كلما تحدث المؤرخ عن قرطاج تذكر أسطورة طريفة وردت فى نصوص القدماء. أسطورة تصف لنا مجازفة أميرة فينيقية ندعى عليسة رحلت عن صور صحبة ثلة من أعيان المدينة وأقبلت على ديارنا وأسست مدينة سمتها قرط حدشت أى المدينة الحديثة فقرط حدشت اسم يتركب من عنصرين فينيقيين أولهما قرط ويعني المدينة ولا شك أن لهذا العنصر علاقة بلفظة قرية عندنا. أما العنصر الثانى ((حدشت)) فهو يوافق لفظة حديثة وتعلمون أن الثاء العربية يوافقها الشين فى لغة الكنعانيين. قرط حدشت ذلك هو الاسم الفينيقى الذى أسند لمدينة عليسة كما نراه على النقائش ولما أقبل الرومان عليها أدخلوا على اسمها بعض التحريف فقالوا كرتاغو واشتق الفرنسيون من اللفظ اللاتينى اسم قرطاج ودخلت هاته الصيغة فى لغة المخاطبة عندنا غير أن بعض المؤرخين التونسيين يقولون قرطاجنة إذا ما تحدثوا عن مدينة البونيقيين استنادا الى ما أتى فى بعض الكتب العربية القديمة أجل إنها تسمية عربية قديمة لكن يشوبها بعض الغموض لأن عبد ملقرط البرقى - قائد بونيقى عاش فى القرن الثالث قبل المسيح - أسس مدينة فى الجنوب الشرقى من اسبانيا عرفت عند القدماء باسم قرطجان (Carthagene) فقال المؤرخون قرطاجنة ومن ذلك نشأ الغموض حتى أن المستمع إذا التقط اسم قرطاجنة تراه يتساءل: ((أى المدينتين يعنى المتكلم؟)) فحبا للبيان وتخلصا من الغموض يليق بنا أن نقول قرطاج أو قرطاجة إذا تحدثنا عن المدينة التونسية ونترك قرطاجنة للمدينة الاسبانية.
أسست عليسة قرطاجة فى أواخر القرن التاسع قبل المسيح. وكان ذلك لأسباب عديدة مختلفة تعوزنا المصادر لاثباتها وتدقيقها. يعير المؤرخون المعاصرون للخطر الأشورى وزنا ذا قيمة فى تأسيس مدينتنا. عظم شأن أشور فى الألف الأولى قبل المسيح. فبعد ما سطا ملوكها على مدن ما بين النهرين تمادوا فى سياستهم التوسعية رائدهم السيطرة على الأقطار التى تمتد من ضفاف دجلة الى سواحل البحر المتوسط وكان للمدن الفنيقية ثروة لفتت
نظرهم الامر الذى جعل الفنيقيين يفكرون فى إبعادها عن أيدى اولائك الجبابرة. فكان ذلك اذن من العوامل التى بعثت قرطاجة للوجود وسرعان ما عظمت وقويت شوكتها حتى أصبحت ملكة فى غربى البحر المتوسط وانتشرت مصارفها على الشواطئ الافريقية كما بسطت هيمنتها على غربى صقلية وسردانيا وجزر الباليار وجنوب اسبانيا. ويعترف كل المؤرخين بسلطانها السياسى وازدهارها الاقتصادى لكن غالبهم تراهم يسخطون عليها اذا ما جرهم الحديث عن الحضارة البونيقية ويغالون فى سخطهم عليها اذا خاضوا فى ثقافة البونيقيين وأدبهم. تحدث المؤرخ (Gautier) فى كتابه ((قرون الظلمات)) (Les siecles obscurs) - عن البونيقيين قائلا: ((كان البونيقيون رجالا مثقفين. عقولهم متفتحة تنطوى على الحذق والذكاء لكنهم لا يشبهوننا فى شئ فما من شئ لفت اهتمامهم وليس غايته مباشرة المنفعة والثراء واللذة والقوة كما كانوا يوجهون اهتمامهم نحو عالم الدين والورع فلم يبدوا اكتراثا بالعلم بل قد يمكنك القول إنهم لم يبتكروا شيئا فى ميادين الصناعة والفن الأدب والتاريخ فقد ظلوا بعيدين عن كل ما يتعلق بفضول الفكر. فلولا بوليب وتيت ليف لما علمنا شيئا عنهم)).
أما ستيفان قزال (Stephne Gsell) وهو من أعظم وأشهر المؤرخين الذين انكبوا على تاريخنا القديم فهو يقول فى حديث له عن قرطاجة: ((ولم تنشىء الحضارة البونيقية لا علماء ولا شعراء ولا مفكرين. ومهما يكن من أمر فالتاريخ لا يعرف أحدا منهم)).
ولنستمع الآن الى الاستاذ جيلبار بيكار يتحدث على الحضارة البونيقية فى كتابة المسمى عالم قرطاجة (Le Monde Corthoge): ((لم تبتكر قرطاجة شيئا لا في ميادين المعرفة والفن ولا حتى فى الميدان الصناعى (dans la technique). فلا شك أن مساهمتها فى صرح الحضارة الانسانية أضعف من مساهمة الشعوب البدائية كالشعب الغولى مثلا)). يؤمن الاستاذ بيكار بأن القبائل الغولية البدائية كانت مساهمتها فى تشييد صرح الحضارة البشرية أوفر من مساهمة البونيقيين. ترون كيف اتفق، أو كاد يتفق المؤرخون فى حكمهم على قرطاجة فى ميادين العلم والادب والفن. تلك نظرة الغرب تجاه الحضارة البونيقية وقد نسج على منوالها بعض المؤرخين التونسين إذ قرأت فى كتاب كثيرا ما يتصفحه المعلمون والتلاميذ خاصه فى المدارس الابتدائية والاعدادية وهو من تأليف مؤرخ تونسى معاصر، ما يلى: ((الفنيقيون على الإطلاق أمة بحرية تجارية ولهذا لم يشتهروا بحضارة شامخة مدنية فنية كبيرة بل كانت عنايتهم كلها منصرفة الى ما ينمى الثروة والتجارة والصناعة)).
كل هاته المؤلفات تجعلنا نتساءل ونقول: ((هل خلت حقا مدينة عليسة من روح الأدب والثقافة؟ كيف يكون ذلك والبونيقيون ينتمون الى أمة خلقت الكتابة الأبجدية الشئ الذي يسر انتشار المعرفة بعدما كانت وقفا على أقلية. فبفضل الفنيقيين والكتابة الأبجدية اليسيرة خطت البشرية خطى شاسعة فى حقل المعرفة والأدب ولا يخفى أن الحروف اليونانية والرومانية والفرنسية وغيرها أخذت جميعها من الحروف الفينيقية فليس من الغريب إذا أن نشك فى الحكم الذى أعرب عنه المؤرخون كما أسلفنا. لذلك أردنا أن نتناول هاته المسألة بالبحث وأردناه بحثا موضوعيا يكتفى باستنطاق المصادر التى تحدثنا عن قرطاجة وحضارتها.
إنه موضوع عسير لم تخف علينا صعوبته الناتجة عن قلة المصادر. تعلمون أن قرطاجة قد حطمت نتيجة الحرب البونيقية الثالثة وأضرمت فيها النار وأمر شبيون بأن تذر حبات الملح فى أرضها حتى يموت ما تنطوى عليه من بذور الحياة. كان ذلك بعد ما انهال عليها الجنود نهبا وسلبا وعاثوا فيها فسادا. ثم أقبل الرومان وأبوا إلا أن يشيدوا مدينة رومانية على أنقاض المدينة البونيقية فكانت الطامة الكبرى على قرطاجة لأن البقايا التى نجت من فأس الهدام سقطت تحت يد البناء. فبعد النهب والتهديم والحرق ظلت الآثار البونيقية مقطعا يزود الرومان من الحجارة لتشييد معالمهم هذا وقد عفت آثار البنايات الرومانية الاولى وذهبت هى نفسها ضحية حريق شب فى قرطاجة أيام الدولة الانطونينية فى القرن الثانى بعد المسيح وباندثارها اندثرت بقايا البنايات البونيقية التى استخدمت لتشييدها. فالى أى مصادر إذن نستند لدراسة الموضوع؟ أجل إن المصادر الأثرية ضئيلة لكنها ما انفكت تتعدد كمية وتختلف نوعا.
يحدثنا الأثاث القبرى عن حياة البونيقيين فى المنازل والمصانع فى بطحاء المدينة وساحة الوغى. تجد بالضريح البونيقى كل ما كان يحتاجه الميت قبل موته على وجه البسيطة من أوان وأسلحة ونقود وحلى وغيرها تجدونها معروضة فى متاحفنا القومية. أما نصب التوفات وقد أقيمت ذكرى لقرابين بشرية كان اهل قرطاجة يقدمونها الى ربة المدينة تانيت والى سيدها بعل حمون. نجد على هذه النصب نقوشا وكتابة تعرب فصيحة عن بعض مظاهر الحضارة البونيقية. فلا سبيل لدرس الفن البونيقى دون الرجوع الى صور تحلت بها نصب التوفات كما لا سبيل الى دراسة الحياة الادبية والثقافية دون العودة الى ما صنفه القدماء من يونان ورومان. فكثيرا ما جرهم الحديث عن قرطاجة وهو حديث يوقفنا على حضارتها. ويجدر أن نذكر منهم بوليب وديودور الصقلى وتيت ليف وجستان (Justin). تلك هى بايجاز المصادر الاثرية والادبية التى يجب استنطاقها واستقراء ما جاء بها ملمحا لحضارة الكنعانيين بقرطاجة.
كشفت الحفريات الغطاء عن أنقاض الحضارة البونيقية وهى أنقاض ضئيلة لاسباب ذكرناها: قوارير بسيطة، جواهر، أدوات صناعية، أسلحة، اقنعة خزفية كانت أو زجاجية، تمائم سبكت من حجر أو معدن فى الامكان مشاهدتها فى متاحفنا بباردو أو بقرطاجة. كيف تبدو هاته الانقاض وعن أى شئ تنم؟ فلئن تفحصنها رأينا أن قرطاجة كانت أبوابها مفتوحة أمام الحضارات الاجنبية كالمصرية واليونانية والاتركسية وغيرها. دخلت عناصر الزينه المصرية الفرعونية قرطاجة وتحلت بها نصب التوفات حيث نجد عليها القرص المجنح (le disque aile) وأفارين الافاعي (Frised' uraie) وقد أسفرت الحفريات التي انجزت بسوسة بعد الحرب العالمية الثانية على اكتشاف عمودين من نوع مصرى نجد عليهما صورة امرأة ضمت هلالا لصدرها وتقلنست مثلما كانت تتقلنس الالهة المصرية هاثور (Hathor). كل ذلك يثبت تأثر الفن البونيقى بالفن المصرى الفرعونى.
وما من أحد ينكر العناصر اليونانية التى نلمسها فى الفن البونيقى. نجد على نصب التوفات صورا تحكى الاساطين اليونانية دورية كانت أو يونيه. كما زخرفت تلك النصب بالدرر والقريصات (Perles et Pirouettes) وهى ولا شك من ميزات الفن اليونانى فاستنادا الى هاته الصور المنقوشة يمكننا الافتراض ان البونيقيين شيدوا معابدهم أحيانا على النمط اليونانى. ويبدو على ضوء بحوث حديثه أن قرطاجة قد فتحت أبوابها لتأثير الحضارة اليونانية خاصة فى القرن الرابع قبل المسيح ويغالى بعضهم ويقول إن الحضارة البونيقية وقتئد اصبحت حضارة يونانية فى قرطاجة. لا شك أن هذه مسألة يجدر بالمؤرخين أن ينظروا فيها بامعان حتى يقع التعرف الى الاسباب التاريخية التى جعلت قرطاجة تتأثر بالحضارة اليونانية ويتبين مدى ذلك التأثير فمن المؤرخين من يؤمن بمتانته وعمقه إلا أنى أعتقد أنه تأثير سطحى له علاقة بالظرف دون المظروف أجل لقد اقتبس البونيقيون عناصر من الزينة اليونانية لكن لونوها بألوان الروح البونيقية الصريحة التى تتماشى ونظرتهم تجاه العالم والحياة فكأنى بهم كتبوا نصا بونيقيا بأحرف يونانية. فالصور اليونانية التى نقشوها على النصب مثلا تكن معنى بونيقيا يليق بنا أن نبحث عنه حتى نقف عليه وقد يكون هذا العمل عسيرا لكنه ضرورى لمن شد مئزره سعيا وراء الحقيقة التاريخية الموضوعية.
نلمس اذن خلال الفن البونيقى عناصر اقتبست من عالم الفراعنة وأخرى أخذوها من سماء اليونان كثيرا ما تراها جنبا لجنب على نصب واحد فى بناء واحد فلنأخذ مثلا ضريح دقة وهو يأوى عظام أمير بربرى وقد شيد على نمط بونيقى فى القرن الثانى قبل المسيح تحلى بأساطين يونيه (Colonnes oniques) وهي من ميزات الهندسة وفن البناء عند اليونان وتحلى الضريح نفسه بعناصر
هندسية مصرية الاصل نذكر منها الحلق المصرى (La gorge egyptienne) تشاهده فوق الاساطين.
واعتمد بعض المؤرخين على وجود هاته العناصر المختلفة فى الفن البونيقى وحكموا أن ليس لابناء علىيسة روح فنية إذ اقتبسوا عناصر زينتهم من حضارات عديدة دون أن يحاولوا تفهم ما اقتبسوه لذلك تراهم لا يحسنون النقل ولئن شيدوا ونقشوا على الطراز اليونانى فلن ترى لهياكلهم ونصبهم رشاقة الفن اليونانى وطرافته. تلك نظرية نجدها عند غالب من كتبوا فى تاريخ قرطاجة وفنها. تحدث (St Gsell) عن الفن البونيقى قائلا: ((إن الموهبة الفنية التى تكنها روح شعب من الشعوب تبرز فى أبسط الأشياء غير أن هذه تثبت عقر البونيقيين إذ لا يحسنون حتى نقل النماذج اليونانية فهم من هذه الوجهة أدنى من الأتركسيين وكانوا من الناسخين مثلهم)). أما الاستاذ بيكار فهو يؤمن بعجز البونيقيين فى الحقل الفنى الى حد جعله يضع هذه القاعدة التى أفصح عنها فى كتابه ((عالم قرطاج)) بقوله: ((كل شئ ذى قيمة مستورد وكل شئ صنع بقرطاجة يتصف بالرداءة)). تجدون ذلك فى الصفحة الثامنة والعشرين من الكتاب الآنف الذكر. وفى السنوات الأخيرة أقبل علينا أحد الذين تعاطوا تصنيف الكتب مهنة وتجارة فزار متاحفنا وأخذ منها الصور ثم رحل لوطنه وألف كتابا سماه ((الفن بقرطاجة)) (LArt a Carthage). لأن السيد (Max. Pol. Fouchet) توخى طريق الذين سبقوه وغالى فى الحكم على قرطاج حتى أنه لم يتحدث عن الفن البونيقى إذ لا وجود له حسب رأيه فقوله: ((الفن بقرطاجة)) يعنى الفن الاجنبى ((يونانيا كان أو مصريا الذي آوته قرطاجة)).
تلك هى نظرة بعض المؤرخين تجاه الفن البونيقى أى تجاه فن ينتمى الى تراثنا القومى. يعسر علينا مواكبة هؤلاء المؤرخين لأسباب عديدة: كيف يمكننا الحكم على الفن البونيقى أو له وقد عفت آثاره أو قل لم يصلنا منه حتى يومنا هذا إلا القليل. ذكرت النصوص القديمة تحفا بونيقية أخذها شبيعون غداة انتصاره على قرطاحة تحلى بها موكب نظموه بروما إجلالا للقائد المنتصر. بلغتنا أصداء عن تلك التحف البونيقية فى كتب تيت ليف و (Appien) و (Strabon) و بلين الاكبر. وقد شهد هذا الاخير أنه رأى تمثال الاله ملقرط مطروحا أمام رواق الامم (Portique des Nations) يبدو على ضوء هاته النصوص أن الرومان قد أخذوا ما طاب لهم من الكنوز والتحف البونيقية وحطموا ما عسر نقله أو ما لم يتماش وذوق القيادة الرومانية وقتئذ الامر الذى يفرض علينا ألا نتسرع فى حكمنا على الفن البونيقى ولئن حكمنا وجب علينا أن نفصح عن أحكام افتراضية نسبية ونبتعد كل البعد عن الحكم المطلق ونتجنب
الخطأ الذى ارتكبة فئة من مؤرخى أروبا لأسباب عديدة متباينه شعورية كانت أو لا شعورية.
ولكن فلنتوخ تلك الطريق التى سلكوها ونكتف بما أسفرت عنه الحفريات الأثرية وننظر فيها بامعان ونحكم لها أو عليها بكل تجرد وموضوعية. فما من أحد ينكر تأثير الفن البونيقى بالفنون الاجنبية التى سبقته او عاصرته. تبدو العناصر المصرية الفرعونية واليونانية جلية في ما سبكته اليد البونيقية ولكن يحدر أن نبرز فيها ما ينتمى الى دنيا البونيقيين والى التراث السامى المشاع (Patrimoine semitique commun) نلمسها جلية فى أنواط من صلصال طبعت عليها صور عديدة مختلفة اقتبس بضعها من عالم النبات وأخرى تحكى صور حيوانات برية أو بحرية كالدجاجة والديك والسمكة والدلفين كما نلمس العناصر البونيقية الاصل فى الاقنعة طفلية كانت أو زجاجية غير أن ستيفال قزال ينسبها إلى اليونان دون أدلة قاطعة فهو يكتفى بتدعيم كلامه قائلا: ((نكون قد ابتعدنا عن الواقعية إذا نسبنا خلق هاته الأشياء الى أناس لم يتركوا لنا أى دليل عن طرافتهم الفنية)).
أجل إن الآثار البونيقية التى أزيح عنها التراب حتى يومنا هذا لا تكفينا مؤونة لدراسة الفن البونيقى دراسة ضافية ولكن ما لدينا يحتوى على تحف تثبت كيان الفن البونيقى وجدارة البونيقيين بما تنطوى عليها لفظه ((فن)). لا أدرى كيف يستطيع مؤرخ أن ينطق بأحكام كالتى ذكرها ستيفان قزال وجلبار بيكار وغيرها إذا ما توقف بعض الوقت على كنوز متاحفنا القومية وجواهرها ترمز جميعها الى أناقة الفن البونيقى خاصة إذا كانت الاناقة هى الهدف المنشود. كنت أرجو أن أريكم نصبا نقشت عليه نخله اكمامها دانية وترى بيمين جذعها وشماله غصن حلبة (La lierre) تكاثرت أوراقها الجميلة وفى هذا الاطار الأنيق رفرف طائران علهما يريدان نقر الحلبه وأوراقها اللطيفة. هكذا فنصبنا تعلوه مسحة كلها خفة ولطف. إنها لصورة بسيطة لكنها ارتدت ثوب الجمال والرشاقة وخفة النقش فيها تتماشى وتنسجم مع لطف الحلبة ورفرفة الطائرين. كيف ننكر وجود روح فنية لدى البونيقيين ونصب النخلة نقشته يد بونيقية. ذكرت لكم مثالا من التحف التى توحى لنا بفن قرطاجة والامثلة عديدة فى متاحفنا القومية ويعسر علينا أن نتحدث عن جميعها فى لمحة وجيزة.
ومما جعل بعض المؤرخين يسخطون على الفن البونيقى تشبعهم بالحضارة اليونانية الرومانية حتى أصبحوا يستخدمون مقاييس تلك الحضارة كلما وقفوا على حضارة أخرى لاحظوا أن الفن البونيقى تعدى حدود المقاييس اليونانية فتنكروا له ونزلت صواعقهم عليه. نعم اقتبس البونيقيون عناصر مختلفة من
حضارات مختلفة إلا أنهم أبوا أن يقلدوها تقليدا أعمى بل أرادوا استخدامها لخلق فن بونيقى يعبر عن شخصيتهم وخاصيتها فأعطوا لما استعاروه طابعا محليا وكانت طرافتهم فى جمع تلك العناصر المختلفة ووضعها فى قالب بونيقى وخلق تحف بها روح بونيقية تتكلم لغة بونيقية الامر الذى يحتم علينا مخاطبتها بلغة بونيقية إذا أردنا الوقوف على ما تنطوى عليه. خاطبها بعض المؤرخين بلغة يونانية ونظروا فيها من خلال عدسة يونانية فأخطؤوا ولم يروا شيئا. خاطبوا الفن البونيقى بلسان يونانى ونظروا اليه بعين تعودت النظر الى التحف اليونانية وآمنت بكمالها وبوحدانيتها فى الكمال حتى ظلت عاجزة على تذوق فن تعدى حدود الفن اليونانى وعاكس قواعده.
فلم ير الفن البونيقى الاشياء دائما حسب قواعد الطبيعة فهو لا يصف تلك الطبيعة بل هو فن له علاقة متينة بالدين كما هو الحال فى غالب الحضارات العتيقة رائده التعبير عن الشعور الدينى وعن دقات قلب المؤمن. فاذا نحت البونيقى تمثالا فهو لا يريد من وراء ذلك خلق عالم فنى بحت تلك نظرة عصرية لم يتصف بها اليونانيون أنفسهم بل يسعى الى التعبير عن علاقته بربه ومعبوده طالبا منه سعادة الدنيا بتحقيق أمانيه ومتعوذا به من قوات الشر التى تهدد نومه ويقظته واذا مكننا تمثال أو نصب من لمس كل ما يخالج المتعبد من خواطر ومشاعر دينية وحياة داخلية شهد له ذلك بقيمة فنية عظمى وقد قام الفن البونيقى بمهمته هذه أحسن قيام إذ نشعر بحرارة بشرية كلما لمسنا نصبا من نصب التوفات لم ينظر مؤرخو الغرب الى الفن البونيقى من هاته الزاوية فكانت وقفتهم تجاه فن قرطاجة وقفة منحرفة تنم عن الخطا وسوء الفهم ولعلها تنم عن تلك النظرية العنصرية التى نشأت فى القرن الاخير فى عصر تمكنت فيه الاقطار الاروبية من السطو على الشعوب التى تنتمى من حيث الحضارة واللغة الى بنى سام. فتؤمن تلك النظرية بنقص لدى الشعوب السامية والحال أن الحضارة الغربية أو ما يسمونه بالمعجزة اليونانية مدينة الى الحضار السامية فلئن ولجت المتاحف اليونانية شعرت بوجود الشعوب السامية فيها ولا يتسنى فهم الفن اليونانى العتيق دون الرجوع الى جذوره الشرقية السامية هذا والدور الذى قام به العرب فى الربط بين العالم القديم والعالم الجديد دور عظيم لا يخفى على أحد.
يتبع م. ف.

