الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

داء الوساطة

Share

" .... بربك ، برحمة أبيك ، خذ بخاطري ، أقض لي حاجتى قضى الله حاجاتك .... أنا بين يديك ... طحت من السماء فجئت في حجرك ..... انت كل شئ الله من فوق وانت من تحت ..... اصنع ما شئت ، لكن لا تخيبني ...."

كلام طالما سمعته وسمعه كل من تولى مسؤولة بهذه الديار ! كلام الوسيط الذي " يزورك " طالبا منك ما يتعذر عليك قضاؤه ! الوساطة ! داء بلينا به منذ قرون مضت ، وورثناه عن اسلاف الانحطاط ، ووتده في اعماق نفوسنا العهد الحسينى والاستعمار حتى صار الناس يؤمنون بانه لا تقضى حاجة بدون وسيط ، وانه لا تحل قضية ولا يتحصل على رغبة بسواه ! وذلك في السهولة والصعوبة وفى الحق والباطل ، وفى الشرف والخساسة .... فلا ينال ذو حقه ولا يتمكن احد من تحقيق طموحه الطيب او الخبيث ، إلا بالمال او الجاه .

لقد اغلقت ابواب الرشوة فاسترجع الوظيف كرامته والموظف عفته ، وتطهر مقعد الحاكم والوالي والمندوب وجندي الشرطة . . . . لكن بقى داء الوساطة قائما بالذات في نفوسنا متملكا بها كالحن المتمرد الذى ينفلت منك كلما حاولات قبضه .

الوسطاء انواع مختلفة . فمنهم من يكتفى بتوجيه رسالة وجيزة او بمناداتك في الهاتف ، او بمخاطبتك في زيارة قصيرة .... تخلصا من امر أكره عله وانكره ضميره . فتبقى الوساطة صورية لا تأتى بنتيجة الا فى الاحوال العادية التى لا تحتاج لوساطة . ومنهم من يأتيك متوسلا ، مسترحما ؛ مستغيثا ، كأن سعادته تتوقف على قضاء تلك الحاجة . فيتلطف ، ويضطرب صوته ، وتدمع عيناه ، كي تشفق به وترأف

عليه . فاذا ارضيته ارتمى عليك ليقلبك ، وافرط في شكر فضلك . واذا رفضت طلبه انصرف كئيبا حزينا موقنا من انه ضحية صلابتك وقساوتك .

وهناك من يتوسط فيلح ، ولا تقنعه بياناتك وتوضيحاتك ، ولا يؤمن بحدود امكانياتك ولا برهافة ضميرك ، ولا بالجناية على مشروعك ، بل يستمر فى الحاحه الممل حتى ينفد صبرك وييبس لسانك ويتصدع صدغاك . فلا حياء يوقفه عند حد ، ولا عاطفة رقيقة يجرحها التوبيخ اللطيف ، ولا خلاص من مخالب زائرك الا بوعد مبهم كاذب او بطرده عنك ! وقد لا يفيدك ذلك ، فيكرر السيد زياراته وإلحاحاته ، ويستنجد بجيش من أمثاله ويسلطهم عليك ، حتى تغلب على امرك وتقضى حاجته كرها .

وهناك من يتوسط متوقعا انك ستسرع فى ترضية طلبه ، متشكرا لله على الفرصة الطيبة التى سمحت لك بقضاء حاجته ! فيأتيك رافع الراس والذقن ، منتفخ الصدر والحلق ، مبتسما ابتسامة الموقن من النتيجة ، ويخاطبك من منبره المرتفع ، متنازلا ، موجزا في القول ، مشيرا لك على سبيل التذكار الى انه السيد فلان او انه آت من طرف السيد فلان ! اني اترك عادة هؤلاء الطواويس يوترون اذيالهم وارياشهم المتلونة ، حتى يحين وقت النزول بهم الى الواقع والرجوع بهم الى الباب الشرعى الذي يدخله كل الناس . فيبتهون من معاملة تفاجئهم ، وكثيرا ما يترعجون ويغضبون ويمتلىء صدرهم غلا ، ويضمرون لك مكيدة ... سيطرقون باب من هو أوسع منك ذراعا ! سينتقمون منك ! من انت ؟ وما الضمير ، وما الواجب ، وما الصالح العام وما الكرامة .... إزاء حاجاتهم وابسط شهواتهم ؟ .... قد ينفش البعض منهم ويهبط من منصته السماوية ، ويتذلل ، ويتلطف ، ويتضرع ، ويلح .....

وهناك من يتوسط فيطنب في مدحك الى اقصى حد في المداهنة والنفاق .... فانت سيد الناس ، وانت الرمز الفذ لما خلقه الله من محاسن فى طينة ابن آدم ، وانت ولي النعم وصاحب الكلمة والقول .... فالحمد لله الذي ارسلك رحمة للناس على رأس هذا المشروع ووفقك الى اسعاف اخوانك المسلمين ...... أني أوقف حضرة الزائر قبل ان يتخذني ربا ويسجد لي ، وارجعه الى الموضوع الذي من أجله اتانى ، فيطرقه بعزم

وثبات ، كأنه يقول : " ألست الآن مدانالى ؟ ألم أرفعك الى عنان السماء ؟ ألم أكسك أجمل الحلل ؟ فكيف لا تعيرنى سمعك ولا تصغى لطلبي ولا تقضي حاجتى البسيطة ؟ ... "

الوساطة أصناف ، ومن لم يذق أمرارها المتنوعة لا يتصور عفنها القاتل ولا سيئاتها الشنيعة . كيف الدواء ؟ لست طبيبا ولا فيلسوفا ولا سياسيا قادرا على فحص هذه المشكلة الاجتماعية وحلها ! ما أنا سوى مواطن ألقيت على كاهله مسؤولة فوثبت عليه جيوش . من الوسطاء ، يعطلون اعماله ، ويفسدون ما يحاول ان يصلح ويشوشون فكره وضميره . وبما اني أتجرع مر هذا الداء كل يوم او اكاد ، وبما انه اخذ منى مأخذا عظيما حتى صرت لا أجد عليه صبرا ، فانى فكرت فى توجيه ندائين ، نداء الى الوسيط ، ونداء الى من يقضى حاجة الوسيط.

ايها المواطن ، ايها الاخ الذي تطرق بابا لتتوسط في قضية ، من تلقاء نفسك او بالرغم منك ، هل تفكر في الضرر الذي يمكن ان ينال المجتمع من ترضلة رغبة غير شرعية ؟ قد تغفل عن ذلك ولا ترى الا المصلحة الفردية التى تخدمها . لكن هل يمكنك ان تخدم مصلحة فرد بمضرة المجتمع ؟ إذ لا يسعد الفرد في مجتمع تعس ، ولا يتوفر الغناء لفرد فى مجتمع فقير ولا الصحة في مجتمع عليل ؟ وكيف يرتفع مستوى الحياة لمجتمع اذا عبث كل فرد منه بنظامه وقوانينه ؟ ان كل من زار الاقطار الشمالية لاروبا ( السويد والنرويج والدنمرك .... ) رجع معجبا بخضوع الناس الى النظام عن غير ضغط بل عن طيب نفس . فبفضل الخضوع للنظام واحترام القوانين ، بلغ هؤلاء الشعوب درجة من الرقي ما بلغها احد قبلهم . ليست هذه الامم أطيب طوية ولا ازكى نفسا من غيرها لان الطيب والخبث فى كل انسان . غير ان هؤلاء الناس فهموا معنى المصلحة الفردية حق فهمها واتضح لهم جليا ان المرء لايجنى ثمرة من مجتمع الا اذا خدم ركابه وصان كيانه وخضع لنظامه . فاذا رغبت لنفسك او لغيرك فى منصب بدون استحقاق ولا كفاءة ، حرمت أخا لك من مركز أعد له ، وحرمت المجتمع من عنصر خصب وعوضته بعنصر عقيم . واذا توسطت في قضية عدلية لانقاذ احد من عقاب فرضه القانون ، أوقعت الحاكم في خصام بينه وبين ضميره ، وأضعفت سلاح

المجتمع فى مقاومة الخبث والعبث وقد يأتي يوم تكون انت نفسك ضحية هذا الضعف . لا فائدة فى تعديد الأمثلة ، يكفى ان نقول ان المجتمع يزدهر اذا اخلص له افراده فينال خيرا كل فرد منه . ويتعس اذا عبث أفراده فينحط وينال شرا كل فرد منه . لا مناص لك من هذه الحقيقة الاولية التي تفرض نفسها على كل ذي عقل سليم . وحبذا لو تذكرتها كلما فكرت فى ان تكون وسيطا!

ندائي الثاني أوجهه الى كل ذي أمر منا فأتوسل اليه حتى يغلق بابه في وجه كل وسيط ، وان يثبت في رفضه كل طلب غير شرعى رفضا باتا لا رجوع فيه . لا اعرف دواء آخر لمرض الوساطة في الظروف الحالية . ما زلنا بعيدين عن الوعى بالواجب نحو المجتمع وما زالت منغرسة فينا الاثرة ! إننا نؤمن بواجباتنا نحو المشاريع الاجتماعية والقومية إيمان من ينطق لسانه بكلام لا يحرك في نفسه ساكنا فنتشدق بالعبارات الضخمة الجوفاء التى لا تجد أي صدى في عقولنا ولا في قلوبنا . واذا اقتضت مصلحتنا الفردية ( ! ) ان نعبث بمبادئ عالية طالما قد سناها قولا ، فاننا نخونها ونرغب في بلوغ هدفنا الاناني مهما كانت التكاليف .

إذن وجب قتل الوساطة بغلق الابواب التى يطرقها الوسيط ، ريثما يتعود الناس سلوك الطريق الشرعي ، ويتحقق وعيهم بما ينبغى ان يسمى بالصالح الفردي ! لا إخال هذا الموقف عسيرا على صاحب المسؤولية . الضمير عصاه والقانون سلاحه . وحبذا لو فرض كل رئيس على نفسه وعلى كل مرؤوس له تحريم الوساطة بتاتا !

وقد يبقى ندداآي حبرا على ورق وقد لا يجدان أذننا صاغية ولا قلبا واعيا ! فيكون مقالي مجرد صيحة انطلقت من صدر عليل يئن من داء الوساطة ! لعل هذه الصيحة تريح نفسى نوعا ما . ولعلها تريح بعض صدور اخرى تتجرع نفس الامرار ، ولعلها تثير بعض الانفس وتحرك بعض العزائم ، ولعل داء الوساطة ينال ضربة ما ... أودها قاسية عليه وقاضية على خبثه اللعين !

اشترك في نشرتنا البريدية