ادت دادة فاطمة صلاة العصر وتربعت على سجادتها ثم تناولت سبحتها لتذكر اسماء الله الحسنى عشرين مائة مرة . فهى تدعو الله كل يوم وتبتهل له كى يسدد خطى ذويها واخوانها فى الدين ويدخلها جنة الخلد ويهلك الكفرة الفجرة . امين .
اطرقت رأسها خاشعة وتمتمت يالطيف ويالطيف ، يارحيم ويارحيم . يالطيف . ثم تركت ابهامها يدفع حبات سبحتها فتمر هينة على سبابتها وتقع متزاحمة في كفها العريض اليابس . نظرت بعد حين الى بيتها فوجدته بسيطا نظيفا قد نظم فقره تنظيما . فلقد برزت في جنوبه صور البراق تقابل السدة حيث رتب حصير وكليم وبطانية ملونة قديمة ونظمت تحتها قدر طينية ومثرد خشبى ومزود وصندوق مراكشى اسود ذو مسامير صفراء كبيرة . اما القسم الشمالي فلقد استقامت فيه خزانة خشبية رشقت في زاوية مرآتها العمياء صورة شمسية قد اصفرت جوانبها وانحني جزءها الاعلى حتى كاد يخفى محتواها .
انعمت ادة فاطمة النظر في محيطها فشعرت لأول مرة بضيق في بيتها . شئ غريب جديد . نظرت ثانية لتدرك ذلك فتيقنت ان وحدتها حقيقية وان بيتها كاد يصبح سجنا . فتعوذت من الشيطان وقامت ثم قصدت فناء منزلها فاستنشقت الهواء بملء رئتيها وداعبت عيناها الجدران وطاقاتها و " النوالة " وبيت " العول " عادت الى بيتها وهى تذكر اسماء الله الحسنى ثم توجهت الى الصورة فسوتها ونظرت اليها فتجعدت ناصيتها وارتفع حاجباها . تعلقت بشخصها . فكان احدهما شيخا معمما عملاقا قد ارتدى صدرية سوداء وسراويل جزائرية فضفاضة يكاد مؤخره يدرك الارض . فلقد تقاعس وظهر على وجهه الجد والإعتناء وطغي التهندم على هيئته . ذلك زوجها السيد الحاج محند امام عدسة المصور . انه يلهم الضحك لانه قد بالغ في تجميل نفسه وعرضها حتى خلت صورته من كل طريف طبيعي . فطغت سذاجته على تواضع ابنه مسعود الذى وقف بجانبه معتدلا منحنى الراس . فبدا لامه انه من اهل الوزر
الذين خلقوا ليحملوا عبء عصرهم . انه ابن امه . فعيونهما زرقاء وناصيتاهما عريضتان مجعدتان وانفاهما يشابهان منقار العقاب وذقناهما حادان قويان . فهو لا يختلف عنها فى شئ سوى ان بشرة وجهها قد ذبلت وكثرت تجعداتها فجرت في الحنكين وحاصرت الانف وتكاثرت في الذقن والعنق . لكنها لا تزال تحتفظ بما تميز به من صبر عنيد ومن عزم هادىء .
تنهدت دادة فاطمة وتركت الصورة وعادت الى سجادتها لكنها ترددت ثم خرجت مسرعة وتوجهت الى فرجة لتطل على القرية . كانت تلهث وتتحذر خشية عيون مخفية ترمقها لأنها تقترف ذلك الذنب الأول مرة فى حياتها . وقفت وكادت تعود الى بيتها لكنها هرولت نحو الفرجة واستكشفت القرية . يا غلبتى ! لقد رات امرأة تسرع ، سافرة ، نحو منزلها . كانت حافية القدمين قد ارتدت " ملية " تونسية وحملت في يدها اليمنى سلة كبيرة . اخذت تهرول بغتة وتنظر وراءها وفجأ عاجت الى اليسار ودخلت كوخا مهدما . خرجت منه سريعة واخذت تنادى
- دقازة بالسبحة . . آنا دقازة بالسبحة . . هذى دقازة بالسبحة . .
وازداد صياحها ثم وقفت ومدت يديها نحو شخص لم تره دادة فاطمة . ظلت الغريبة فى مكانها وجسمها يميل ويتمايل يانعا مغريا حتى أطلت عليها فرقة عسكرية . فتقدم نحوها الضابط فخاطبها ثم ادمج يديه في صدرها وجس خصرها وظهرها ورفع " مليتها " عن فخذيها وفتش قفتها . تركها لكن جنديا اخر ارتمى عليها وفك حزامها دون ان تبدى حركة وكاد ينزع " مليتها " غير ان الضابط ناداه ضاحكا وامره بتركها . كادت دادة فاطمة تختنق فارادت ان تصيح لكنها خشبت ان تصبح عاهرة مثل تلك المرأة . فلو ظلت في منزلها مستورة مثل كل مسلمة لما نالها مكروه . رجعت دادة فاطمة الى بيتها واسرعت في ذكر اسماء الله الحسنى لكن صورة تلك الفتاة الجميلة ظلت تتابعها وتزعج ذكرها . ارادت ان تتناساها فنظرت الى محيطها والى السماء التى احمرت أفقها معلنة عن غروب الشمس . لكن دون جدوى . قامت وعادت الى الفرجة فلم تر غريبتها ، فتلوعت عليها . وما كادت تتنهد حتى رأتها تخرج من الكوخ وتتوجه نحو منزلها عازمة هادئة حتى بلغت الباب . ترددت قليلا واصلحت هندامها ثم صاحت
- دقازة بالسبحة . . دقازة بالسبحة تأتيك باخبار الاحباب في الغربة وتفتح فى وجهك باب الفرج بعد الشدة .
سكتت ونظرت حولها ثم دفعت الباب بشدة فوجدت دادة فاطمة واقفة وراءه غاضبة مهاجمة
- أه يا فاجرة . . يا كافرة . فى هذى الدار ما ثمة عندنا عار - سامحيى يا دادة . فاطمة
- هه ! وما عرفك باسمى ؟ - أنا دقازة يا دادة . لا تصعب على معرفة الغيب وهموم الناس وفرحتهم .
- هذا علم جديد . لا يعلم الغيب الا الله . اذهبي يا فريسة العساكر . - من خبرك بهذا ؟
- أنا رأيت كل شئ من ..
ولم تشر الى الفرجة لانها ادركت انها مذنبة مثل تلك الغريبة اذ انها تجاسرت على النظر من الفرجة . فتلعثمت لكن الغريبة بادرتها
- أنا عمرى ما كنت فريستهم يا دادة . فلو عيطت ازيد فى الطين بلة ويكثر غضبهم على . ما وراءهم خوف اذا كانوا جماعة .
- يظهر عليك خبيرة فى العساكر . هم ! هم ! يظهر انك غريبة ؟ - انا تونسية من قبلى . وصلت الجزائر من سنين وصعب الخروج منها من اجل الحرب . وعلى كل حال الجزائر بلادى مثل تونس .
لفظت جملتها الاخيرة بترفق فيه حزن واستعطاف فرق لها قلب دادة فاطمة . فوجدتها جميلة مسكينة
ادخلى يا بنيتى . . ادخلى ، ضيافة النبيء ثلاثة ايام .
وفتحت لها الباب واسعا وقادتها الى بيتها . نظرت اليها مليا فوجدتها جميلة لطيفة . فكان يشع من وجهها نور ولازمت شفتيها ابتسامة فيها جاذبية وطمأنينة . انها " تحفونة " تكاد لا تخفى شيئا من نفسها . وتيقنت ة فاطمة ان مسعودا لو رآها لعشقها من أول نظرة . سألتها
- ما اسمك يا حبيبتى ؟ - اسمي مسعودة
- هه ؟ اسمك مسعودة . هذى والله صدفة . - ايوه ، مثل اسم ولدك .
- كيف عرفت اسم ولدى ؟ انت مخيفة يا بنيتى . الله يسترنا منك . - لكن انا اعلم الغيب . اجلس اخبرك عن ابنك وزوجك الحاج محند .
فازداد ارتياب دادة فاطمة . ابتعدت عنها تلقائيا وظنت ان صاحبتها جاسوسة ارسلها الجنود لتستخبر عن زوجها وابنها وما عسى أن يكون وراءهما . فساد سكون واحتارت دادة فاطمة . فكيف يمكن التخلص من هذه الغريبة ؟ ألم يوصها ابنها ثم زوجها ان تتحذر متى سالها سائل عنهما ؟ الآن قد فهمت موقف العساكر منها . فهى عميلتهم وليس المشهد الذى رأته من فرجتها الا لذر الرماد فى العيون . لكن لم تعمل هذه الجميلة اللطيفة جاسوسة ؟ يجب التحذر منها الآن ثم تقدمت نحوها فانزعت مسعودة من موقف دادة فاطمة وسكونها فبادرتها
- اظن شكك في يكثر . انا عمرى ما كنت جاسوسة على اخواني فارتعشت دادة فاطمة وكادت تصيح . لكنها هدات روعها .
- كيف عرفت ولدى وزوجى ؟
- أنا قلت أعلم الغيب . أنا اقراه فى عينيك وفي كفيك وقلبك . صلي على النبيء واجلسي ومدى يديك يا دادة ، ربى يهنيك وبالفرج ياتيك . اجلسي ، اجلسي .
فرن كلامها جذابا آمرا فانقادت دادة فاطمة ومدت يديها .
- دادة صلى على النبيء - صلى الله عليه وسلم .
- دادة قلبك ولعان يفكر فى الفرسان ، الله يرجعهم سالمين . قولي امين .
- آمين يا رب العالمين .
دادة واحد اسمه مسعود شاب يدافع عن الشرف والارض والجدود . الله يحميه من الشر والاعادى . اذكرى سيدى عبد القادر .
- يا سيدى عبد القادر .
يادادة زوجك علالة ، شيخ نبيه تركك ومشي لنار المدافع لتحيا الجزاير ويعيش الحق وتموت المنافع .
دادة ابنك وزوجك في ...
ثم اطرقت رأسها حزينة . فبادرتها دادة فاطمة في وعكة . في خطر قولي :
فحركت رأسها مؤيدة ثم اضافت
- ... انا أرى ولدك ينادى . ويصيح يادادادة ارحمى بلادك وبلادى . اذا عسعس الليل وقصدك اخوانى معاهم عتادك وعتادى ، احفظيه وما تسلمي في امانة الوطن
فاضطربت دادة فاطمة وفقدت وعيها ما يعنى بعتاده وعتادى ؟
- سلاح يأتى به الليلة اخوان ويضعوه فى دهليز بيت " العول " استقامت دادة ثم عاد اليها شكها . حدقت في صاحبتها فلاحظت ان عينيها مخلصتان صادقتان لكن وجهها اخذ يصفر ويذيل . مدت لها يدها لتقودها الى بيت " العول " لكنها رفضت ووضعت يدها على بطنها ثم اطلقت " زخرة " متألمة
- ما بك يا بنيتي : لا شئ ، والله ، لا شئ
لكن دادة فاطمة تقدمت منها ولمست بطنها ثم شهقت - انت حامل يا بنيتى . حاملة يا ربي سيدى . هيا معاى الى السدة - لا . لا . عدى الجماعة وصلوا . هيا نمشى نترقبهم قرب الباب . قولي ، انت عرفت مسعود والحاج محند ؟ - ايه . انا اخدم مع جماعتهم من مدة .
- لكن الطفل .
فلم تجبها بل تقدمتها الى فناء المنزل واضعة يدها على بطنها . ظلتا ساكتتين تفكر كل منهما في الاخرى ثم تجاذبنا حديثا حزينا عن الحرب والقرية وتونس ويوم النصر .
- دادة ، السلاح هذا لا تسلميه لاحد . ولو لمسعود او الحاج محند . . لا يسلم حتى للنبيء محمد الا اذا كنت انا حاضرة .
ترددت دادة فاطمة واستغربت من فحوى صاحبتها لكنها قبلتها مقتنعة . شعرت ان دافعا خفيا جبارا يدفعها الى استبثاق تلك الفتاة . تركت نفسها ترضخ لذلك العامل الداخلى متيقنة انها بداية البلوى .
كانت الليلة مظلمة باردة فتناولت دادة فاطمة بطانية ووضعتها على ظهر مسعودة التى كانت ترتعش وتتألم ساكنة كانت النجوم تلمع فى السماء وكانت القرية ساكنة لا يزعج هدوءها سوى طلقات مدفعية بعيدة تنبئ عن معارك تجرى فى المناطق الجبلية المجاورة . وكانت الافق تلتهب من حين لآخر ثم تعود اليها ظلمتها الدهماء . وفجاة ارهفت مسعودة السمع وحبست دادة فاطمة نفسها . سمعتا عوائين تبعهما صفير . فردت مسعودة بالمثل على تلك الاصوات . ساد سكون تبعه مواء . فردت مسعودة ثانية على ذلك . وما كادت تنتهى حتى دخل عليهما مجاهد وبيده رشاش
السلام على اهل الخير . متأسفين على تأخرنا يا مسعودة . اين الدهليز يا دادة فاطمة ؟
فقادتهما الى بيت " العول " حيث رفع المجاهد صخرة كبيرة مخفية تحت التراب . فبان الدهليز مظلما مخيفا باردا ، يقود الى بيت قد سدته حجرة رومانية ثقيلة تبدو للغريب عن المكان كانها جزء لا يتجزأ من الحائط . فيقل ان ينتبه احد انها باب عندما توصد . وقفت عندها دادة منتظرة المجاهد الذى خرج مع مسعودة . عاد يتبعه مجاهدون كثيرون قد حملوا على اكتافهم صناديق ضخمة . ظلوا ينظمونها بالبيت الداخلى ودادة فاطمة تنظر اليهم مشتاقة محتارة . فخيل اليها أن دهليزها قد حوى سلاح الجزائر كلها . لاحظت بعد حين ان الجنود اخذوا يحيونها بقدر ما كان عددهم يقل حتى اقبل عليها قائدهم فاغلق الدهليز وغطاه بالتراب ثم خاطبها
- بالسلامة يادادة . . لا تنسى وصية مسعودة . هذى قبلة من عندها واخرى من عند الاخوان . الله في عونك .
- لكن مسعودة حامل يا وليدى . يلزمها تبقى وتستريح . لا تتركها تمشى . - راحت وعديها قربت من الغابة .
يا وليدى رجعها . هي حامل يا وليدى .
- بالسلامة يادادة . . الله معاها ومعانا . لعلها ترجع لك . لعل لاخذ الاسلحة . ثم خرج من البيت ودخل فى الظلام . فلحقته دادة فاطمة متعثرة
- يا وليدى . اترقبني اوصيك لمسعود والحاج . يا وليدى بالله .
لكنها لم تجد له اثرا فلم تر الا الظلام يحيط بها ويلتهم رجاءها . طأطأت رأسها حزينة وشعرت بطمأنينتها تهرب عنها . فلقد جعلها هولاء الاخوة الغرباء تحس بأنس وبجو فيه عطر وحرارة . فظهر البها ان محيطها يفرغ شيا فشيئا يكاد يوحى الفراغ الى نفسها . وبغتة تذكرت الاسلحة . فشعرت بدمها يفور في عروقها . فلو لم تكن بالدهليز لارتمت عليها وتحسستها بجسمها وعقلها لتستزيد من ذكرى أهلها ولتقتل شعور الوحدة الذى كان يخيم على نفسها . تذكرت بعد حين كلمة القائد المتعلقة بمسعودة . فتساءلت عما يعنى . هل يعنى ان عودة مسعودة غير مضمونة . وعودة ابنها وزوجها ؟ لكن لا فائدة في اجهاد النفس . سوف تترقب كما فعلت طول حياتها . وسيكون جهادها الاستسلام .
مرت الايام وكادت دادة فاطمة تنسى كل شئ . رجعت اليها طمانينتها التي تحولت سريعا الى تشخيص فيه استسلام يظهر العالم من ورائه تافها بليدا متواكلا فلم تلاحظ دادة قدوم الربيع ولم تسمع تغريد الحمام الذي استقر قرب بيت " العول " فلقد ذبل نظرها ولم يرق لها حتى النظر الى الافق عندما تغرب الشمس . فكانت ترى فيها صورا غريبة جميلة تتمازج وتتناطح وتتفرق بطيئة او هاربة كأنها مخلوقات تمشى فى الفضاء الذى يعكس صور الارض والقرية اللتين لم ترهما منذ ان دخلت بيتها عروسا .
شعرت لأول مرة ان حالها هو حال المرأة المسلمة . لقد كتب عليها ان تعيش ثانية ثانوية لا تعرف من الحياة الا القنوط . فلا هزة ولا لوعة .
لكن هل يعني ذلك انها تريد ان تصبح مثل مسعودة ؟ كلا . كلا . ان مسعودة ليست مسلمة . انها كافرة لانها تحمل حراما في بطنها . فالمسلمات لسن مغامرات . لكن مسعودة مغامرة اذن فهي كافرة . مسعودة زانية اذن فهي كافرة . مسعودة سافرة اذن فهي كافرة . ان كفرها مثلث لا يغتفر . ارتاحت دادة الى نتيجتها الاخيرة فشعرت بروحها تحيا اثر ذلك النزاع بين عقلها ودينها . ألقت نظرة على فناء المنزل فرأت الحمام يستعد للنوم . قصدته مرتعشة . الحمام هنا ! لقد عاد بعد غياب طويل . فلقد هرب من الحرب - ولكن هذه لا تزال قائمة . ترحى الاباء والبنين ؟ قبضت على حمامة فقبلتها ثم تركتها عائدة الى بيتها مفكرة . لقد وجدت الحمام واقعا على الحائط عندما وصلت عروسا الى بيتها . فظل يأتى كل سنة فى نفس الفصل . فكانت تنتهز وصوله لتحيى مع زوجها ذكرى زواجهما . فكانت تبخر البيت وتتعطر وتلبس أجمل حليها وتطهى احسن اكلة ثم تجلس قرب الحاج عاشقة ساكنا مخلصة فلا تستحي من ابنها مسعود عندما يداععبها - يا عروسة ما احلاك من أى بر جئت ؟
- من بلاد العين والزين . هى اتحب ازوجك بغزالة حتى تفرح الاميمة ويبرم الحاج " شلاغمه " ؟
فيقاطعها الحاج :
- اترك هذى العجوزة يا والدى . هي عروستي انا يا ولدي يا مسعود ثم يتقاعس مغرورا . ما احسن تلك الايام ! لقد ذهبت مع الشباب
والسنوات الخصبة والمسلمين . يا ليتها تسمع صوت الحاج قبل ان تنام . آه تلك هواجس . أطفأت شمعتها واستعدت للنوم . فما كادت تغمض عينيها حتى سمعت صوتا يناديها . فارهفت السمع ، فإذا ببابها يطرق واذا بصوت ينادى
- يا فاطمة . . يا فاطمة
ثم ساد سكون . انها الهواجس وتأثير السن والوحدة . فتعوذت من الشيطان واغمضت عينيها . لكن الصوت عاد حزينا وظل ينادى رتيبا هزيلا . نهضت دادة وقصدت فناء المنزل ثم اصغت فكان الصوت يشابه صوت الحاج محند . لكنه صوت مخيف فاشل
يا فاطمة . يا فاطمة . افتحي الباب يافاطمة .
فهرولت الى الباب وكادت تفتحه بكل ما اوتيت من قوة لكنها ترددت لانه خيل اليها انها سمعت اصواتا تهمس وخطى تبتعد .
اتكات على الباب وقالت الحاج ! انت هو ؟
- فاطمة يافاطمة افتحى الباب - من معك ياحاج ؟
انا وحدى . وحدى . افتحى الباب . انا وحدى . ففتحت الباب فرأته واقفا وبيده عصا .
- اين سلاحك يا حاجاج ؟ اين مسعود ؟ لم يجبها ودخل المنزل متعثرا ثم قال متلعثما
- تركت سلاحي عند الاخوان . مسعود لاباس عليه . . لاباس وأضاف
- الليلة ليلة زواجنا . هنئ بالك ولكن انا مسافر الليلة . - الى اين ؟
- راجع الى الاخوان بعدما اتفاهم معك تتفاهم معاى ؟ وفي أى شئ ؟
- في الامانة الموجودة عندك ... في السلاح . لاحظت ان كلامه يزداد تلعثما كلما ذكر السلاح والاخوان . فاجابته متحذرة
- ما عندى سلاح يا حاج .
اقترب منها قليلا ومد يده . فكانت ترتعش . حدقت فى وجهه فوجدته ضعيفا قد قلت لحمته وبرزت عظام فكيه وذبلت عيناه تكاد لا ترى . فاستنتجت ان طباخي المجاهدين لا يحسنون الطهى ولا يعرفون كيف يحضرون اللقمة الدسمة التى تغذى الجسم شحما ولحما . ولا شك انهم يحتالون عليه احيانا فيأكلون ما لذ وطاب ويتركون له النزر القليل منه ذلك لانه شيخ ولأنه متواضع . ارادت ان تتحقق من ذلك لكنه بادرهما
- اعطيني الاسلحة يا فاطمة ؟
فازداد خوفها منه . فكيف يطلب الاسلحة وليس معه مساعدون لحملها لم يقل انه أتى وحده . فردت عليه
- ما عندى اسلحة يا حاج . ومن اتى بها هذه اللاسلحة ؟ - اتى بها مسعود ابننا .
شكت لاول مرة فى زوجها ولاحظت انها جادلته وشقت عصا الطاعة فى وجهه . فلقد اصبحت فاجرة كافرة . سألته
متحقق انك وحدك يا حاج ؟ - نعم . نعم انا وحدى
ثم نظر خلفه فرأت الخوف في عينيه . فخافت عليه وعلى نفسها وتيقنت ان زوجها اصبح خائنا . فشعرت بتلك الخيانة تهجم عليها فظيعة وظهر لها وجه زوجها وضعفه وتلعثمه . اصابها ارتعاش وكادت أن تبكى لان اقرب الناس اليها يلطخ عرضها . فلقد تحملت الجوع والوحدة ذلك لانها كانت تعيش من كرامته وتبرر بها منزلتها . اما الآن ؟ سألته
- اين توجد الاسلحة يا حاج ؟ ألم يدلك مسعود على مكانها ؟ - لا . لم يشر الى ذلك . قال أمى تعرف ذلك . فاحتارت لانه يعرف الدهليز معرفة جيدة . اعاد الكرة محسورا
اعطيني الاسلحة يا فاطمة . عدي الوقت فات - انت مجنون يا حاج . ما عندى اسلحة . ما عندى اسلحة . فصرخ
- اعطيني السلاح . أعطيني سلاح - ما تعنى يا حاج ؟ ما تعنى يا ..
فلم يجبها وتقدم نحوها متدعثرا فخافت منه وتأخرت لكنها رأته يسقط مغميا عليه . فهرولت نحوه وما كادت تدركه حتى رآت أشباحا تقترب منها . إنهم جنود مدجون بالسلاح . احاطوا بهما ثم اشبعوهما ضربا وركلا خاطبها احدهم
- اين الاسلحة ؟ - ما عندى اسلحة . لطمها ثم هددها برشاشة - اين الاسلحة يا ..
ساقها أمامه ثم جاب البيوت مع جنوده فعاثوا فيها فسادا دون ان يعثروا على شيء .
سلط نور مضواته على عينيها وسألها اين الاسلحة التى اتت بها الدقازة ؟ فلم تجبه . لطمها لطما شديدا ثم امر جنوده
خذوها . عندنا طرق ستجعلها تعترف بكل شىء .
فرمى بها فى ناقلة طارت بها فى الحين . فظننت انها سبيت . هولاء والله مجانين ! لكن لا تسبى الا الفتيات الحسان امثال مسعودة . انه عجوز لا تسمن ولا تغنى من جوع . فصاحت تنادى المسلمين لنجدتها فضربها جندى بموخر بندقيته على حبينها فأدمى . شعرت ببرق يلمع فى عينيها ثم رأت محيطها ينقلب على نفسه . فبقدر ما كانت السارة تجرى كانت الدنيا ترقص مضطربة امام عينيها . فكانت الافق الحمراء تتحول يمينا ويسارا ثم تقترب منها تكاد تضمنها في حركة لولبية . اما مساكن القرية واشجارها وحجارة الجبل فكانت تمر بها سريعة مرتعشة صائحة كان زوبعة هاربة بها : فحتى الاغربة كانت تطير مسرعة محتارة من السيارة المجنونة والغبار الذى كانت تثيره وراءها فيتحول سريعا الى ذيل طويل كتيف يغشى كل شئ . فكانت الدنيا تسرع وتهرول وتجرى تكاد تطير نحو موعد فات أوانه . نظرت دادة فاطمة الى مرافقيها فرأت وجوها معقدة زادتها الخوذات والاسلحة تزمتا وغيظا . شعرت لاول مرة انها اصبحت كافرة مثل مسعودة فريسة العساكر . تيقنت ان كفر مسعودة لا يختلف عن كفر ابنها مسعود الذى كفر بظلم القريب والبعيد وبالتزمت والجهالة وبالجوع والمرض وبالركود والتواكل . فالجزائر اليوم كافرة بكل ذلك . فلم لا تكفر معها ؟ فالكفر ثورة تقود الى سلامة النفس
فتحت دادة عينيها مذعورة . لقد سمعت صوتا ينادى ويبتهل ويصرخ ويبكي ثم يسكت . استغربت من ذلك ومن وجودها فى زنزانة جرداء مظلمة يدخلها النور من شباك صغير . لم تدرك كيف دخلته لكنها تتذكر كيف اغمى عليها نتيجة جرحها وسرعة السيارة ورائحة النفط التى لا تتحملها جوارحها . أحست بالم في ظهرها وكتفيها ورجليها فأرادت ان تقوم لكن صوتا صارخا مسمرها فى مكانها . فكان ينطلق
لي الليل متوسلا جافا باحا ثم يسكت مغلوبا . فظنته مريضا يتوجع . لكنه عاد مناديا خائفا ليس فيه بكاء بل عواء حائر وضعف مغلوب . فأصغت اليه مليا ثم نادت تلقائيا كما كانت تفعل يقريتها عندما يستنجد الغريب والضعيف والمريض
- يا مريض لاباس عليك ! اينك ؟ اينك ؟ لكن الصوت عاد صارخا فصرخت معه
- ارحموه ! ارحموا المسكين ! فتفرقع صوتها داويا ثائرا ثم سمعت اصواتا اخرى تنادى مثلها فتحست وصاحت
- ارحموه ! ارحموه ! ارحموه ! فدوت اصوات كثيرة ارحموه ! ارحموه ! ارحموه !
دوى السجن وكثرت انواره وعمته ضوضاء وأوامر واقدام تخبط الارض والابواب . فخيل اليها ان السجن سينفجر . وفجأة رأت بابها يفتح وترمى منه جثة عارية كادت تتحطم على الارض . خافت منها وظلت تنظر اليها . لاحظت انها امرأة . تقدمت منها وجستها . فرأت وجها متورما يسيل الدم من اذنيه . رفعت يدها فانقادت مرخية دامية . فظنتها ماتت . انحنت على صدرها فسمعت قلبها يدق ضعيفا هزيلا . نزعت قميصها الداخلى والبسته الغريبة ووضعت رأسها على ركبتها ثم نخفت فى فمها متحمسة كأنها تنفخ فيها من روحها . لكن دون جدوى . ظلت تنظر اليها مستسلمة الى ان فتحت الغريبة عينيها . نظرت إليها ثم همست مضطربة
قولي لهم كل شئ والا يقتلوك تراجعت - لا ! لا ! اه ! اه ! لا ! لا !
قلت حركاتها وضعف نفسها وقلبها . فشعرت دادة بالحياة تفارقها رويدا رويدا فارادت ان تكافح الموت . نفخت في فمها ثانية وهمست إليها وكلمتها مغصوصة
- يا بنيتي يهديك الله . يا بنيتي انا معاك . ابقي حية . يا بنيتي انا اعطيك كل شئ حتى لباسي وابقى عارية
نفخت فى فمها ثالثة لكن الشابة ماتت . فظلت دادة فاطمة تنفخ فى فمها ثم انهالت تقبل جبينها ويديها ورقبتها كأنها تريد ان تضمد جروحها . تركتها وقامت ثم هرولت نحو اركان الزنزانة الاربعة ومدت يديها باحثة عن وسيلة تحمي هذه الشابة من الموت . دارت . حول نفسها ثم جلست بالقرب منها وظلت تبكى ساكنة ثقيلة مسكينة . ارادت ان تشكو امرها الى الله لكنها عدلت عن ذلك لانها شعرت ان فكرة الله تولد من الالم . فلو فنى الالم لفنى الله معه .
تقدمت نحو الجثة مترددة ثم تذكرت أن الموتى يفدون . لكنها لا تعرف من القرآن الا القليل فابتدأت بالفاتحة . لكن سرعان ما سكتت لان باب زنزانتها قد فتح ودخل ثلاثة زبانية . ركل احدهم الشابة ثم جس نبضها
- ماتت القحـ . لقد ماتت . خذوها . نظر الى دادة متجاسرا
- سيكون مصيرك مثلها ان تعنت . سنبدأ بك قريبا فنظرت اليه متحدية ثم اغمضت عينيها متخيلة مصيرها . شتمها الجندى وركلها
- ستعترفين . ستقولين كل شىء . شعرت بغضب يحرق احشاءها فلم تقدر على كبته وصاحت
- على مطرة والدجاج يكح .. فلطمها لطمة شديدة سقطت على الارض واحست بكيانها يهدم .
- سنرى من سيكون الغالب فأجابت ضعيفة
- انت . لا شك . فأجابها
- سنبدأ بتجويعك . لن تنالي شيئا من الآن . خرج واصحابه فاقتربت من الحائط وارتكزت عليه متوجعة . اصابها
ارتعاش وحيرتها تلك الفتاة التى ماتت بين يديها . يا ربي سيدى ! انها انها تشابه مسعودة ! انها هى ! لم تعرفها منذر حين لانها كانت في لوعة . اما الآن فهى متيقنة انها هى . كادت تجن ثم تساءلت عما ستفعل وما ستقول بم ستقاوم ؟ ستقاوم بالصمت والجوع ؟ سخرت من تهديد الجندى ومن تجويعه إياها لان الجوع رفيق قديم لا تخشاه . ابتسمت رغم حالتها عندما تذكرت قصة روتها لها مسعودة لما جلستا تنتظران وصول الاسلحة . روت لها ان الجوع عم تونس في سنوات مضت حتى كاد يبيد الناس . فوفد القوم على باى تونس اذاك يستنجدونه . فخاطبه شيخهم
يا سيدنا الناس فنوا من الجوع . ساعدهم يا سيدي . فلم يكترث بهم الباى وصرفهم . لكنهم عادوا إليه مرارا . ففكر قليلا ثم صرخ في وجوههم منتصرا غاضبا
- اياكم عني . إياكم عني ! لياكلوا الروز بالدجاج .
تناست تونس ونظرت الى الشباك فرأت أنوار الفجر تدخل هينة الى الغرفة . اقتربت من الشباك واستكشفت فرأت عمارة عالية قد جربت جدرانها وكثرت شبابيكها التى كانت تطل على ساحة واسعة غبراء حزينة فيها حفر كثيرة . فظهر لها ان هذا السجن يشابه جميع سجون العالم لان وجه الظلم واحد وان اختلفت بلدانه . شعرت بدوران وخيل إليها انها تعيش حلما غريبا لا تدرك مغزاه .
هاجمها النوم لكنها ظلت مستيقظة مذعورة اذ سمعت ضوضاء امام بابها الذى فتح ودخل زبانية الليلة الماضية يجرون وراءهم ما يشابه الرجل فرموا به على الارض فسقط متهشما كمسعودة ميتة البارحة . ظنت دادة انها ستشاهد احتضار انسان آخر . اغمضت عينيها واحست بقلبها يضعف . فلا شك انها ستموت مع هذا او مع الثالث . انها تستطيع كل شىء حتى موتها لكنها لا تتحمل رؤية الناس يموتون امامها دون ان تجد وسيلة لنجدتهم . فهى متيقنة ان ضعف وسيلتها هى سبب موتهم . سمعت العسكرى يصرخ
- هل عرفت من هذا ؟ فسكتت لكنه اعاد الكرة
- اقترب منه وانظرى اليه .
ترددت لكنه ركلها ودفعها . فتقدمت من الطريح ودكت عينيها ثم نظرت . شهقت وتأخرت . قالت متلعثمة
- لا . أنا لا أعرفه - انت متحققة من ذلك ؟
فسكتت وتقدم الجندى من الطريح وركلت رجلاه بطنه ووجهه فتوجع وانكمش ثم سال دم من فمه وجبينه . رفعه اثنان من الزبانيه فاستقام ثم سأله العسكرى
- هل عرفت هذه المرأة ؟ هل تركت عندها الاسلحة ؟
فلم يجب ورأت دادة وجها متورما كان عشرات الامواس قد جرحته . اما عيناه فكادتا تكونان مغلقة . أنعمت النظر فيه فاحست بقلبها يتدلى يكاد يصل الى معدتها . أغمضت عينيها كي لا تراه لكن الضابط رش فريسته بالماء قائلا
- هذى امك ؟ قل لها انك ارسلت لها الاسلحة مع الدقازة ؟ هذا ابنك . دلينا على الاسلحة وسنخفف عن عقابكما .
لكنه ليس ابني ولا اعرفه . فتساءل الضابط متهكما
- هذى امك ؟ هذا ابنك ؟ غريب غريب ! هذا عقوق . متى اصبحت الام تنكر ابنها وهو فى هذه الحالة هه ! هه ! تلك اخلاق المجرمين . . الام تنكر ابنها وهو في هذه الحالة . كادت دادة تموت . أصابها ارتعاش لما رأت المعذب يبكى وقد انحني رأسه مشوها على كتفه . تفتحت عيناه وشفتاه ثم همس
- يا دادة . . يا اخر ... يتى . ارادت ان تصبح لكن الضابط قاطعها - ارأيت ؟ انه يناديك ويتوسل إليك قرنت اسنانها وشدت يديها ثم صرخت لا . لا . ليس ابني . انت لست ابنى ولا سلاح عندى .
فاستنتج الضابط
اذن سيموت غدا . . فالخيار لك . عندك ساعتان . . فكرى . حياته فى يديك .
ثم جروا المعذب الذى ألقى نظرة حائرة حوله .
جابت دادة بيتها طولا ، وعرضا تارة تستند على حائط وتارة تشد رأسها . كادت تأكل أصابعها . لن تعترف به ابنا . لان في ذلك هلاكهما . ان في انكارها نجاته لانهم لن يقتلوه دون حجة . فما هى حجتهم ؟ فهي ليست امه وهم لا يعرفون مكان الاسلحة . لن يقتلوه دون حجة . الا توجد عدالة ؟ لن تعترف به لانها ستخون الامانة التى سودت الغراب . ففيها حياة مئات من الناس وفى ابنها حياة واحدة . لكن الا تساوى حياة الفرد حياة الافراد ؟ ان الحياة هي الحياة سواء تعلق امرها بواحد او بملايين . اننا نتضامن جماعة ونتألم ونموت فرادى . اقتربت من شباكها والقت نظرة على الشبابيك الاخرى فرأت يدا تشير إليها كأنها تحييها . رأت ايادى اخرى تحييها ثم سمعت صوتا : الصمت . الصمت الله معاك يا دادة
سركت شباكها مسرورة بتلك الاخوة البعيدة المجهولة التى باركت صمتها . فشعرت انها مبررة في موقفها من ابنها . فلعله كان المنادى من الشباك البعيد ؟ ولعله زوجها الحاج محند ؟ والا فكيف عرف اسمها ومكانها ؟ ولم تستمر فى تساؤلها اذ عاد إليها الزبانية وقد شمروا على سواعدهم وبدت وجوههم مريعة
- هيا يا دادة قولى اين هى الاسلحة ؟
فظلت صامتة . فأعاد الضابط السؤال . فلا جواب . تقدم منها ولكم وجهها فاهتزت وتدعثرت ثم تهشمت على الحائط . احاطوا بها جميعا وانهالوا عليها ضربا وركلا ولكما فاحست بقذائف الدنيا كلها تسقط على رأسها وعنقها وصدرها وبطنها . ففقدت كل قواها وتيقنت انها ستموت اذ لم تستطع التلفظ حتى بالشهادتين .
استيقظت من غشيتها هزيلة فوجدت الدم يكسوها . نظرت حولها فرأت ضابط الزبانية ينظر إليها ثم قال متهكما
- لم تمت . هيا نخرج . فلن نرسلها الى جهنم قبل ان نعرف مكان الاسلحة .
- اسمعي . بعد يومين اما الاسلحة والا ابنك ثم انت .
ثم خرج . لم تدرك كلامه تمام الإدراك لكنها تذكرت ابنها . تذكرته لما فارقها لينضم الى المجاهدين . فلقد قبلها حنونا متحمسا وقال مغرورا
- ان الشعوب المظلومة الغاضبة تخنق باسم غضبها ان لم تثر . فنظرت اذاك الى زوجها خائفة من عنف ابنها فهدأها قائلا
- العنف من شيم الطاهرين واليائسين يا دادة ثم قادها الى بيتها ليسليها . فضمها إليه وترنم مترفقا لطيفا
يا دادة : يا دادة يا خدود الوردة يا دادة . يا دادة يا قمر الظلمة
انها اغنية راجت فى ايام شبابهما . فكان يرددها على مسمعها فى اوقات الشدة والفرج وتذكرت ان زوجها كان يسليها ليخفف عنها لوعة فراق ابنه وفراقه هو . فسرعان ما تركها وظلت وحيدة بالقرية . اما اليوم فلقد إلتحقت بهما . والحق انها وجدت ذلك طبيعيا . لكن ما هو الطبيعي في الاحتفاظ بالسر وترك ابنها يهلك ؟ استولى عليها حزن ثقيل ثقل صخر الجبال فشعرت ان ابنها وزوجها والزبانية والاسلحة والامانة قد ركبتها كلها وجعلت تعقر جسمها عقرا . احست بحمي تحرق جسمها ورأت شرارات واسرابا تتلاعب امام عينيها وسمعت اصواتا تهمس ثم تصرخ . لا تقولى شيئا . لا تنطقى . انهم لن يقتلوه دون حجة . العدل موجود موجود . موجود . لا تخافى . تشبثى بالامانة لان فيها حياة المئات . الامانة . الامانة . لا . لا . لا توجد عدالة في هذه الدنيا وعند هؤلاء الزبانية . حياة ابنك ليست فى يديك ولو نطقت ولو سلمت الاسلحة . . ابنك سيموت ولقد مات منذ ان فارقك . . سيموت سيقتل . لا . لا . دليهم على الاسلحة وسيعفون عنه . سلميهم الاسلحة . حياة الفرد تساوى حياة الافراد . لا تخافي فلن يلومك لائم فى ابنك .
ورأت ابنها بغتة . فكان واقفا متورم الوجه لا عينين ولا اذنين له
شهقت ووضعت يدها على فمها . انه لن يسمعها ولن يراها ان شاءت استشارته في معركة ضميرها .
عادت الى ادراكها بعد ليلة ويوم كاملين فوجدت نفسها في زنزانتها الباردة المظلمة . كانت منهوكة العقل والقوى حتى استحال عليها التفكير فى أى شىء فمالت الى النوم واغمضت عينيها . لكنها سرعان ما قامت مرتجفة . سمعت اصواتا تترنم فاصغت فإذا بها حناجر تردد
- الله اكبر ! الله أكبر ! الله اكبر !
فهرولت نحو الشباك لكن بابها فتح وظهر الزبانية يسوقون ابنها امامهم . خاطبها كبيرهم
- الاسلحة ومكانها والا سيرمى ابنك بالرصاص الآن . فسكتت وتأخرت مرتعشة . فسألها ثانية
- اين الاسلحة . ؟ مصير ابنك فى عهدتك . اسمعي المهللين . انهم يهللون عليه .
فتقدمت ومدت يديها متوسلة ثم نظرت الى ابنها وسألته عيناها . فرأته يشير إليها برأسه ان لا تنطقى . فاجابت
- ما عندى اسلحة ولا هو ابني . أنا لا اعرفه بتاتا . فغضب الضابط وصرخ
- سترين الآن . . ان موته كان مقررا على كل حال . وسيكون دورك قريبا .
فتيقنت ان نكرانها كان مفيدا . لكنها لم تصدق ان مسعودا سيفنى الى الابد . فلن تنظر إليه عيناها ولن تمسه يداها وتداعب شعره وتقدم له الاكلة اللذيذة وتغسل ثيابه وتفرح له فرحة العمر . انها لا تصدق ذلك لان الفرنسيين لن يقتلوه لانهم كثيرا ما صرحوا انهم من احباب الاسلام والمسلمين وانهم اهل انسانية وانهم لا يهينون من يثور ولو كان عليهم
جايت البيت طولا وعرضا وخبطت فخذيها وصدرها وغطت عينيها
ثم هرولت ذات اليمين وذات الشمال ثم وقفت قرب شباكها . فسمعت اصواتا تصرخ من الشبابيك الاخرى
- شهيد دايم حى . شهيد دايم حى . . شهيد دايم حى . شهيد .
اشتدت الاصوات وتضامنت فعلت ودوت تكاد تهز السجن . فكانت تلفظ جملتها فى مقطعين متناسقين ايقاعيين كانا ينطلقان ويرنان كاصوات المدافع . رأت بغتة جنودا بساحة السجن وقد ارتدوا خوذاتهم وحملوا سلاحهم وساقوا ابنها امامهم . فوقفوا به حينا ليكون عبرة لغيره ازدادت الاصوات تحمسا ولاحظت ان ابنها يسعى لاستقامة عنقه . فخيل إليها ان ذلك العنق يزداد استقامة بقدر ما كانت الاصوات ترتفع . فكأن اصوات المساجين كانت تغذى روحه وتحيها ليظل حيا دائما في موته العارض . اضطربت دادة ولم تعلم ما عسى ان تقول ثم رددت مع المساجين
- شهيد دايم حي .. شهيد دايم حي لكن المساجين ترنموا
- شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب . . فترددت ثم صاحت
- هو ابنى مسعود . . انا امه .الاسلحة عندي في الدهليز هو ابني مسعود اهرب يا مسعود يا كبدى . اهرب . اهرب
لكن الاصوات طغت على صوتها فغصت ونادت
- اسكتوا يا ناس . اسكتوا . اتركوهم يسمعوني . هو ابنى وظلت تصرخ ثم توجهت نحو الباب فدكته ونادت الضابط لتعترف حتى اصابها الفشل فرمت بنفسها على الحائط تريد ان تموت توا مع ابنها . فخرت مغشيا عليها .
- الحمد لله على خلاصك يا دادة .
تنظر الى مخاطبها واستمرت تمشي همها الوحيد ان تتجنب المخلوقات التى كانت تجرى فى الطريق صائحة مغنية رافعة الاعلام الجزائرية . هرولت بغتة ثم وقفت خائبة . لقد رأت شيخا يشابه شيخها الحاج محند . لكن ذلك كان هوسا . سمعت صوت مخاطبها ثانية
يادادة اين انت ماشية ؟ مدينة الجزائر كبيرة . . نظرت إليه فرآت شابا مليح الطلعة باسم الثغر . فسألته
- من أنت ؟ - انا مسعود من لجنة التضامن . أنا في خدمتك .
ساعدني على مقابلة ابنى وزوجى . فأجابها مخلصا دون أن يدرك فتور صوتها :
- هيا مع الى مركز لجنة التضامن .
فاتبعته . فكان يساعدها ويرفق بها كلما وقفت تنظر مليا الى الجماهير الفرحة المترنمة بعهد الاستقلال الجديد . فكانت تفتش تلك الجماهير لعلها تفوز بشيخها او ابنها . . فلعله لم يقتل - حتى بلغت دارا عربية بحي القصبة . فرأت جماهير مصففة واقفة تنتظر وتستخبر . فهذا عن ابن وتلك عن زوج واولائك عن عائلة كاملة . فوقفت في الصف وانتظرت فرأت اطفالا ونساء وشيوخا قد ظهرت على سيمائهم الحيرة والالم والامل لاحظت ان بعض النساء كن يخرجن باكيات من المركز فأرادت ان تخرج من الصف اقتناعا منها ان لاجدوى فى الانتظار ، لكنها لم تياس من رحمة المفاجأة والصدفة . جاء دورها فبحثت عن مسعود فلم تر له اثرا . تشجعت ودخلت فناء الدار الواسع ثم اتجهت الى غرفة كبيرة فرأت شبانا وشابات واقفين امام طاولات قد وضعت عليها صناديق . فلقد ملئت جذاذات كان الشبان ينحنون عليها ثم يجيبون السائلين مبتسمين مهنئين او مسلين تقدمت دادة من شاب طويل القامة فسألها متلطفا
- ما حاجتك يا دادة ؟ ما اسمك ؟ - اسمي دادة فاطمة بنت خالد وزوجى الحاج محند من قرية الجزائر وولدى مسعود . . لابد تعرف ولدى مسعود . . هو يشابهك .
ثم سكتت . فلعل المعجزة تقع فيخرج ذلك الشاب ابنها من بين تلك الجذاذات .
سمعت الشاب يخاطبها دادة فاطمة بنت خالد . انت معروفة .
- لكن ابنى معروف اكثر منى وكذلك زوجى ومسعودة التونسية . أخبرني عنهم
لم يجبها حالا فاستأذنها ثم توجه نحو شابة جميلة لا تفارق الابتسامة ثغرها . هرولت نحو دادة وقادتها الى غرفة هادئة . خاطبتها
- دادة فاطمة . كيف صحتك ؟
- الله يبارك فيك يا بنيتي . . لكن انا فاهمة . فهمت قصدك . قولى ما عندك . ابني وزجي ومسعودة ؟
فاطرقت الشابة رأسها متألمة ثم نظرت الى دادة قائلة
- كلهم شهداء عند الله رزقهم . فنظرت إليها دادة نظرة حادة وردت عليها
- ولم لم تموتى انت ويرزقك الله ؟ فتلعثمت الشابة وقالت
كلامك معقول . لكن لوعتك لوعة الناس الكل . مثلك كثيرون . . وحمل الجماعة ريش يا دادة .
خرجت دادة مسرعة دون ان تصغي الى الشابة التى ارادت ان تساعدها على حل مشاكلها . وجدت نفسها في الشارع أمام صفوف المنتظرين فنظرت إليهم مليا الواحد بعد الآخر ثم تقدمت فشعرت انها فارغة وحيدة مسكينة تركت نفسها تتدحرج وما كادت تندمج فى الطريق الرئيسية المؤدية إلى المدينة العصرية حتى سمعت صوتا يناديها . فدارت حول نفسها فرأت مسعودا يجرى نحوها باسم الثغر .
- ما وجدتى شيئا . لكن سمعت امرأة تسأل عن مسعود بن الحاج محند من قرية الجزائر .
فابتسمت حزينة - انت تخلط يا وليدى . . كنت أنا هي السائلة . - لكنى رأيت المرأة . هى شابة مليحة
شابة مليجة ؟
فلم يجبها وجرها حتى وصلا امام دار لجنة التضامن . اندفعا نحو امرأة قد اعرضت عنهما بظهرها فتحضنها مسعود ونادى
- هذه صاحبتنا
فالتفتت المرأة المعنية مندهشة . فرات دادة فاطمة عجوزا تبكى . نظرت الى مسعود معاتبة ثم تحركت معتقدة ان كل شئ قد انتهى . وما كادت تصل اخر الشارع حتى سمعت صوت امرأة
- يا دادة . يا دادة
فلم تلتفت ظانة انه مسعود يتهكم عليها . لكن الصوت رن ثانية - يا دادة يا أم مسعود . أنا وجدته والله وجدته .
ارتعشت دادة ودارت فرأت امرأة شابة مقبلة نحوها . حدقت فيها ثم صرخت
مسعودة يا بنيتى !
فتعانقتا وتبادلتا القبل باكيتين . تناولت مسعودة يدها وقادتها قائلة
- انا وجدته . هيا والله وجدته - واين ؟ . قولى الحق ! اجرى معى . انه ينتظرنا مع مسعود
فجرت دادة دون ان تتحذر من حجر الطريق ولم تتشجع على طلب المزيد من الاخبار .
شعرت بدمها يفور وبالمدينة تشتعل نورا وبالشوارع تزدهر وتتسع . كانتا تجريان لاهثتين وكانت يد مسعودة تمسك يد دادة . فاحست بتلك اليد تخرجها من الظلمات الى النور وتطير بها بعيدا بعيدا . اندمجتا في حي كثير الازقة حتى بلغتا ساحة واسعة فيها جامع لامع . فوقفت مسعودة وأشارت
- انظرى إليهما .
- لكني لا أرى شيئا تحت الصومعة . انظري الى مسعود يركب عنق الحاج محند الجالس على الارض . اه انه سيسقط عمامته .
فسألت دادة مستغربة
- مسعود يركب عنق الحاج ؟ هذا كلام غريب يا بنيتي . مسعود رجال . فهمت مسعودة قصدها فهمست لها
- مسعود الصغير . اعنى ابن ابنك ثم اردفت غير مترددة
- دادة . الحاج فقد عينيه. . ساعديه
تقدمتا نحو الشيخ والطفل فارتمت دادة على الحاج وقبلته . فقام وتعانقا . تركته بادة وارتمت على مسعودة وطفلها فقبلتهما تقبيلا حارا وظلت تقبل هذا وذاك وهذه حتى التف حولهم جمع من الناس مستغربين من هذه المرأة التى ما شبعت من تقبيل ذويها . ازداد استغرابهم لما رأوها تتجه نحوهم وتقبل كل من وقف امامها . فظنوها مجنونة . فقامت مسعودة لتهدئها لكنها اجابت باكية
- اتركي بالله . اتركيني .
واستمرت تقبل الناس . فخيل إليها تقبل المجروحين والمعذبين والمتألمين والمعدومين . فكانت تظن ان قبلها تضمد جروحهم وتكفكف دماءهم وتحمي بشرتهم وتخفف من لوعتهم وتزيدهم صبرا . انهم ماتوا لكن هؤلاء ابناؤهم واخوانهم وامهاتهم واباؤهم . فلقد ورثوا من لوعتهم وعذابهم . اذن ليرثوا من القبل التى خصتهم بها دادة فاطمة . وتمنت لو قبلت الجزائر كلها والارض ومعذبيها والبشرية ومساكينها . توقفت لاهثة ثم جلست قرب شيخها وتحضنت مسعودا . سمعت الحاج يقول
- هيا يا فاطمة . هيا نرجع الى بيتنا فأضافت مسعودة - عدى وقت السفر وصل يا دادة . هيا . أعطيني . مسعود - لا . لا . اتركيه عندى
ثم نظرت الى زوجها محدقة فى عينه الفارغتين فشعر بذلك فقال حزينا متهكما
- هه . والله شىء عريب . عمرى ما رأيتك احسن من اليوم يا دادة . . يا خدود الوردة .
فقامت واخذت بيده حنونة معاتبة
- ما زلت متحمسا حتى فى هذه الحالة . فبادرتها مسعودة الخالدون من ظلوا متحمسين ولو في الظلمة الحالكة .
فنظرت الى مسعودة مبتسمة فرحة بها ثم توجهوا نحو محطة الحافلات كى يعودوا الى قريتهم . قبل قدوم الليل . فكانت دادة تمشي مطأطأة الرأس ثم تنظر خلفها من حين لآخر فلعل وعسى

