دائرة المعارف : هى الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية إنسكوبيديا ، وهى كما يبدو : تتركب من مقطعين اثنين : أنسكو ى دائرة . وبيديا : أى معرفة أو تعليم
واليونانيون الاوائل ، كانوا يطلقون هذا الاسم على الفنون السبعة التى كان الناس يتعلمونها في القديم وهي : النحو والبيان والمنطق ، ثم الحساب والهندسة والفلك ، ثم الموسيقى . .
والظاهر أن الفنون السعبة الاولى ، تمت إلى العلوم الادبية واللغوية بصلة نسب وشيجة . فالنحو : هو البحث في أواخر الكلم من حيث الاعراب والبناء ، والبيان : ايراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح للدلالة على المعنى المراد والمنطق : هو القانون الذي يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في التفكير ، والثلاثة التالية : تنتمى الى العلوم التطبيقية والبحثة ، أما الموسيقى ، فتنحاز إلى جانب الفنون الجميلة التى هى عماد هذه الفنون جميعا .
على أن الناس كانوا في العصور القديمة ، لا يعدون الرجل عالما ، ما لم يلم بهذه الفنون السبعة كلها ، ويؤلف فيها ، ويعرف دقائق كل علم منها . وما ترمي إليه جل هذه الفنون ، لذلك لم يكن غريبا آن نرى رجلا مثل : أرسطو يؤلف في الفلسفة والاخلاق والمنطق والخطابة والنفس والنقد الادبي ، بل في الحيوان والنبات أيضا .
ولقد شاعت هذه الفكرة الجليلة في العصور الوسطى ، فكان الرجل لا يعد عالما ، الا إذا ألم بسائر العلوم المعروفة في عصره ، وأحاط بشتى مناحيها المتشعبة ، حتى لقد عرف الادب ، بأنه : الاخذ من كل شئ بطرف ، وكان اكبر ما يفخر به العالم ، أن تكون له مشاركة في هذه الفنون المختلفة ورأى فى اتجاهاتها المتباينة .
أما في العصور الحديثة ، فقد اتسع مدلول العلوم وازداد ، حتى أربت على الالف عدا ، وأصبح من العسير على الفرد الواحد ، آن يلم بجميع الفنون المعروفة فى عصره ، كما كان الحال قديما ، وصار التخصص ، لا المشاركة ، هو طابع العصور الحديثة ، وأصبح أكبر ما يفخر به العالم ، أن يكون إخصائيا فى فرع من فروع المعرفة .
ولما تعددت العلوم وتشعبت ، وغدت مبعثرة فى الكتب المختلفة ، وأصبح اقتناء هذه الكتب المتعددة ، أمرا عسيرا على الباحث والدارس ظهرت الحاجة إلى جمع شتات هذه العلوم فى كتاب واحد ، يرجع إليه للحصول على المعلومات الموثوق بها في أى فن يطلبه ، ذلك الكتاب الواحد ، هو : " دائرة المعارف " التى رؤى ترتيب المواد المختلفة فيها على حروف الهجاء ، حتى يتسنى للباحث الوصول إلى بغيته فى يسر وسهولة ولذلك يمكن تعريف الدائرة : بأنها مرجع يشتمل على سائر فروع المعرفة الانسانية مرتبة ترتيبا هجائيا .
وهنا يتبادر إلى الذهن هذا السؤال ، وهو ما الفرق بين دائرة المعارف والقاموس ؟
الفرق ظاهر بين الدائرة والقاموس هو : ترتيب المواد فى كليهما بحسب حروف الهجاء ، بيد أن القاموس يرتب الكلمات بترتيب اصولها بعد تجريدها من حروف الزيادة . وغير ذلك فالفرق كبير بين دائرة المعارف والقاموس ، ويمكن حصره فى أمرين
أولا : ان القاموس يبحث فى الالفاظ : اشتقاقها وهجائها ونطقها ومعناها باختصار ، أما دائرة المعارف ، فتبحث فى ثلاثة أشياء
(أ) الموضوعات (ب) الاعلام (ج) البلدان .
ثانيا : ان دائرة المعارف ، تجيب دائما على ستة أسئلة تبدأ : ب ما - من - اين - حتى - لماذا كيف . فمثلا كلمة " الراديوم " يكتفى القاموس فيها بذكر أنه عنصر كيماوى ، فى حين أن دائرة المعارف تحادثنا عن : ما هو الراديوم . من الذى اكتشفه - أين يوجد - متى اكتشف كيف يستخدم .
والواقع . أن جماع الرأى يتركز في الإجابة على هذه الاسئلة الستة التى نظمها الشاعر الإنجليزى كبلنج في أبيات مشهورة هي . بعد ترجمتها ،
لى ستة خدم علمونى كل الاشياء أسماؤهم : ما ، وأين ومتى ، وكيف ولماذا ومن
ومن الواضح أن لدائرة المعارف أهدافا جليلة ، ومرامى خطيرة ، أولاها بالذكر : عرض الحقائق الهامة عن الانسان والعالم الذى يعيش فيه ، والأعمال التى قام بها ، والافكار والآراء التى توصل إليها دون ما تحيز أو ركون لرأى شخص ، وبلغة سهلة ، قريبة التناول ، لا تتأبى على ذوق العامة ، خالية من الرتوش ، غير محشوة بركائز التزويق وزخارف التنميق .
ومما يستحق الذكر ، أن التاريخ لا يستطيع إغفال الرواد الاوائل هي هذا المجال . وهم العرب الذين يعدون من أعلم العلماء بفن الدوائر ، والمبرزين فى الموسوعات ، وإن نسي التاريخ لا ينسى : أبا نصر الفارابى الذى تناول كتب أرسطو ، واستخرج معانيها . ووقف على اغراضه فيها . حتى وصفه ابن خلكان بأنه : صاحب التصانيف فى المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم ، فضلا عن أن كتاب إحصاء العلوم " والتعريف بأغراضها مما لم يسبق إليه ، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به ، غير كتب أخرى ، تدل على أنه كسان طبيبا ورياضيا وعالما بالتنجيم ، وموسيقيا ممتازا
وترجع مكانة ابن سينا في دائرة المعارف إلى أنه كان كاتبا موسوعيا دون العلوم للأجيال اللاحقة ، وتصنيفه كتاب : " الشفاء بعد دائرة معارف وحده ، غير كتاب : " القانون " فى الطب الذى يعتبر المرجع الاوفى فى اصطلاحات هذا العلم .
على أحمد النويرى مؤلف كتاب : " نهاية الارب فى فنون الأدب " يعد أكبر موسوعة علمية ، ألمت إلماما واسعا بالطرائف
والمبتكرات ، مما جعل كتابه نسيج وحده ، وركيزة الادباء والباحثين فى كل عصر ،
ولقد جاء كتاب : " صبح الاعشى فى كتابة الانشاء " للقلقشندى ، بالمعلومات التاريخية والجغرافية التى تدور كلها حول تاريخ مصر وسوريا مما يسلكه فى المراجع الهامة لتاريخ البلدين ، ويعتبر في عداد الموسوعات
أما في العصور الحديثة ، فان أول محاولة لوضع دائرة معارف ، هى دائرة معارف البستانى التى انشأها المعلم بطرس البستانى عام 1876 يعاونه ابنه سليم أفندى ، وقد وصل فيها إلى مادة " عثمانية " وطبع منها أحد عشر مجلدا ، وأعيد طبعها على مطابع بيروت .
وفى أوائل القرن العشرين ، قام الاستاذ محمد فريد وجدى بطبع دائرة معارف القرن العشرين ، وهى تقع فى عشرة مجلدات .
غير أننى آخذ على هذه الدوائر كلها ، أنها ثمرة جهاد فرد ، وكفاح رجل تنقصه الإمكانيات الادبية والمادية ، فلا يعقل أن يضطلع إنسان واحد ، مهما بلغت درجته ، وسمت ثقافقه بالتأليف والترجمة فى سائر فروع المعرفة الانسانية فى عصر تشعبت فيه العلوم ، وتعددت اتجاهاتها ، بحيث لا يستطيع الكتابة فى المادة الواحدة ، إلا من تخصص فيها وعكف عليها ، وبذل جهودا مضنية فى سبيل الاحاطة بها ، وعجم أعوادها .
ولذلك لا يمكن أن يتصدى لدائرة المعارف فرد بعينه ، أو هيئة تنقصها الامكانيات ، أو يعطل من عملها " الروتين " ، وانما ينهض بهذا العبء ، الذى هو دين فى عنق أبناء العروبة فى شتى البقاع . جماعة خالصة مخلصة لوجه العلم ، لا يثنيها شىء عن البحث ، ولا يصرفها الجليل من الامور عن المضى فيما ندبت نفسها له ، ليخرج المشروع إلى حيز الوجود ، كما أخرجته أمم ، تطلعت إلى السبق ، وتعلقت بالمجد ، وعملت بكل جهدها على إثبات مكانها على مسرح الوجود .

