن الزخارف من نحت ورسم وتجصيص وتمليط .

لقد اشار الدكتور الانصارى الى كل هذه العناصر المعمارية ولكن فى عجالة مفروضة عليه ورغم مروره عليها مرا سريعا كان له من السيطرة العلمية ما جعله يوحى الكثير بالقليل .

تحدث عن القصور واصفا أهم عناصرها التى تم الكشف عنها : قاعة شمالية وقاعة جنوبية وقد اكتفى بالتلميح الى جدرانها وابعادها والى اعمدتها وزخرفتها المرسومة على الجص على ان الشكل الكامل للقصر لا يتسنى رسمه وتحليله الا بعد تعرية عناصره جميعا (( ولا نشك ان كشف باقى التل سيعطينا صورة اوضح للشكل الكامل للقصر وعلاقته بالسوق واهميته بالنسبة للمدينة سياسيا وحضاريا )) . ص 19 .

ونجد فى الكتاب وصفا أدق للسوق التى توجد (( على مقربة من الحافة الغربية للوادى الذى يفصل بين جبل طريق وبين حدود المدينة شرقى المنطقة السكنية)) . وهى سوق محصئة يحيط بها سور يتكون من جدران ثلاثة متتالية متلاصقة (( اوسطها الحجر الجيرى اما الداخلى والخارجى فمن اللبن)) له باب واحد وسبعة ابراج . أما شكلة فهو مستطيل طوله 75، 30 م وعرضه 20 ، 25 م بضم ساحة (( يصطف على جانبيها دكاكين من الناحيتين الشمالية والجنوبية )) اما الناحيتان الشرقية والغربية فلكلتيهما دكان واحد ويصف

المؤلف هذه الدكاكين . وفى السوق بيوت ثلاثة وله مدرجان تدفعان الى السطوح وفيه مرافق اخرى منها مجمع مائى ومراحيض وغيرها مما يثبت انه كان محل عناية فائقة جعلته فى مستوى حاجة التجار ومن يقصد دكاكينهم ، لما اطلعت على تفاصيل هذه السوق المتطورة نقلنى الخيال الى بعض مدن الجنوب فى تونس ، وكانت من المحطات التى توقفت فيها مدينة مدنين ولها سوق جميلة يحيط بها سور وله باب واحد وتصطف على جوانبه من الداخل دكاكين وفيه مدارج تدفع الى الغرف العلوية والى السطوح .

وتمتاز دكاكين سوق ((قرية))  بزخارفها وكتاباتها ((المحزوزة فى التمليط )) اى فى سمك الجص الذى استخدم كسوة او ليقة للجدران . واشار الكاتب الى لوحات رسمت على الجص فى بعض الدكاكين ومنها رسوم وتطور رحلة صيد لبعض الشخصيات المرموقه عله الملك نفسه وعليها ايضا رمز الاله (( كهل)) وهو اكبر آلهة قرية .

والى جانب هذه السوق الرئيسية المركزية ان صح هذا التعبير اضطرت المدينة تحت وطأة النمو لبناء سوقين أخريين ما زال التنقيب فيهما متواصلا .

المعبد :

يوجد المعبد حذو القصر من الناحية الغربية شيدوه بحجارة رملية واخرى جيرية له شكل مستطيل يتجه الى الجنوب وتمكن الباحثون من تشخيص عناصره الهامة : الغرفة المقدسة - المساطب التى توضع عليها الهدايا = الممرات الضيقة ، القواعد المربعة المبنية من الحجر ، الساحة الخارجية للمعبد ويعلق الدكتور الانصارى قائلا : يعتبر معبد ((قرية)) الفاو أول معبد يكشف عنه داخل حدود المملكة العربية السعودية)) ص 20 .

ان عناصر هذا المعبد نجدها فى المعابد السامية كما تبدو من خلال اطلالها وكما ورد وصفها فى بعض الكتب المقدسة كالتوراة ولنا فى مدينة كركوان البونية المطلة على البحر بين قليبية والهوارية بالوطن القبلى اطلال معبد بوني يعود الى ما بين القرن الرابع والقرن الثالث قبل الميلاد ، من عناصره الاساسية غرفة مقدسة تربعت فى قلب الساحة وكانها تفصل بين قطاع امامى جعل للعبادة والطقوس وقطاع خلفى جعل للقيام بما يحتاجه الوافدون على المعبد لاداء زيارتهم فى احسن الظروف من اقامة وذكاة وطبخ ومن اطلال معبد كركوان مصاحب فى العديد من الغرف فضلا عن الغرفة المقدسة ، ونجد امام المدخل الرئيسى قاعتين عموديتين متاتيتين كنت اود وصفهما وصفا

دقيقا لكن تعطل القلم لعدم توفر المصطلح الوعيب ، على انه متوفر فى غير لغة العرب كالفرنسية والانقليزية وغيرهما . فمتى يعتكف علماء الاثار والتاريخ لتوفير ما يحتاجونه من مصطلحات تمكنهم من السيطرة على واقع اختصاصاتهم؟ وفى امكانهم توفيرها . شريطة ان يتوفر فيهم الايمان بعملهم والصبر والمصابرة فيما قد يقبلون عليه . لكن تلك قضية أخرى ليس المجال هنا للتركيز عليها .

ومهما يكن من امر فثابت لدى ان معبد قرية ومعبد كركوان ينتميان الى فصيلة واحدة من فصائل العمارة الدينية تتحد فيها غالب الشعوب السامية وخاصة منها الشعوب المتواجدة فى الشام وفلسطين والجزيرة العربية .

المنطقة السكنية :

لم تات الحفريات على كشف كل المنطقة السكنية المترامية الاطراف بل ازيح اللثام عن جزء منها كبير يساعد على تصور المدينة العربية قبل الاسلام ، وتم التقاط عناصر هامة تعرف بالمجتمع وببعض مميزات حياته اليومية من أدوات عمل وآنية وزخارف شتى ومن اهم ما بينته الجفرية : نسيج المنطقة السكنية واتصالها العضوى بالسوق والقصر والمعبد . ظهرت بعض الشوارع والازقة وعتبات البيوت التى تفتح على هذه الشرايين لكن ما زالت صورة المدينة تشكو ضبابا يغمر بعض نواحيها حتى اننا لا نتبين بكل وضوح مختلف الخيوط المعمارية ولا نرى كيف تتلاقى او كيف تتقاطع وتتوازى ، فكأن المؤلف اقتصر على وصف ما عثر عليه وصفا انتوميا ولم يتناول وصفها وصفا فزيولوجيا يبين تعامل مختلف فى القيام بوظائفها علما ان كل عنصر معمارى لا يتسنى له القيام بوظيفته الا اذا تجاوب وتعامل مع العناصر الاخرى ، وان المدينة انشاء ذو عناصر عديدة مختلفة لكنها تكون وحدة فاذا تعطل عنصر عن القيام بوظيفشه انخره النظام داخل الوحدة فنرجو ان يواصل الدكتور الانصارى ابحاثه فى هذا القطاع حتى يعرفنا بنظام تهيئة المدن عند العرب قبل الاسلام . ولا يفوتنا التنويه بما ورد فى كتاب الانصارى من معلومات مختلفة حول عناصر هذه المنطقة من وحدات سكنية وفنادق وخانات لكنها اشارات عابرة لا تمكن القارئ من تصور البيت أو تصور الخان او الفندق ولو ان الكاتب ألمع الى بعض مركباتها الداخلية : جدران منحنية امام الغرف الرئيسية (( لعلها لحماية الغرف والمنازل من دخول الماء اليها عند سقوط الامطار )) ص 22 .

اعتاب من الحجر - انتشار استعمال المدارج - المخازن والخزانات ولكل منها وظيفته وان لم يصور لنا المؤلف البيت النموذجى فى قرية ولم يضع تصنيفا للبيوت فيها .

فالقارىء يجد ما يطلعه على بعض عناصر البيت منها المخازن والغرف المختصة كالتى تسخر لأغراض النسيج وهذا ما نلاحظه من وجود غارين فى اسفل احد الجدران يقابلهما غاران فى الجدار المقابل وفى داخل كل غار نجد تجويفين عن يمين وشمال يسمحان بادخال اداة من حديد او خشب تشبك فيها خيوط الصوف او الكتان لتكون بذلك شبكة مربعة مستطيلة حسب المساحة المطلوب نسجها ص 22 .

ومن بين عناصر البيت غرفة المدرج قد تستخدم الى طحن الحبوب بالرحى ومنها المواقد والافران وفى الغرف ذيات تستعمل اسرة ، فنرجو ان نجد فى الدراسات المنتظرة دراسة تصنيفية للبيوت فى قرية مما يساهم فى معرفة البيت فى الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام .

المدافن :

لا يمكن الحديث عن مدينة الاحياء وعن بيوتهم دون الوقوف على مدينة الاموات ومدافنهم وقد تعرض لها الدكتور الانصارى قبل مروره الى المنطقة السكنية ، وصنفها وحدد مواقعها ، فهذه مقبرة ملكية على الطرف الغربى للمدينة وهذه مقبرة للنبلاء توجد على مقربة من مقبرة الملوك وتمتد نحو الجنوب الغربى اما مقبرة العامة فانها تقع شمال شرقى المدينة على حافة الوادى الغربية . ونجد فى الكتاب بعض النماذج من هذه المدافن .

ومما اوقفنى عند مقابر الملوك ومقابر النبلاء انها تشبه فى بعض عناصرها الهندسية مقابر قرطاج ففيها بناء علوى قد يتخذ احيانا شكل البرج وفيها جب عميق على جانبيه مراق تساعد على النزول والصعود وفى احد الجوانب تفتح الغرفة الجنائزية وقد توجد على الجوانب الاخرى اقبية فى شكل شبه دائرة . ومن قبور الملوك وصف الدكتور الانصارى قبر معاوية بن ربيعة القحطانى ملك قحطان . ومن قبور النبلاء قبر عجل بن هفعم وقبر سعد بن ارش وكل قبر من هذه القبور يتركب من جزء علوى مشيد ومن جزء سفلى منقور فى الارض .

اما عن قبور العامة فهى تشبه القبور الاسلامية غير ((مهبط غير  منتظم ولا مجصص تتراوح اعماقه بين متر واحد الى خمسة امتار تنتهى بلحد مقفل بلبن كبير ... ))

اللقى :

ان كشف الغطاء عن اطلال (( قرية )) مكن الاثريين من العثور على كنوز ثمينة منها الكتابات المسطورة على الجدران او على العظام او على سفوح الجبال وغيرها ، ولقد اعتنى بها الدكتور الانصارى واستخرج ما امكنه استخراجه من معلومات حول المدينة واوضاعها الاقتصادية والعسكرية وحول معتقداتها وآلهتها : ككهل وآل واللات وعثر والاشرق والعزى ومناة وود وشمس . وفى النقائش اخبار حول التجارة والتجار واخبار مجتمع قرية .

وقد علق الدكتور الانصارى فى هذا الباب قائلا : (( ولعله يحق لنا ان نقول ان ما تشير اليه كثير من الكتب العربية عن جهل العرب بالكتابة قبل الاسلام قد جانب الصواب والا فما معنى هذه الكمية الضخمة من الفاظ الكتابة التى وردت فى القرآن الكريم ؟ وبالتالى هل كان يمكن لمجتمع ان يرتفع الى هذا المستوى من البلاغة والفصاحة وان يكون القرآن معجزا له وهو جاهل بالقراءة والكتابة ؟ وهل يتفق ان يجتمع للرسول صلى الله عليه وسلم حوالى 60 كتابا للوحى مع ما قيل عن ندوة العارفين بالكتابة ؟ اسئلة نطرحها ولعل النظرة المجردة تجعلنا نعمق من اهمية معجزة القرآن اذا سلمنا بعلم العرب بالقراءة والكتابة بشكل لم يجانب الصواب ولكنه يتمشى مع الحقائق التى تكشف عنها التنقيبات الاثرية )) . ص 24 ، ومن بين اللقى رسوم فنية وتماثيل معدنية او حجرية او طينية او خزفية ثم يستعرض الكاتب الخشب والعاج والعظام والنسيج والصناعات المعدنية وما سبك من حجر او فخار كلها معتورات تنم عن مستوى حضارى رفيع ادركته قرية فبعد هذه النزهر عبر شوارع قرية وازقتها وبعد دخولك الى قصورها واسواقها ودخولك بيوت سكانها من ابوابها وبعد استمتاعك بما روته لك النقائش من اساطير واخبار الملوك والنبلاء والتجار وغيرهم من عامة الناس وخاصتهم ، وبعد تأملك فى الروائع التى عثر عليها بين اطلال هذه المدينة وفى مدافنها من رسوم وتماثيل وادوات منزلية وصناعية وغيرها مما يفيد الازدهار واليناعة والرفاهة هل بقى فى ذهنك اعتبار العرب قبائل رحل لا يعرفون الا الخباء والخيمة

والصحراء والناقة ولا يفرقون (( بين الملح والكافور )) وليست لديهم دراية بفن العمارة ؟ كلا ! ان الحفريات التى اجريت فى قرية وكشفت الغطاء عن اطلالها القت نورا ساطعا ينير طريق المؤرخ الباحث الذى لا يخشى الخروج من المسالك المعهودة ويرفض المكوث فى الاخاديد التى وقع فيها فلا بد لنا من اعادة النظر فى الكثير مما تعلمناه عن العرب قبل الاسلام وفى الكثير مما تعلمناه عن الحضارة العربية الاسلامية .

كانت فى الجزيرة قبائل ترتاد الصحراء من اهل الوبر وهم الاعراب الذين جاء ذكرهم فى القرآن الكريم (( قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا)) اما العرب فكانوا من اهل الحضر والمدر ولقد لقبت مكة بأم القرى وفى ذلك اشارة الى عظمتها وناسف لجهلنا الكامل لما كانت عليه مكة قبل الاسلام وبعد ظهور الدعوة كما نأسف لجهلنا بما كانت عليه قبل ان يطلع البدر عليها وبعد ان اصطفاها الرسول مدينة منورة .

ان اطلال ((قرية)) عاصمة كندة تثبت لمن قد يخامره شيطان الشك ان العرب لم يخرجوا من جزيرتهم اجلافا لا حضارة لهم بل تقدموا الى الامم الاخرى وبين اضلعهم حضارة مادية وحضارة روحية ، خرجوا ومعهم رصيد وافر من الادب والنظم السياسية والاخلاقية والفنون مما اهلهم الى حوار ثرى جرى بينهم وبين الحضارات الاخرى التى عايشوها وعانقتهم وعانقوها حتى كانت الحضارة العربية الاسلامية فلا بد من ابراز العنصر العربى عند دراسة كل مظهر من مظاهر هذه الحضارة ، وسوف لن يكون ذلك على حساب الروم والفرس لان الموضوعية تقضى ان تعطى الباحث لكل ذى حق حقه ولا باس من اعادة النظر والتأمل من جديد فى كل قضايا تاريخنا بعين عذراء جديدة ولا باس من اثراء او تجديد احجار الجراب %

اشترك في نشرتنا البريدية