« يأبى الشاعر السيد محمد السنوسى الا أن يكون محلقا فى نثره تحليقه فى شعره ، وها هو يعقد العزم على القيام بدراسة أدبية تشمل طرفى الادب : النثر والشعر ، وتختص أكثر بالشعر ، وذلك بغية تنشيط الحياة الفكرية ، والعودة بها الى ماضيها القريب، الذى كان مثلا رائعا من أمثلة النشاط الأدبى ، فيما كانت تحفل به الصحف والمجلات من المناقشات والدراسات التى تستهدف سريان التراث الفكرى من حيف الجمود . . ومن الجدير بالذكر أن الاستاذ الناقد بدأ دراسته هاته باثارة أفكار القراء الى أهم معركة أدبية قامت فى العصر الحديث بين أديبين من ألمع أدباء العربية . . هما الدكتور طه حسين والاستاذ المرحوم مصطفى صادق الرافعى . . . . وقد استهل دراساته الممتعة بالتحدث عن النقد الذى وجهه الدكتور طه حسين الى ديوان « الملاح التائه » للشاعر على محمود طه . .
والى القراء نزف الفصل الاول من هذه الدراسة الادبية الشائقة » « المنهل »
ليس بين الأدباء المعاصرين من لم يعرف الخصومة الأدبية التى قامت بين المرحوم الاستاذ مصطفى صادق الرافعى وبين الدكتور طه حسين أمد الله فى حياته ، وليس بين شداة الادب فى العصر الحديث من لم يشغف بتلك الخصومة ويتقص آثارها
المنشورة فى الكتب والمجلات ، وليس مما يعزب عن الاذهان أيضا أن أساس تلك الخصومة الادبية كان فى اختلاف نظرة كل من الاديبين الكبيرين الى ماهية ( التجديد ) فى الادب العربى ، فقد كان طه حسين يرى فى أسلوب الرافعى أسلوبا ربما
راق لاهل القرن الخامس أو السادس ولكنه لا يروق فى هذا العصر الحديث الذى تغير فيه الذوق الادبى على حد تعبيره . . والحق اننى ما قرأت مقالا أدبيا للرافعى من كتابه الشامخ (وحى القلم) الا رأيتنى مأخوذا بسحر أدب فنى خالص يرتفع باسلوبه المتين وديباجته وبيانه الآسر الى أعلى مستوى النثر الفنى الرفيع . .
فأنت تجد حين تقرأ الرافعى روحا من البيان العربى فيها وهج الفكرة ، وعظمة الاداء ، ومتانة البناء ، واناقة التعبير ، وزخرف الفن ، وسمو الطبع سمات أدبية تنتثر فى كل ما زاوله الرافعى من الكتابة فى شتى الموضوعات مهما اختلف نوع المادة التى يتناولها بالبحث أو التحليل أو الوصف . .
فأدب الرافعى أدب القوة البيانية ، والقوة الخلقية ، والقوة اللغوية الى آخر ما شئت أو تصورت من القوة بكل ما يتسع له مدلول هذه الكلمة من معنى .
وأنت تقرأ أدب طه حسين فتجد روحا امتزجت بالأدب الغربى وتضلعت من مادته الى أوسع مدى التضلع وهى الى جانب ذلك تحتفظ من الادب العربى بأصول عميقة وفيض غزير وقد امتزج كل منهما بالآخر امتزاجا غير متعادل حتى لتكاد الروح الغربية تطغى على الروح العربية طغيانا شديدا لولا بقية من صفاء الطبع واصالة الفطرة ، فأسلوب طه حسين أسلوب الانسيابية الهادئة ، وأسلوب الرافعى أسلوب التدفق الهادر . تقرؤه أى طه فتجد فى نفسك شعورا هادئا ينبعث من تلك السهولة
واليسر فيما يريد الافصاح عنه من العواطف والاحاسيس ، وتكاد تسبقه الى معرفة ما يريد الافضاء به من المعانى وألوان الشعور ، ولن تأخذك أمام تلك السهولة أية دهشة أو روعة تبعثك على التوقف أمام تصوير فنى أو تركيب مبتكر وانما هى المشاهد المألوفة فى صور الحياة اللفظية يؤديها اليك اداء رفيقا ويفضى بها افضاء هادئا فيما عدى بعض اسلوبه المكرر حين يريد أن يوضح المعنى توضيحا يتجاوز به اقصى درجات الايضاح مما يؤول به آخر الامر الى ما يشبه العى والاملال ، ولكنك على العكس من ذلك أمام أى فصل من فصول الرافعى فى كتابه ( وحى القلم ) فانت مضطر الى أن تستقطر صفاء فكرك وتبلور أشعة ذهنك لتقف أمام هذا المتحف البيانى المتوهج بشعاع الفن وتلاميع التصوير فمن وراء كل كلمة الق من الابداع ، ومن خلال كل جملة قبس من التوليد والاختراع
ولكن مالى وللرافعى وطه حسين ، وأنا أريد أن أتحدث عن الشاعر المبدع ( على محمود طه ) هذا الشاعر الذى كان شعره وثيقة الاتفاق الادبى بين طه والرافعى فيما اختلفا فيه من قديم وحديث ، وبيان ذلك أن طه حسين كان يتبوأ عرش النقد الادبى فى جريدة السياسة الاسبوعية التى كان يصدرها بمصر فى مطلع هذا القرن الدكتور محمد حسين هيكل ، وكان من حقه أى طه حسين وهو قد استوى على عرش النقد أن يصدر (مراسيم) التشريف والتزييف لكل ما يقدم اليه من النتاج الادبى منثورا ٨٩
ومنظوما وعلى ذلك فقد قدم الشاعر على طه ديوانه الملاح التائه الى الدكتور طه حسين ليصدر حكمه عليه ، وقدم فى الوقت نفسه نسخة من ذلك الديوان الى الاستاذ الرافعى وانتظر ما يصدر فى حقه من أديبين يتنازعان سلطان التقييم والنقد لكل ما يعرض فى السوق الادبية من نفائس وتحف انطلق طه حسين فى نقده للديوان شوطا بعيدا فى التمهيد لما يريد قوله عنه فهو قد انصرف عن الحديث فى الادب العربى مدة لا تقل عن عشر سنوات وهو يريد أن يمضى فيه الآن حرا طليق لا يقيد نفسه بزمن ولا بمكان ولا بلون من ألوان الادب ولكن الادب العربى واسع بعيد الاطراف مختلف الفنون متباين الازمنة والامكنة فلا عليه أن ينتقل بهذا الحديث من عصر الى عصر . . ومن بيئة الى بيئة . . ومن فن الى فن . . لا يتبع فى ذلك الا ظروف القراءة واهواءها وظروف القراءة غير المنظمة ولا المطردة وانه قد يحتاج إلى شىء من التجربة والمران ليستقيم له طريقه على ما أحب الى آخر ما تدفق به قلمه الفياض من فنون القول واساليب البيان فى حلقة مفرغة لا تنتهى الا لتبدأ ، ولا تبدأ الا لتنتهى ، وخلص بعد ذلك كله الى أنه كاد لو جارى نفسه وانطلق مع خواطره أن يتم هذا الفصل قبل أن يبلغ الملاح التائه ولاضطر الى أن يعد القارىء والشاعر بنقد هذا الديوان البديع فى فصل آخر يذاع بعد أسبوع ولكنه لا يريد أن يقلد المازنى ولا يريد أن يدير حول النقد فصلا كاملا دون أن يبلغه
أرأيت الى أسلوب التكرار والتمطيط ونحن بعد لم نبلغ الغاية من وراء هذه التمهيدات المحمول بعضها على بعض فى غير اضطرار من موجبات البحث أو دواعى التحليل لما بين يديه من الاثر الفنى - والخلاصة بعد كل ما اجملناه وضممنا بعضه الى بعض من كلام الدكتور طه وخواطره انه وصل الى ديوان الملاح وأثنى ثناء عاطرا على العلماء الذين يعنون بالادب ( لأن شاعرنا مهندس ) ويفرغون له من حين الى حين الى آخره ثم عاد فتناول شخصية الشاعر من حيث عدم معرفته به فيما مضى وعدم سماعه عنه وانه بعد أن أطلع على الديوان رضى عن الشاعر من وجه وسخط عليه من وجه آخر ، وعلل ذلك السخط وهذا الرضى بتلك الحيرة العميقة الطويلة العريضة التى لا حد لها والتى كأنها محيط لم يوجد على الارض . . هذه الحيرة التى تصور الشاعر ملاحا تائها حقا والتى تقذفه من شك الى شك ومن وهم الى وهم ومن خيال الى خيال . . وذلك فيما استخلصه من قراءة قصيدة ( الله والشاعر ) التى تصور حيرة الشاعر وشكه فيما يضطرب به هذا الكون من شقاء ونعيم وسعادة ونحس ، ثم خلص من ذلك كله الى تأثر الشاعر بالروح ( العلائية ) أو ( البيرونية ) سواء كان ذلك عن قصد وسعى أو عن غير قصد وسعى ثم عرض لقصيدة ( غرفة الشاعر ) واثنى على الصور المتتابعة المختلفة التى حفلت بها هذه القصيدة معللا جمال هذه الصور من حيث بعدها عن حياة الشعراء
الشرقيين . وقربها الى الترف الغربى الذى يغمر شعراء الغرب الذين يكلفون بالسهاد فى غرفة يضطرب فيها نور ضئيل شاحب وتفنى فيها الجذوة الخ ما يقول الدكتور طه
وانا لا أريد أن أمر على هذا التفسير بدون أن أعقب عليه فقد كلف طه حسين بالحياة الغربية كلفا شديدا ، وشغف بالوانها النفسية والفكرية والاجتماعية شغفا عظيما حتى أصبح يفسر كل صورة من صور التجديد فى الاغراض الشعرية فى تراثنا الادبى بانه تغريب للشعر وبعد عن الحياة الشرقية ومن ذلك قام يعلل الصور التى الفها الشاعر فى قصيدة ( غرفة شاعر ) بانها صورة غربية مع أن هذه الصور التى تتسم بها هذه القصيدة هى من الصور النفسية . .
تشترك فيها الحياة الفكرية لجميع الامم على اختلاف اجناسها وليست خاصة من خصائص الأدباء الغربيين ، ونحن نفهم من حياتنا الادبية فيما نعالجه من هذه الشئون الفكرية كيف يختلى الشاعر أو الكاتب فى غرفة يسامر فيها خواطره ويندمج فى خلائها فى سكون اطراقته الفكرية فى عالم من الخواطر والاحاسيس تتراقص مع وشائع الاضواء الشاحبة التى ينبعث بها السراج خلال صمت التجلى وهدوء الالهام ورحم الله الشاعر جريرا فقد حدثنا الرواة عنه انه عندما نظم قصيدته المشهورة :
اقلى اللوم عاذل والعتابا
وقولى أن أصبت لقد اصابا
كيف اختلى فى غرفته واوقد
مصباحه وسوى شلاله لشعرى يتدفق
فى هدوء الليل الصامت حتى انبلج السحر فى آخر مقطع من تلك القصيدة التى بلغت ثمانين بيتا هتف عند نهايتها ( اخزيته ورب الكعبة ) يقصد الراعى الشاعر الذى كان يفضل عليه الفرزدق واذن فالسهر والاختلاء فى الغرف ومناجاة عذارى الشعر وعرائس الفنون أمر يتصل بالطبيعة الحسية لكاتت والشاعر فى كافة الامم . . ثم انتهى الدكتور طه من حديثه ذلك الى النتيجة التى ينتظرها القراء فقرر أن الملاح التائه ( حلو الاسلوب جزل اللفظ جيد اختيار الكلام وان لألفاظه ومعانيه رونقا أخاذا تألفه النفس ، وتكلف به وتستزيد منه ، وأن فى شعره موسيقى قلما يظفر بها فى شعر كثير من شعرائنا المحدثين وانه استطاع أن يلائم الى حد بعيد لابين جمال اللفظ وجمال المعنى فحسب بل بين التجديد والاحتفاظ باللغة فى جمالها وروائها وبهجتها وجزالتها كل ذلك ظاهرة فى ديوانه لايكاد يستثنى منه الا هذه القصائد التى قيلت فى المناسبات العامة ولم يوحها الشعور الطبعى لنفس الشاعر ، ثم التفت الى الشكل النظمى لبناء القصيدة فى موسيقيتها الوزنية والقافية ولاحظ على الشاعر عدم تآلف القافيتين فى البيتين التاليين :
روحك فى روحى تبث الحياة
نزلت دنيا على نورها
فان جفاه ذات يوم سناه
لاذت بليل الموت فى قبرها
وهى ملاحظة فنية شديدة التقصى
والتدقيق فان التنافر بين القافيتين
كما يقرر الدكتور طه يقع هنا بين الباء الساكنة من كلمة ( قبرها ) والواو الساكنة من كلمة ( نورها ) وقد اختص الدكتور طه بهذه الخاصة الفنية فى النقد وهى لاشك ذات قيمة أدبية من حيث أخذ الشاعر بادق مقايبس الجودة وأرق موازين الاتقان فيما يعالجه من الآثار الفنية واخصها الشعر ولقد كانت مثل هذه الهنات الطفيفة تسلط عليها امثال هذه المجاهر النقدية لتظهرها مجسمة لعين القارىء العادى والقارىء المثقف بشكل يدعو الى الاغتباط ومن ذلك ايضا أخذه على الشاعر تقصيره فى ذات النحو كما جاء فى هذا البيت :
ان كنت فى شكواى بالمذنب
فمنك يارب أخذت الأمان
فالباء فى خبر كان التى لم يسبقها نفى غريبة وثقيلة على الاذن ، واشهد أننى أعجب بهذه القسوة فى النقد الأدبي واراها اداة من أدوات الحجر الأدبى والوقاية الفنية تحمى جسم الادب العربى من جراثيم الهجنة وآفات
الاسفاف . .
وبعد فما هو رأى الدكتور طه حسين وهو يحاسب على محمود طه فى التنافر اللفظى بين الباء الساكنة والواو الساكنة لو قرأ هذا الكلام الذى يسميه اصحابه شعرا وهو :
من يصحبنى . . من يعضددنى . . أنا أعصار . . أنا ياوطنى . . أنا جبار . . زحفت الى وطنى . . تتآكلنى نار . . ويزمجر خلفى أعصار . . أزف الثار . . أزف الثار . .
أرأيت هذا الكلام الذى يقال لنا انه شعر الحياة وما يراد به وأيم الحق الا افساد الذوق العربى باسم التجديد فى الأدب والفن
والى اللقاء مع الاستاذ الرافعى فى الفصل الثانى من هذه الدراسة ان شاء الله .
جازان

