إذا أعتبرنا أن الثلاثين سنة الأخيرة ، أخصب مرحلة فى حياة فوكنر الأدبية ، فان الفترة الفاصلة بين سنتى 1929 و 1932 تعتبر بلا جدال ، أخصب فترة خلال هذه المرحلة إطلاقا . ذلك أنه أصدر أثناءها أهم أعماله الأدبية التى تعد من أروع الآثار الروائية التى ظهرت خلال هذا العصر ( 1 ) .
ولئن وجد اليوم من يتهم فوكنر بالسلبية أو السادية أو الغموض ، ومن ينعى عليه عدم تضلعه فى اللغة الانـڤليزية ، أو عدم قدرته على تنسيق أفكاره ضمن قالب روائى محدد المعالم ، فان ذلك لا يعنى شيئا ، لأن أى عصر لم
يخل من وجود هذا النمط من المنتقدين ، و دستويفسكى ( 2 ) نفسه ، سبق أن وجهت له تهم من هذا القبيل .
وتجدر الاشارة هنا الى أن فوكنر ، لا ينتمي الى مدرسة دستويفسكى ، وإنما كان عبقرية فذة مثله ، كما كان يعتبر أحد كاتبين من أكبر الكتاب الأمريكيين بعد جيمس ( 3 ) وهو إلى جانب كونه روائيا بارعا ، كان كاتبا قصصيا مبدعا ، برغم نزوعه الطبيعى الدائم الى الأسلوب الروائى .
وتعتبر رواية الصخب والعنف أروع آثاره الروائية إطلاقا . ذلك أنها الى جانب كونها تمثل أنموذجا رائعا للتقنية الحديثة فى الفن الروائى ، فانها تمثل كذلك ، وبكل عمق ، تلك الحقيقة التى أشار اليها جيمس فى حديثه عن هاوتهورن ( 4 ) حيث قال : (( إن زهرة الفن لا يمكن لها أن تتفتح إلا فى أرض خصبه ، ولا بد للانتاج الادبي من أحداث كبيرة تغذيه ، كما لا بد للفنان من هياكل اجتماعية معقدة يستلهم منها روح الخلق والابداع )) . وفوكنر ، وجد فى تاريخ الجنوب الامريكى الحافل بالاحداث ، وفى تناقضاته الاجتماعية المعقدة
نبعا ثرا ألهمه شخصيات روايته هذه . كما يجب ألا ننسى فى هذا المجال ما كان لنظريات ماركس الاجتماعية وآراء فرويد النفسية من تأثير على الاتجاه الروائى عنده .
أما دستويفسكى فان تأثيره على فونكر فى رواية الصخب والعنف ، يبدو بشكل واضح ودقيق فى اختيار كاتبنا لعائلة كامبسون لتكون موضوعا لرواياته ، وكذلك فى تسليطه الاضواء على ما تعانيه هذه الأسرة من تمزق وانحلال ، وهو نفس الشئ الذى فعله دستويفسكى فى الاخوة كارامازوف . وهذه الطريقة تذكرنا بالتراجيديات الاغريقية التى كتبها كل من أشيل حول بيت ملوك طيبة . وتجدر Sophocle وسوفوكل Eschyle الاشارة هنا أيضا الى رواية أوليس ، لجيمس جويس الذي سنتعرض له فيما بعد بشئ من التفصيل .
ويمكن حصر المواد الأولية التى تتألف منها الرواية فى الاحداث التى وقعت لعائلة كامبسون Campson خلال المائتى سنة التى عقبت استقرار الأسرة فى الميسيسيبى . وهى أحداث تعكس بشكل واضح ودقيق تاريخ الجنوب بأكمله .
والأبناء الأربعة الذين تتركب منهم هذه الأسرة ، يمثلون بالاضافة الى الخادمة العجوز المحور الرئيسى الذى تدور حوله أحداث الرواية . فالأخ الأكبر جازون Jason يمثل رجل الأعمال الحازم المقتر الذى يعيش حياة مادية صرفة ، مع تمسكه الشديد بكل ما تأصل فى نزعه الجنوبي من حفاظ على التقاليد والأعراف الموروثة . أما الأخ الأوسط كونتين Quentin فهو على النقيض تماما . ذلك أنه يمثل أنموذجا واقعيا للشاب المثقف الذى تتقاذفه أهواء متباينة نتيجة تمسكه بالعفة والشرف والكبرياء ، الشئ الذى يدفع به الى الانتحار فى النهاية حين يكتشف العلاقة الآثمة التى تردت فيها اخته مع شاب يتشبه بكازانوفا يقال له : دالتون أمس . أما الأخ الأصغر بنجى Benjy ، فهو يمثل الولد المعتوه فى الأسرة . والشخصيات هنا لا تقوم بأية حركة ، كما أن العقدة تكاد تكون غير موجودة . إلا أن رسم الشخصيات ، وسبر أغوارها النفسية ، أضفى على الرواية مسحة مأسوية رائعة .
إن شخصية كونتين ، تعكس الى حد كبير ، شخصية فوكنر نفسه . كما اننا
نجد من بعض الوجوه شبها كبيرا بينها وبين شخصية ستيفن ديادالوس (5) . إن فى كل من الشخصيتين جانبا من جوانب هاملت ( 6 ) . فكلاهما يحس بالغربة والتمزق والانفصام . وكلاهما تشده إحساسات غامضه الى بلده ، وكلاهما تستبد بفكره حركة الزمن ، والمعنى الرمزي لفترات حياته فى إطار هذا الزمن .
و رأى ستيفن دياداروس المتمثل في قوله : (( إن التاريخ ليس سوى كابوس ثقيل ، أجاهد أن أفيق من تأثيره المرعب )) ( 7 ) إنما يعبر وبكل عمق عن الحالة النفسية التى يعانيها كونتين ذاته . ذلك أنه يعانى مثله عقدة الاحساس بالذنب ، ويحاول مثله ، أن يتخلص منها بكل وسيلة . فكونتين يعتقد بأنه ارتكب إساءة لا تغتفر تجاه أخته ، بينما يحاول ستيفن أن يعتقد بأنه هو الذى قتل أمه .
وتأثير جويس على فوكنر فى الصخب والعنف ، تجاوز شخصية كونتين الى شكل الرواية وأسلوبها ذاته . ذلك أن القيام بعملية تداعى الأفكار والمعانى I' association ، وكذلك استخدام المونولوف الداخلى وتيار الوعى courant des pensees وتحطيم اللغة ، والمونتاج السينمائى ، كل هذه الأدوات الفنية التى استعملها جويس فى أوليس استخدمت بمهارة فى الصخب والعنف .
وما حدث لفوكنر بعد قراءته لأوليس ، هو نفس ما حدث لملفيل ( 8 ) عند كتابته لموبيديك بعد اكتشافه لشكسبير . وهكذا يمكن القول ، بأن اكتشاف جيمس جويس من طرف فوكنر وشكسبير من طرف ملفيل كان بمثابة الالتقاء الطبعي للعبقريتين الاوروبية والامريكية .
كنا أشرنا الى أن الرواية تتألف من أربعة فصول ، وأن كل فصل منها يقتصر على شخصية معينة ، ومحددة بتاريخ معين . وقد قسمها الكاتب كما يلى : أولا : بنجى Benjy 7 أفريل 1928 . ثانيا : كونتين Quentin 2 جوان 1910 . ثالثا : جازوز Jason 6 أفريل 1928 . وأخيرا الخادمة العجوز " دلسي " Dilsy 8 أفريل 1928
وهذا التقسيم الذى اختاره الكاتب لروايته ، لايسهل مهمة القارىء ، خاصة اذا أدركنا أن هذا الفصل يعتبر أكثر الفصول تعقيدا بسبب التقطع اللغوى ، والتشابك الزمني ، وسرعة الانتقال من الماضى الى الحاضر ، وكذلك بسبب الشخصية الرئيسية نفسها التى اختارها الكاتب لتقديم روايته ، وهذه الشخصية هى بنجى المعتوه الذى يجبرنا على رؤية الاشياء من خلال منظاره الخاص كما يفرض علينا فهم الاشياء من زاوية عقليته الخاصة .
ويجدر بنا أن نشير هنا الى أن المهم فى مسألة بنجى لا يتمثل فى كونه معتوها ، بقدر ما يتمثل فى كونه إنسانيا قبل كل شئ . وقد لا نعثر على شبيه له فى الرواية الأمريكية سوى بيب Pip فى موبيديك ، من بعض الوجوه . ولذا ينبغى الرجوع من جديد الى روائى كدستويفسكى لنجد فى احدى رواياته فترة مشابهة لتلك التى كان بنجى خلالها فى الثامنة عشرة من عمره يحاول أن يعاكس بعض الطالبات من وراء سياج الحديقة ، فيحتك بواحدة منهن لأنه كان يتصورها أخته كادى التى يحبها بعنف .
(( - إننى خائفة . (( لا تخشى شيئا . . سوف لن يؤذيك . . إنني أمر من هنا يوميا فلا يسعه (( إلا أن يعبر الحديقة عدوا .
(( . . . إنهن يتقدمن . . أفتح الباب فيتوقفن ويرجعن . . أحاول أن أقول ، (( و أمسك بها . . أحاول أن اقول ، وتصيح . . وأحاول أن أقول ، وأحاول . . (( والأشكال اللماعة بدأت تتوقف . . وأحاول أن أذهب . . أحاول أن أزيحها (( عن وجهي . . ولكن الأشكال اللماعة تبتعد . . تصعد الربوة حيث تسقط . . (( وأحاول أن أصيح . . ولكن وأنا اهم بالصياح اختنق . . أعجز عن إطلاق (( أنفاسى لكى يمكنني أن أصيح . . وأحاول أن أسقط من على الربوة . . ان أسقط وسط الأشكال اللماعة الدائرية .
(( . . . ويقول لوستر : (( - هنا أيها الغبى . . اقترب قليلا . . والآن !. هلا كففت عن النشيج ( والعويل .
ولكن . . ماذا يمكن أن يقال فى معتوه يستعمل لا كشخصية روائية ، وإنما كراوية يفرض علينا أن نرى الأشياء بعينيه ، وأن نفهمها بعقليته . هنا ، ينبغى أن نشير قبل كل شئ الى أن ذلك الصوت الذى يتحدث ليس صوت معتوه ، وإنما هو صوت مؤلف قدير عرف كيف يستغل مواهبه فى هذا المضمار .
ويجدر بنا أن نشير كذلك الى أن الصور التى كانت تعبر مخيلة بنجى جد محدودة ، وهي لا تتجاوز أفراد العائلة ومحيطها ، كما أنها محصورة فى أشياء بعينها تتكرر باستمرار كالمقبرة والحاجز الخشبي الذي يطوق الساحة ورائحة الاوراق ، ولهب المدخنة ، والمرأة الذي يحب دائما أن يطيل الوقوف أمامها . هذه الصور ، وصور أخرى متفرقة ، هي التى ظلت حية فى مخيد ننجى ، وهي التى تلقي الاضواء على بقية الشخصيات التى تطالعنا فى هذه الرواية . وهكذا يضرب فوكنر عصفورين بحجر ، حيث يخلق الشخصية ثم يخلق منها راوية فى الوقت نفسه . ولكن بنجى هنا لا يمثل سوى الحالة المأسوية فى الرواية . أما الراوية الحقيقي فهو المؤلف نفسه .
إننا نستطيع أن نلمس أزمة كونتين حتى قبل أن نقرأ الفصل المخصص له . كما نستطيع أن ندرك من خلال الصور التى يقدمها بنجى غرق كونتين فى الوحدة ، واهتمامه بالموت قبل أن يتحول الموت الى مأساة تجثم على صدر الأسرة : (( كونتين ينتصب واقفا على حافة الوادي . . إنه يرمى الحجارة وسط العتمة . . هناك . . حيث الوادى )) .
وقالت كادي : - لا يهمنى شئ . . سأتجه مباشرة الى الصالون ، حيث أجدهم . وأجابها فيرش : - لا تفعلى . . أنا على يقين من أن والدك سيطردك . قالت كادى : - لا يهمنى . . سأذهب .
إذن ، كان اختيار فوكنر لشخصية بنجى موفقا الى حد كبير . . وهو بضرب هنا أيضا عصفورين بحجر . إذ يستخدم شخصية معتوه كأنموذج بشرى طريف ، ويستغل العته من ناحية ثانية كوسيلة لتحطيم التسلسل المنطقي للزمن ، باعتبار أن العقلية البلهاء ، يمكنها ان تقوم مقام اللاوعى فى خروجه عن إطار الزمان والمكان . وعلى هذا الأساس فان ما حدث لبننجى خلال سنة 1902 ظل حيا فى مخيلته وحاضرا أيضا كما لو كان حدث سنة 1910 أو 1928 . فهو عندما يسمع صوت أحد اللاعبين ينادى فتاة يقال لها كادى Caddie ينهمك فى البكاء لأنه تذكر أخته التى غادرت البيت منذ ثمانى عشرة سنة . وعندما يعلق معطفه فى مسمار مشدود الى حائط السياج تعود به الذاكرة الى حوالى سنة 1900 أثناء الاحتفالات بعيد الميلاد حين سقط فى بركة من الوحل ، وأصيب ببرد شديد في مفاصله .
أما إذا تجاوزنا بنجى إلى الفصل المخصص لكونتين ، فاننا نجد جوا مشابها للجو السائد فى الفصل الأول . كما نجد أحداثا سبق أن عرفناها ، غير أنها تتخذ هنا أبعادا جديدة ، تضفيها عليها عقلية شديدة الحساسية ، دقيقة الملاحظة . وكما ترجع الذاكرة ببنجى القهقرى ، كذلك ، ترجع الذاكرة بكونتين ، فيستعيد باستمرار صورا واحداثا لا تتغير . وهو يسترجعها فى إطار يشبه الى حد بعيد مقطوعة موسيقية متداخلة الأنغام . كأن يذكر مثلا آراء والده حول معنى الزمن ويستعرض ذكرى زواج أخته التى كان يحمل لها فى أعماقه حبا جنسيا منحرفا ، فيعتبر ذلك من قبيل الاساءة التى لا تغتفر تجاه هذه الأخت الحبيبة ، ويفكر فى الموت ، وفى الانتحار الذى يزمع تنفيذه . وحركات كونتين كأقواله تماما ، تتخذ هنا شكلا رمزيا ، ويبدو ذلك واضحا فى انتزاعه عقارب الساعة ، كعملية هروب من وجه الزمن . ذلك أن أزمة كونتين تتمثل فى فراره من الزمن الى صخب الحياة وعنفها . فالزمن يذكره دائما بالحب الجنسى المنحرف الذي يكنه لأخته : (( . . إنه من أجل الانعزال عن هذا العالم الصاخب ، نجد أنفسنا مدفوعين إلى الفرار وسط الصخب نفسه ، فينعم بذلك وجود صخب العالم كله )) . وكذلك ، يجدر بنا أن نشير الى روعة المناجاة التى يتخذها شكل الحديث عند استعراض ذكرى كادى ، وكذلك أيضا يجب ألا ننسى فى هذا المجال ، روعة الحوار الذى يدور بين كونتين ووالده . (( . . . إنها أعمق حزنا من أية كلمات اخرى . . وليس ثمة شئ فى العالم غير اليأس قبل حضور الساعة . . أو الساعة قبل ان تتحول إلى ماض )) .
أما الفصل المخصص لجازون فهو يبتدئ بجملة معينة تظل تتكرر باستمرار . ولعله من الصعب أن نتكهن بمكان جازون بين أبطال الرواية من وجهة نظر المؤلف ، ذلك أن هنالك من النقاد من يقسم شخصيات فوكنر الى نمطين متباينين . الطيبون من جهة ، والأشرار من جهة اخرى . فالطيبون هم الذين يؤمنون بالمثل العليا كالعدالة والشرف وخلق مجتمع فاضل يرتكز على أسس مستمدة من تقاليد الجنوب وطقوسه الدينية ، أما الأشرار هم الماديون من ذوى النزعات الانتهازية والفردية ممن لا يقيمون وزنا لمعانى الشرف والعدالة والتقاليد المقدسة فى الأسرة والمجتمع ، والذين لا يهمهم سوى تكديس المال .
وهكذا يبدو جازون للوهلة الأولى ينتمى الى النمط الأخير . فهو مادى متعجرف ويتألم أيضا . وقد جنح به هذا الألم الى نوع من السخرية اللاذعة . وهو يعاني أيضا نوعا من القلق يدفعه الى عبور الشوارع بسارته بحثا عن ابنة أخيه التى فرت بمبلغ كبير من المال . وهو فى تهكمه لا يشفق على أحد ، ولكن ذلك يجعل منه فى الوقت نفسه كائنا مفرط الحساسية .
(( . . . قلت : كلا ! إنني لم أحصل على أية فائدة من الجامعة . لأنهم هناك ، فى ((هارفارد)) يدرسونك كيف تستحم ليلا ، دون أن يعلموك فن السباحة . . . وأنا لم أكن يوما سعيدا ولا فخورا بأن يمتلئ مطبخي بهؤلاء السود الذين تحتم على أن أعيلهم ، كما تحتم على أن أعيل هذه الكمشة من الجنرالات والحكام المبعدين الذين لم يصل واحد منهم الى سدة الرئاسة أو الملك ( 9 ) وألا كنا الآن هناك . . فى جاكسون نعبث ونزجى الوقت فى اصطياد الفراشات)) .
وجازون يستخدم فى حديثه لهجة سوقية صرفة ، مشحونة بالفاظ بذيئة ، ولكنها تعبر بحرارة عن همومه ومشاغله :
(( . . . إنه كما كنت أقول باستمرار ، ملعون مرة ، ملعون دائما . امنحنى أربعا وعشرين ساعة فقط ، لا يسألني أثناءها واحد من يهود نيويورك الملاعين عما افعل ، وسترى . . أنا لا أرغب فى إقامة مأتم ، وإنما فى شنق المحتالين الأنذال لكى أمنح فرصة لتأمين مالى . وعندها سأنقل هنا حى (( بيل سترايت ))
بأكمله ، وسأنقل أيضا ملهى ((شاريفارى)) وستنام امرأتان فى فراشى ، وستحتل ثالثة مكانى على الكرسى خلف المنضدة. . . )). . .
كنا أشرنا الى أن الشخصية الرئيسية فى كل من الفصول الثلاثة المذكورة ، هى التى تتحدث ، وهي التى تقوم بتقديم القوى والاحداث . أما فى الفصل الاخير المخصص للخادمة العجوز دلسى ، فان الكاتب هو الذى يقوم بتقديمها الينا فى صورة معبرة ، وبوصف فنى دقيق : ((. . . كانت قديما امرآة قوية، اما الآن فان عظامها تبدو بارزة بشكل لافت . تكسوها غلالة رقيقة من اللحم . وينتصب هيكلها كتمثال هرم لآثار عتيقة . . . )) . وبعد أن يطالعنا هذا التصوير الرائع لجسمها ولباسها ولحركاتها لا نستغرب سماع صوتها وهو يحدثنا بمأسوية فاجعة ، وبلغة تكاد توازى لغة الانجيل فى لهجته الواثقة الغنية بالايحاءات والرموز .
قالت دلسى : - لقد شهدت البداية كما شهدت النهاية . . ولكن قولى هذا لا وزن له .
وسألها فرونز : - أية بداية ، وأية نهاية تقصدين ؟!.
قالت : - لا شئ يهم . . قلت إنني شهدت البداية ، والآن . . ها انذا أشهد إرهاصات النهاية .
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أنه ليس من قبيل الصدف أن تشدنا شخصية دلسي بشكل لم يتسن لبيقة شخصيات الرواية ذلك أنها تعيش الحياة بطريقة تختلف عن طريقتهم . وتتقبل الأشياء كما هى ، وبمأسوية دامية ، ولعل هذا التقبل السلبى من طرفها كان وليد وعى عميق وحاد ، ومعرفة دقيقة للوضع الانسانى .
إن ما ينبغى أن نذكره حول (( الصخب والعنف )) هو كونها رواية فى هيكلها وفي شكلها ، وقصيدة شعرية إيحائية فى عمق صورها وبناء لغتها . وهي كما يرى كارفيل كولينس Carvel Collins مستوحاة فى تداعى معانيها من تلك
الصيحة التى أطلقها ماكبث Macbeth (10) كما أن العنوان نفسه قد أخذ منها :
((. . . انطفئي أيتها الشموع الراقصة . . انطفئي !. إن الحياة ظلال تتحرك ، وممثل بائس يترنح ساعة على الركح ، ثم يعم الصمت . . إنها حكاية يرويها معتوه ، شحنت بالصخب والعنف ، ولا معنى لها . . . (( (11) .
والواقع أن رواية الصخب والعنف ، يحكيها فى البداية معتوه هو بنجى ، ولكنها تحمل عدة معان ، وفيها أيضا شموع كان يعشقها بنجى ، وفيها ظلال يرى من خلالها كونتين الوجود بأكمله ، وفيها أخيرا ذلك الممثل البائس جازون .
وهكذا ، يتضح مما تقدم أن فوكنر كان عبقرية فذة ، استطاع بقدرة فائقة أن يقدم إلينا رواية متكاملة تعد من أروع ما شهد عصرنا من آثار روائية ، برغم ما يتخلل فصولها من أخطاء متفرقة ، وجزئيات لا تخلو من ضعف .

