الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

دانتى ٠٠ والاسراء والمعراج،

Share

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى .

هذه

الآية الكريمة التى احتفل المسلمون بذكرى حدوثها فى الشهر الماضى ، كانت قد أثارت فى العصور الوسطى موجة من الجدل والنقاش وصارت موردا للكتاب من مسلمين ونصارى إذ بها من الينابيع الفياضة والصور الغنية ما أطلق أجنحة خيالاتهم تطير فى أجواء عليا يعجز عن بلوغها عقل الانسان . . لقد استلهمت يحيى بن عربى الاندلسي الذى دبج حوادثها في كتابه ( الفتوحات المكية في معرفة الاسرار المَلكية والمُـــلكية ) وهو الكتاب الذي استهله بخطبته التى القاها فى خشوع امام العرش الالهي .... واستلهمت أبا العلاء المعرى في رسالة الغفران ... ولكن كيف صارت مصدرا للالهام وينبوعا للاقتباس لعدد من الشعراء المسيحيين ؟ بل كيف ندعى أن دانتى Dante  قد تأثر بها في ملحمته الخالدة : الملهاة الإلاهية - ذلك ما أثار كثيرا من اللغط ونشر فى النفوس ضبابا من الشكوك ، الامر الذى يذكرنا بقصة " حى بن يقظان " لابن طفيل ومدى شبهها بقصة الاطفال R .Cruoe لدانيال دفو .

لقد عاش دانتى ألجييري(1265-1321 ) فى عصر كانت فيه الحضارة اللاتينية تلهث وتجتر ثمار الحضارة الإغريقية والرومانية القديمة وتحاول أن تلتقط أنفاسها واسترجاع ما كان لها من سؤدد ومجد وعزة .. ثم أخذت الحضارة العربية تنشر أريجها فى ايطاليا وبعض أجزاء أوروبا فانكب عليها المولعون بالمعرفة ينهلون من معينها الفياض ويبحثون ويجدون فى البحث عن كنوزها النفيسة .. ودانتى الذى قضى فجر حياته فى فلورنس ثم أمضى بقية حياته مغتربا عنها جزاء تمرغه فى أوحال السياسة وتحزبه لقوم دون آخرين ، كان قد تتلمذ على أستاذه ( برونتو لاتينى ) وهو الرجل الذي جاب بعض أنحاء أوروبا ومكث حينا من الزمن فى اسبانيا وفى طليطلة بصفة خاصة واطلع هناك على كثير من الاساطير الاسلامية فى ثوب ، لاتيني ؛ فلا عجب أن اطلع تلميذه على هذه الاساطير ، ولا غرابة فى أن تكون قصة الاسراء والمعراج من بين هذه الاساطير .

ثم ان فلسفة ابن رشد كانت - حينذاك - قد خلبت لب الكثيرين بل كانت تدرس فى جامعة نابولي ، وجامعة باريس . وكذلك فلسفة ابن سينا وربما الغزالي .. ودانتى نفسه كان معجبا بهذه الفلسفة مكبرا لها .. وفى ملحمته هذه وضع محبيها فى الجنة رغم ما كانوا يرمون به من النزق والالحاد .

فإذا تغاضينا عن هذه العوامل ، وجدنا من ناحية أخرى شبها يكاد يكون كاملا بين الملهاة الالهية وبين مراحل وتدرج أحداث وأوصاف قصة الاسراء والمعراج ، وكذلك بينها وبين ما رواه لنا ابن عربى فى كتابه "الفتوحات " وهذا الشبه البارز الذى لا ينفك يطل برأسه من خلال سطور هذه الروايات جميعها ليعلن عن نفسه وليكشف لنا الحقيقة ناصعة هو الذى بدد من عقولنا علامات الاستفهام التى جعلتنا فى حيرة نتقلب باستمرار على أشواك الشكوك .

وربما تساءل أيضا من اطلع على هذه القصص والاساطير عن سبب اهمال كتاب الغرب وشعائرهم معالجة مثل هذه المواضيع قبل انتشار الحضارة العربية فى أوروبا عن طريق صقلية واسبانيا ، ثم انطلقت أقلامهم من عقالها تجوب رحاب مواضيع شتى منها هاته التى نذكرها الآن ، بعد أن أماطوا اللثام عن هذه الحضارة وبعد أن سبروا غورها حتى ( غوت ) نفوس بعضهم واسكرت عقولهم مما دعا الكنيسة الى طرد بعض هؤلاء الصابئين من حضيرتها ...

ولنستعرض الآن بعض صور الاسراء والمعراج التى انعكست فى الملهاة حتى ندلل على ما قلناه ، على أن نكتفى فى هذا العرض السريع بالقليل دون الكثير لضيق المجال ونرجىء ما بقى إلى فرص أخرى .

لقد اشتملت الملهاة الالهية على مائة قصيدة أو أغنية ، وهى تبدأ بصعود دائتى من بيت المقدس الى السموات العليا .. وهذا عين ماحدث للرسول ونفس ما تخيله ابن عربى ؛ ويغلب على الظن أنهم إنـما سافروا من هذا المكان المقدس للاعتقاد السائد بأن الجنة كائنة فوقها على خط عمودى وجهنم تحتها .. وكان لا بد فى هذه الرحلة الطويلة من دليل فأنيط الملاك جبريل بهذه المهمة ليقود الرسول عبر السماوات السبع حتى اذا بلغ أبواب

العرش سلم القيادة لرفرف من نور .. أما دانتى فقد كان يترسم خطى ( فرجيل ) صاحب الانياذة حتى إذا بلغ به الجنة سلم القيادة الى حبيبته بياتريس التى ينعم بحبها فى الحياة الاولى فأضفى عليها هالة من القدسية والعفـــة والطهر جعلها أقرب الى الملائكة منها الى البشر .

فى جهنم :

وقد عرج دانتى أولا على جهنم Inferno وهى كما وصفها هوة سحيقة بعيدة الغور يصل مركزها الى قلب الارض تلفها السحمة والسواد وتلفظ من جوفها الشواظ واللهب ، وبها أصوات مختلطة تشبه الرعد ، وفيها من المناظر المنفرة ما تشمئز منه النفوس وتقشعر له الابدان .. وقد ورد في القرآن والحديث مثل هذه الاوصاف المرهبة المرعبة التى توعد العصاة والكافرين بالويل والثبور ..

ودانتى يرى نفرا من البشر وهم المزيفون والخادعون وقد انتفخت بطونهم انتفاخا مهولا لأكلهم أموال الناس بالباطل ، وهو يطابق ما حكاه لنا ابن عباس عن الرسول أنه قال : ( نظرت فاذا قوم بطونهم كأمثال الجبال تغلى حيات وعقارب ، كلما همّ أحدهم أن يقوم سقط على وجهه من عظم بطنه ، قلت : من هؤلاء ؟ قال : آكلوا الربا ) .وفي جهنم شاهد الرسول أولئك الذين انتحلوا من البدع ما الاسلام منها براء وهم يجرون أمعاءهم وراءهم ، وهي نفس الصورة التى ارتسمت فى ذهن دائتى عندما مر من هذا المكان ...

اما إبليس أو لوسيفر عند دانتى ، ، ابليس الذي خلق من نار ولا بد أن يعاقب بنقيضها فقد رآه الرسول وألسنة الزمهرير تلدغه وتعذبه ، ورآه صاحب الملهاة وقد دفن في الجليد في قاع جهنم ولا ترى منه الا رؤوسه الثلاثة ، ولكنه أربى على ذلك بأن أزاح بجانب لوسفير مكانا للخونة والمتآمرين فدفنهم أيضا الى أذقانهم وكلما انهمرت من مآقيهم دموع الندم إلا وجمدت على وجوههم فصارت لها قناعا بلوريا وهى لعمرى صورة رائعة لعلها تكون عبرة لمثل هؤلاء من المأفونين .

فى الجنة :

فاذا رغب دانتى فى الفرار بجلده من هذا الجو اللافح القارس ، وأغمض جفونه حتى لا يعود الى رؤية مثل هذه المناظر المؤذية ، فإنه يقاد الى ابواب الجنة ( جنات عدن ) ويتطهر قبل ولوجها فى نهر Eunoe وسنة التطهر هذه هى الوضوء عند المسلمين ، وهذا النهر هى تلك العين التى وصفها الرسول والتى تتطهر فيها الارواح عند المعراج ، وهى عين ذات ماء صاف فى مثل صفاء القوارير ، وأبيض يفوق بياض اللبن ... ثم يشتد التشابه عند وصول الرسول إلى أبواب السماء السابعة ، ودانتى الى السماء التاسعة ، وهناك يقف كلاهما مشدوها مذعورا واجفا ، وجلا أمام ذلك النور الآلهى الذي يخطف الابصار : فانتهينا الى بحر من نور يتلألأ لا يرى له طرف ولا منتهى ، فكاد بصرى يذهب من شدة نور ذلك البحر ... " هكذا وصف لنا الرسول جلال هذا المشهد وروعته .. أما الشاعر الايطالي فقد انبهر بهذا النور القدسى وحاول أن يحدق فيه ولكنه خاف على بصره من العمى ..  وهو مع ذلك يجهد عينيه لفتحهما فيلاحظ ملائكة السماء وهى تحيط بالعرش فتؤلف وردة بيضاء تظل تتسع وتنفتح حتى تصبح وردة ضخمة ... واذا كانت ريشة دانتى قد اختارت الوردة لتضعها حول الملكوت فان ابن عربى - وقد مات قبل ميلاد دانتى بخمس وعشرين سنة - قد آثر شجيرة الطوبى التى وردت فى القرآن ...

فمن هذا العرض الموجز المقتضب وربما المبتور الذى يستدعى شرحا أكثر ومقارنة أوسع نستخلص صورة واضحة عن مدى الشبه وقوته بين قصة الاسراء والمعراج كما رواها الرسول وحكاها عنه ابن عباس ، وبين ملهاة دانتى .

اشترك في نشرتنا البريدية