- ١ -
يختلف الى منزل صاحب الفضيلة العالم الجليل الشيخ محمد بن مانع نخبة ممتازة من وجوه العلماء وأفاضل الأدباء ، يتذاكرون العلم والأدب ويجتمعون على خير ما يجتمع عليه قوم مخلصون لدينهم بررة بلغة ابائهم واجدادهم .
وفى جلسة رائعة من تلكم الجلسات قدمني رب المنزل ببساطته التى تكبره دائما فى نفوسنا الى شاب نابه هو الاديب الشيخ عبد القدوس صاحب مجلة المنهل . وكان فضيلته أراد ان يؤكد هذه الصلة فاشار علي بان ا كتب للمنهل بحثنا أو أبحاثا فى رجالات الشعر خاصة والأدب عامة ، فهأنذا أستجيب لاشارته شاكرا له ولصاحب المنهل حسن ظنهما وجميل تقديرهما .
بيئته العامية
هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن على بن أصمع ، وينتهى نسبه الى معد بن عدنان
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة بالبصرة وهي يومئذ موئل العربية وموطن الائمة والعلماء ، قال ابو الطيب اللغوي في كتابه ) مراتب النحويين ( :
فأما الذين ذكرنا من علماء البصرة فرؤساء علماء معظمون غير مدافعين فى المصريين جميعا ولم يكن فى الكوفة ولا فى مصر من الامصار مثل اصغرهم فى العلم والعربية
وكان من ديدن البصريين أن يأخذوا اللغة عن اعراب البادية أو كما يقول أبو الفضل الرياشى " عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع " .
وفي هذا الوسط العلمي الذي كان يزخر بالعلم والأدب نشأ أبو سعيد الاصمعي ، فتعلم القراءة والكتابة ثم أتقن تجويد القرآن الكريم على أمثل علماء عصره قراءة ورواية " آبى عمرو بن العلاء " حتى اذا شدا درس عليه اللغة والأدب ، ثم أخذ يخلف الى غيره من المربين كمسعر بن كدام الهلالى والمبارك ابن سعيد الثورى والحماد بن المحدثين حماد بن سلمة وحماد بن زيد ، والحمادين الاديبين : حماد عجرد وحماد الراوية ، والخليل بن احمد وخلف الأحمر وغير هؤلاء ممن كان لهم فى العلوم والآداب أثر محمود .
فهذه العقول الكبيرة أنضجت مواهب الأصمعى ، فلا جرم أن كان فى اللغة والرواية والخبر موضوعة عربية حتى حدث الناس بعلمه وتردد اسمه على كل لسان ، فقد روى محمد بن يزيد المبرد قال : انبانا التوزى قال : كما عند الأصمعى ، عنده قوم قصدوه من خراسان واقاموا على بابه فقال له قائل منهم يا ابا سعيد ان خراسان يرجف بعلم البصرة وعلمك خاصة وما راينا اصح من علمك ، فقال : لا عذر لي إن لم يصح على دع من لقيت من العلماء والفقهاء والرواة للحديث والمحدثين وما عرف هؤلاء غير الصواب ، فمن أين لا يصح علمي ؟
ولم يشأ الأصمعي أن يكتفى بالدراسة على شيوخ عصره بل انه قصد الاعراب من أهل البادية ياخذ عنهم اللغة الفصحى ويلتمس لديهم الغريب ، وقد اغترف من هذا المنهل الصافى الذى لم يكدر بعد ما نجد آثاره فى كتبه ، وبهذا حفظ لنا فى اصمعياته الجم الوفير من طوال الشعر الجاهلى ومقطعاته فهو بحق حجة الأدب وديوان العرب
اخلاقه
نشأ الاصمعي في عصر كانت تصطخب فيه الشهوات الجدية بعنف وعرامة وتمتحن فيه العقائد امتحانا قاسيا مريرا فقد آلت الخلافة الى العباسيين وللفرس فيها كلمه مطاعة بما بذلوا فى تأسيسها من أموال وأرواح ، فلهذا استطاعوا ان يلونوا الحياة العربية فى الامصار بما هو مركوز فى طباعهم من ترف ومتاع وجدل وفلسفة ، فاستحدثوا فى مجالس اللهو صورا سحرت أعين الناس واستهوت البابهم واستطاعوا أيضا أن يجهروا بما كان مكبوتا فى صدورهم من عقائد فاسدة أرسلوها على ألسنة الزنادقة وذوي الأهواء وكان صاحبنا يرى كل هذا ويسمعه وهو معتصم بدينه ومدرىء بعروبته فلم ياخذ اخذهم ولم يجر معهم فى ميدان ، وما ظنك برجل لا يأخذ علمه الا عن ائمة القرآن والحديث كأبى عمرو وابن عون وحماد وأشباههم كما أسلفنا . فمنانة اخلاق ابى سعيد هى التى جعلته لا يخشى فى الحق لومة لائم فكثر لذلك خصومه الالداء كابى عبيدة واسحاق الموصلي وأبى نواس فحاربوه حربا لا هوادة فيها ولا انصاف .
للبحث بقية
