الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

خواطر

Share

عند ما نعي الى شيخ ادبئنا غمرنى ما قد يغمر المتتلمذين على يده من احساس اصيل بفداحة الرزء ويجسامة الاصابة والخسران الذين لحقا اوساطنا الادبية - وبدالى فى موقف الفاجعة ان الفراغ الذى تركه الكبادى وراءه لم تكن بممكن تعويضه وانه بحق نموذج فريد فى شخصيته الادبية نظرا لما انفرد به من شيم وما تميز به من سمات فكرية وقيم جمالية قلما توفرت فى اترابه ممن هم على شاكلته من ولوع بالادب وافتتان بجنانه الوارفة . ولعله ليس بمستنكر على ان خامرني في الم الصدمة ما قد عرف به اديبنا الراحل من بداهة حاضرة وحسن مرهف وما قد شاع وذاع من قيمه ومميزاته من ذوق نقدى وحافظة ادبية مازها على مثيلاتها بهذه الديار انها تعج بالمدخرات والنفائس التى تبتز منك او عنك هذا الاعجاب العصى وهذا التقدير الضنين سيما اذا عرضها صاحبها على اصفيائه واشياع نحلته الادبية بروح ملؤها الوجدان الصادق بله الاحساس العميق بطرافة الادب وآياته الخالدة

ولقد حضرني في ما حضرني بهذه المناسبة الاليمة ما قد افادنى به الكبادى من توجيه مازلت اعده كنزا لا يفنى ورصيدا لا ينضب وعلى الخصوص ما كنت اتلقاه عنه في محاضراته الشيقة كمدرس لمادة الادب بالمعهد الخلدونى - وانه لحق جميل بنا الاعتراف به لذويه ان كان الكبادى على اقتدار وقوة روحية استطاع بها خلق جيل كامل شبعه حماسا واورثه تذوقا للادب وفنونه - فقد كنا نتسابق الى ندواته بحى باب منارة ننشده من آخر منظوماتنا ما ننشد وهو على بشاشته ودماثة خلقه يصوب لنا تارة ويستحسن لنا اخرى هكذا يريد بنا بعثا واندفاعا الى آفاق علوية كم يود لها النصير القدير والمتحمس الاسير - وان انسى فلا انس اجواء التنافس الحميد الذى كان يذكيه شيخنا الراحل بتوجيهاته وايحاءاته الشاحذة للهمم الادبية كتلك التى تمخضت عن شاعرية عدد غير قليل من مشاهير شعراء الساعة امثال الهادى نعمان ومنور صماح ومن اليهما ممن تشرب على يدى الفقيد حبه للاجواء الشعرية ولدنيا القرض والرؤى

وتذكرت ايضا فى جملة ما تذكرت كيف كان الكبادى عالقا بذهنى وانا اصخى الى من بندوة كامل الكيلانى من اعلام الادب واللغة حيث كانت تنعقد بالقاهرة دوريا مساء كل يوم خميس فى ذلك الطابق العلوى من مكتبته التجارية - انها ندوة ادبية تقترب مما كان يحييه بديارنا الفقيد الراحل وهذا هو تقديرى لها آنذاك وهو عين مازلت عليه من تقدير اكنه اليها حتى الان على الرغم من وفرة القيم الروحية المشاركة فى ندوات الكيلانى ناهيك باعلام فكرية وادبية امثال : منصور فهمى باشا ، عبد القادر المغربي ، مصطفى الشهابى ، محمد البشير الابراهيمى محمد الحومانى ، الفضيل الورتلانى ، الخضر بن الحسين ، محمد على ابو كثير وحيد رمضان ، سيد قطب ومن الى هؤلاء جميعا من مشاهير اللغة والادب العربى _ فهى وان كانت زاخرة بالاحورة والمذاكرات المجدية حيال دقاق شؤون الادب ومسائله فهى كما كانت تبدو الى شيقة الوقع غزيرة المادة الا انها مفضولة على التى كان يحييها شيخنا الاديب محمد العربى الكبادى - فهذه بدت لى عند المقارنة اكثر ثراء نظرا لما زانها عندى من مستحسن الملحظ ومستطاب الفكاهة التى خلعت عليها جاذبية اخاذة واغوتنا بها اغراء وتعطشا ابديا - ثم انها لاجواء انس وآفاق ادب رفيع ملؤها الجمال والروعة بله السمو والعظمة الفكرية وما كان بها قط ما كنت مؤاخذا به تلك الندوات الكيلانية مما لا يجمل بي ذكر كله وان تأتي لى ذكر جله - فالذى طبع ندوة الكيلانى رحمه الله يطابع الرياء والكلفة المقيدة هو ما ملأ اجواءها من مصانعة ورياء لا يبلغهما الوصف - وانه لتهافت على اخذ الكلمة ورغبة ملحة في الاستحواذ على المجلس يبلغان ببعض الافراد الى حد الخروج عن اللياقة والوقوف بموقف المنافسة التى هي بغير موضع - وانها لآفاق ادبية تغلب فيها الشكلية والمراوغة وتستتر بها كثير من النزعات المغرضة التى لا تليق بمن فرض فيهم التناصر من اجل خدمة الادب ومن اجل اعلاء قيمة السامية - ولقد تردد على هذه الندوات معظم الزعماء الوطنيين في بلادنا ايام اقامتهم بالقاهرة وبلغ حد التبرم ببعضهم ذات مرة الى ان قاطع المجلس ثورة على روح النفاق والمراوغة التى ما رآها تليق ببعض من حواه الجمع من عناصر بدت في سلوكها الاجتماعى متنكبة عن الادب الرفيع الذي هو حسب المفروض الرابطة المثلى التى جمعت عناصر تلك الندوة فى تئاخ اوحد وتسامح امثل

هذا هو خلاصة مما خامر نفسى من احاسيس وذكريات عند تلقى نعى الكبادى والآن هل ارانى وارى امثالى على بر بالكبادى عند ما يشيعونه بالعواطف وآيات التقدير وحسب ، لا اظن في مثل هذه المواقف الكفاية ، فهذا ليس هو كل الخير الذى يجمل بنا توديع فقيدنا به - فما العواطف والاحاسيس النبيلة الا تعبير منا ولانفسنا ليس غير ولا ينتفع بها ومنها الفقيد كمثل انفاعه بدراسة قيمة لنتاجه وتاريخة ففي هذا اجمل المواقف من الفقيد والادب عموما - واننا لنريدها لا دراسة تردد بها كلمات جوفاء من امثال : الموضوعية ، والطرائقية العلمية ، والنقدية التتبعية دونما تكون فى الواقع آخذة من مفاهيم هذه المصطلحات اى شىء يذكر بل نطمح اليها دراسة تخلد الكبادى لانه حرى بالخلود لا بالنظر الى انتاجه القليل بل بالنظر الى الدور الذى اوقف عليه حياته كباعث من بواعث الادب فى اوساطنا التونسية

اشترك في نشرتنا البريدية