الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

دراجة حمراء رائعة

Share

أنا لم اطلب منك ابدا مكافأتى . . انت التى وعدتنى بذلك . . كنت اقوم بعملى على نحو طبيعى ، دون ان افكر فى ان انال الرضا من احد .

لم يكن معلمنا يجازى احدا من اجل عمل يقوم به ، بالرغم مما كنا نزخر به من حيوية ونشاط . . ولم تنازعنا اية فكرة ضده . . كان لطيفا معنا ، وكنا لا نقوم بعمل لا يرضى عنه ، ولا ناتى اى سلوك شائن . . فجميع الدروس التى يلقنها ايانا ، استوعبها بلا مشقة ، ومن غير ان احتاج الى من يساعدنى على فهمها . . لست اقول ذلك مفاخرا . . كنت أجيب عن الاسئلة التى توجه الينا . . لا أقول ببراعة فائقة . . فهنالك دائما من يفوقك ذكاء ومقدرة . . وانما فى الغالب تكون اجاباتى صحيحة . . ومع ذلك فما كانت لتنالنى كلمة رضا واحدة . . وكذلك الشأن بالنسبة لبقية الاطفال ، وحتى لمليكة التى لا يدانيها احد من ابناء الفصل ، والتى كانت تنطوى على مواهب قل ان يتمتع بها غيرها . . ولها مقدرة على استيعاب الاشياء ، يعجز الكل عن بلوغها . . لكن معلمنا ظل لا يجيبها بكلمة شكر الا نادرا وبالفاظ سريعة ومقتضبة , كثيرا ما تتلاشى قبل ان تبلغ آذاننا فلا نسمعها . .

ولقد الفنا طريقته هذه ، فما كان احد منا ليباهى او يفاخر الآخر .

صحيح ان هناك كثيرين من ابناء الفصل الذين لم يكونوا يهتدون فى الغالب الى عمل جيد ، كان الحديث عن مليكة لا يدخل البهجة فى نفوسهم ، ولا يريدون اللعب معها ، ولا يكلمونها ، لكن ذلك لم يكن ليعنى شيئا كثيرا .

فقد ظلت مليكة تحظى بمحبة الكثيرين من ابناء الفصل ومن غيرهم ممن فى مقدورهم ان يقدموا لها الهدايا . . لكن احدا لم يعمد الى مكافأتها بسبب تفوقها ، وظلت خالية الذهن من كل شئ يقدم لها على انه مكافأة . . لا تعرف احدا وعدها بنوع من الهدايا ، مجازاة واعجابا بعملها . مثلما اعرف انا ذلك . وكما تعلمت منك يا امى ! .

فما كنت لاهتدى لمثل هذه الاشياء بمفردى ، ما لم تكونى انت التى نبهتنى اليها . . كنت ألاحظ اللعب المتنوعة . . اراها معلقة فى دكاكين الباعة او فى متناول الاطفال ، دون ان اشعر فى اية لحظة بميل نحوها ، ولا رغبت فى احداها ، او عرفت ان شيئا كهذا يمكن ان يكون مبعث تسلية ، قبل ان اتعلم منك . . انت التى منيتنى بهذه اللعبة ، وصورتها لى ابدع صورة . . ولقد

شغلنى حديثها الى حد الهوس . . وبت احلم بها حقا . . وانى ارى فى المنام : (( انى أركب دراجة حمراء متوهجة . . ولم اكن ابذل كبير عناء ، وانا انطلق بها . . كانت تسبح بى وكاننى امتطى صهوة جواد . . ولاحت مليكة وهى تشير لى من اعلى ربوة وتضحك . . وبقدر ما كنت اجهد فى السير كى ابلغ الربوة , بقدر ما كانت الدراجة تتباطا ، وكأن ريحا معاكسة كانت تردنى باصرار )) .

ما زلت اذكر اول مرة فيما كنت تتلقيننى بين ذراعيك ، وتغمرين وجهى بقبلاتك ، بعد ان قدمت لك دفتر درجاتى بالمدرسة . . وكنت احتل المرتبة الثانية بعد مليكة . . ويبدو ان هذا النجاح قد بهرك ، فرحت تثنين على الثناء الحسن . . من اننى ولد . . يستحق كل مكافأة ، ولسوف تخاطبين ابى فى هذا الشان حتى يختار الى لعبة جميلة ألهو بها مع اترابى . . ذلك لانى متفوق فى دروسى . . وان الاطفال الذين هم مثلى بمقدور الانسان ان يقدم لهم شيئا يفرحون به .

واذكر اننى سألتك عن نوع هذه اللعبة فى ذلك الوقت . . فاجبتنى بانها ستكون كرة . . وكان خليقا بى ان ارغب فيما هو اكبر من الكرة ، او اطلب الشئ الذى يروقنى على الاقل . . لكننى لم اعارض هذا الاقتراح . . لانه لم تكن لدى فكرة واضحة عن نوع اللعبة التى يمكن ان اختارها . . لا لكون هذه اللعبة كانت لا تثيرنى بل لانه لم يحصل من قبل ان امتلكت فى يدى شيئا كهذا .

وانتظرت بعد ذلك اليوم الذى يدخل فيه ابى وهو يحمل معه الكرة . . لكن ذلك اليوم لم يأت ابدا .

ولقد طال تساؤلى واستبد بى الاعياء ، واخذت هذه الفكرة تتلاشى من مخيلتى كلما امعن الزمن فى الابتعاد . . ونسيتها .

وفجأة استيقظت هذه الامنية من جديد . . فيما كنت تتلقيننى مرة اخرى بين ذراعيك . . وتغمرين وجهى بقبلاتك ، وانا احمل اليك دفتر دراجاتى . . ولا اخالك الا قد لاحظت علائم الحزن مرتسمة على وجهى . . وما كان ذلك ليقع من نفسك موقع الرضا . وانت التى تكنين لى الحب . . ووعدتنى هذه المرة قائلة وفى نبرة اصرار :

(( ان الكرة شئ صغير . . وانك تستحق ما هو اكثر من الكرة . . سوف اقنع اباك فى ان يغير رايه . . وان يقتنى لك عوضا عن ذلك دراجه صغيرة مثلا . . اليست فكرة رائعة . . دراجة صغيرة سريعة العدو . . كيف تختار ان يكون لونها ؟ . . حمراء . . حمراء قانية . . وبها ناقوس ايضا . . لا تحزن

يا رفيق . . قبل امك فى خدها . . اذن اتفقنا . . دراجة حمراء رائعة . . سريعة العدو وبها ناقوس صادح الصوت )) .

وذهبت احدث اصدقائى عن دراجتى الموعودة . . كما حدثت وذلك مليكة , ولقد تعانقنا و كاد الفرح يستطير بنا ، واتفقنا على ان تصاحبنى إلى البيت لتجرب معى ركوب الدراجة .

ولم تعد مليكة خالية الذهن من هذه الاشياء كعهدها من قبل ، فذهبت تطلب من ابيها ان يشترى لها لعبة . . واستطاعت ان تتحصل على بغيتها بسهولة . . فقد اشترى لها كرة . . وعوض ان ترافقنى مليكة الى بيتنا لتجرب معى ركوب الدراجة . . كنت انا الذى صاحبتها الى بيتها لترينى كرتها ولا تلقفها معها حينا من الوقت .

وظلت مليكة تسألنى بعد ذلك عن دراجتى وتعيد سؤالها . . وانا لا اعرف كيف اجيب . . لا لاننى فقدت الجواب وانما لانه لم يعد لدى ما اقوله لها .

ان امر الدراجة لم يعد يعنينى بعد الآن يا امى : ولن تسمعينى ثانية اسألك عنها او اتحدث اليك فى شأنها . . لقد مللت انتظارها وكرهتها . . كر هت كل الدراجات الحمراء الرائعة . . لكن الذى بات يعذبنى هو ان تكون مليكة قد كونت عنى فكرة خاطئة . . ولربما نعتتنى بالدجل والافتراء او توهمت اننى اريد ان استأثر بالدراجة لنفسى دونها . . وانا لا اريد ان اخسر صداقة مليكة ، ولا اقدر على مفارقتها . . فهى دائما لطيفة معى وتحبنى مثلما احبها .

تحاولين الآن ان تأخذينى الى صدرك يا امي . . ! تريدين تعزيتى . . وتمسحين بكفك دموعي . . أعلم جيدا ان نيتكما صادقة - أنت وأبى - فى اشتراء الدراجة . . وانكما بصدد جمع ثمنها . . لكن كم يستغرق ذلك من الزمن . . لقد استطاعت مليكة ان تتحصل على الكرة فى اقل من لمح البصر . . نقولين اننى لست مثل مليكة . . ولماذا لا اكون مثلها . . انها لست خيرا منى فى الدروس ، وكثيرا ما كنت افوقها . . ( ألم يكن أبوها رجلا كما ان أبى رجل ) . . فليس ثمة من هو خير من الآخر . . ولم تكن مليكة تملك اكثر منا مالا . . انا لا أفهم معنى ان يكون الانسان فقيرا . . ألا يشتغل ككل الناس ؟ ! انى ارى الاطفال فى المدرسة ثيابهم دائما احسن من ثيابى ، وهم يملكون فوق هذا ما يشترون به كل الاشياء التى تعجبهم .

ثم انى بعد ذلك لم اسالك عن مثل هذه اللعب ، فما كنت لاشعر يميل نحوها البتة ، ولم ارغب كثيرا فى الحصول عليها . . انت التى وعدتنى بها وصورتها

لى ابدع صورة . . فلماذا . . لماذا ما دمت تعلمين جيدا انك عاجزة عن الوفاء بوعودك ؟ !

أمى . . أمى او تبكين . . لا تسئ فهمى . . انا لم اقصد ابدا الاساءة اليك . . انما اردت فقط . . اردت . . ان اقول ، انه ما كان يبغى ان تعديني . . ما دمت عاجزة عن البر بوعودك . . ولا تحسبى ان حبى لك سينقص بسبب من ذلك حتى وان خسرت صداقة مليكة التى هى بالنسبة الى شئ كثير .

كنت المح الدموع فى عينيها وهى تتأملنى . . وكأنها تحاول ان تعتذر . . ان تقول لى : سامحنى يا ولدى . . كانت الكلمات ترتعش على شفتيها . . لكن صوتها فى ما يبدو قد خانها . . لقد خنقتها العبرة ، فاحتوتنى فى صدرها , واستسلمنا للصمت .

اشترك في نشرتنا البريدية