الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

دراسات ادبية :، على بن المقرب

Share

- شاعر الاحساء ذو الثقافة الجمة والاطلاع الواسع . - كأنه المتنبي في شعره .

هو " على بن مقرب بن منصور بن مقرب العيونى " . ولد فى ( الاحساء ) عام ( ٥٧٢ ) ه وتوفى بها وعمره ( ٥٧ ) سنة .

كان أحد ابناء امراء الاحساء في آخر عهد دولة بني العباس . . وكان يمتاز عن غيره من رفاقه فى الصغر بالذكاء الخارق . وعزة النفس ونضج العقل ومتانة القول . . فحين يتحدث اليك وهو صبى صغير فكانما يحدثك شخص كبير السن قد عركته الحياة بشتي تجاربها . . وقد كان ذلك يخلق فى نفوس السفهاء من اخوانه . . واقربانه . . وأبناء الحي حردا عليه وبغضاء له . . وقد ثقل ظله عند هؤلاء لانه حين يجالسهم لا يخاطبهم بما يفهمون . . أو ينزل من كبرياء نفسه وطموحه الى ما هم فيه من سفاهة . . فهو حين يحدثهم عن حرب البسوس . . أو يسألهم عن الشاعر الحطيئة أو المعرى . . او قيس . . فان هذه الاسماء طلاسم بالنسبة لهم فيكرهونه أشد الكره ثم يؤذونه بكل ما يستطيعون من أذى . هم أغبياء . . فلماذا لا يكون مثلهم كانت أيامهم حين ذاك أيام جهل وفوضى

فلازمته هذه البغضاء ممن هم أقل منه عقلا وعلما الى أيامه الاخيرة . . وفي ذلك يقول :

سعوا فى دمى بالجهد حتى كأننى

من الروم قد أعلنت جيشا محاربا

ولم يكفهم قيد ثقيل وحبسه

برجلى فى دهماء تنسى الحبائبا

وأشياء لو عددتها طال شرحها

ولم أحصها فى محكم النظم حاسبا

وعلى بن المقرب شاعر قدير . . ترعرع فى مدينة ( الاحساء ) بين جداولها الرقراقة . . وخمائلها الخضر الفاتنة . . فاستوحى من هذه الطبيعة طموحا فى نفس أبيه . . فكان شعره قوى الديباجة . . جزل المعاني . . سلس الاسلوب . . يشبه المتنبى فى شعره مع سهولة الالفاظ . . وقلة استعمال الغريب . . وسعة الاطلاع والثقافة العظيمة فى التاريخ . . والادب العربى

الى م انتظارى أنجم النحس والسع -

وحتام صمتي لا أعيد ولا ابدى

أمثلة من يعطى مقاليد أمره

ويرضى بأن يجدى عليه ولا يجدى

يظن نحنولى ذو السفاهة والغبا

غراما يهند واشتياقا الى دعد

وانى لبدر ريع بالنقص واستوى

كمالا ، وبحر يعقب الجزر بالمد

إذا رجفت دار العدو مخافة

فلا تسألاني عن سعيد ولا سعد

وانى فى قومى كعمرو بن عامر

ليالى يعصى فى قبائله الازد

ومن هذه الابيات التي هي من قصيدة طويلة ممتعة تبلغ ( ٥٧ ) بيتا تعود بك

ذاكرتك الى الماضي البعيد . . او كان هذه القصيدة قاموس من الاخبار سبكت في هذه الموسوعة التاريخية . . فهى تذكرك ايام الجاهلية . . وما فيها من عادات وتقاليد ونظم وتلوح أمام مخيلتك ، نجوم النحس والسعد . . ثم تتذكر المراتين . . هندا . . ودعدا . . ثم سعيدا وسعدا أبناء ضبة بن طابخة . . ثم عمرو بن عامر سيد الازد . وغير هؤلاء من الاعلام والمواقع . . واللازمنة والمناسبات التى تحويها قصائده . . وله:

الا ليت شعري هل أجالس فتية

نماها الى العلياء قيس وخالد

عراعر لم تحدل ديار ابن منذر

فتلقى الى الاعداء منها المقالد

هم الناس لا يدرى الخنى أين دارهم

ولا عرفت جيرانهم ما الشدائد

مناجيب لاجيلان تعزى اليهم

ولا عد فيهم ذو كتاب معاهد

أولئك اخوانى ورهطى واسرتى

وقومى اذا ما استنهضتنى الحقائد

فان ساءنى منهم على القرب معشر

وأصبح من تلقائهم ما اكابد

فقد باعت الاسباط قبلى اخاهم

ببخس وكل منهم فيه زاهد

ومعظم قصائد " ابن المقرب " ان لم تكن كلها من هذا النوع تجانس المعرى فى رسالته . . لا من حيث الغريب والتعقيد . . وانما من حيث ذكر الاعلام والامثلة . . وهو يستعمل ثقافته حتى فى النسيب . . وهذا يدل على سعة الاطلاع . . فهو حين يصف لك علما من الاعلام لا يمكن ان يكون مغالطا فيه او شاكا فيما يقول . . كما حدث لبعض

الشعراء المشهورين . . والمرموقين . . قديما وحديثا . وأشهر قصائد ابن المقرب :

خذوا عن يمين المنحنى أيها الركب

لنسأل ذاك الحي ما صنع السرب

عسى خبرا يحيي حشاشة وامق

صريع غرام ما يجف له غرب

بأحشائه نار اشتياق يشبهها

زفير جوى يأبى لها النأى أن تخبو

الا ليت شعرى والحوادث جمة

وذا الدهر سيف لا يقام له غضب

وهل اينع الوادى الشمالى واكتست

عتاكيل قنوان حدائقه الغلب ؟

عن الحى بالجرعاء هل راق بعدنا

لهم ذلك المرعى ومورده العذب ؟

وهل بعدنا طاب المقام لمعشر

بحيث تلاقى ساحة الحى والدرب ؟

وهل عندهم من لوعة وصبابة

كما عندنا ؟ . والحب يشفى به الحب

وهل علمت بنت المقاويل أننى

باخرى سواها لا أهيم ولا أصبو ؟

وبيضاء مثل البدر حسنا وشارة

يزين بها السب المزبرق والاتب

اذا ما نساء الحى رحن فانها

لها النظرة الاولى عليهن والعقب

تحير فيها رائق الحسن فاغتدت

وليس لها فيهن شكل ولا ترب

بدت سافرا من درب دينار والصبا

يرنحها والتيه . . والدل والعجب

رأتنى وأبدت عن اسيل وحجبت

بذى معصم جدل بعض به القلب

وقالت : غريب والفتاة غريبة

ولافي نكاح الحل ذام ولا ذنب

فقلت لها : انى ألوف ولى هوى

ومالى فى بغداد شعب ولا سرب

فقالت : وأين الشعب والسرب والهوى

فقلت : بحيث الكر والطعن والضرب

فقالت : أرى البحرين دارك والهوى

بنوك . . وهذا ما نارى . . فمن الشعب ؟

فقالت : سلى حيى نزار ويعرب

باعظمها خطبا اذا استبهم الخطب

وأمنعها جارا وأوسعها حمى

وأصبعها عزا . . إذا استرحل الصعب

وانهرها طعنا . . وضربا ونائلا

إذا اغبرت الآفاق أو هزت الحرب

فقالت : لعمرى انها لربيعة

بناة المعالي . . لا كلاب . . ولا كلب

ولو سئلت يوما ربيعة من بها

له خضعت . . وارتجت الشرق والغرب

لأخبر اهل العلم ان ربيعة

رحي آل ابراهيم فى سرها القطب

هم الناس . . كل الناس والناس فضلة

إذا ناب أمر . . أط من حمله الصلب

وفيهم رباط المكرمات وراثة

يورثها المولود والده الندب

ولولا أياديهم . . وفضل حلومهم

زلزلت الارضون وانقضت الشهب والقصيدة تبلغ ثمانية وخمسين بيتا . وكاد شعر ( ابن المقرب ) أن يضيع ويتبعثر كله وتخسر الاحساء . . بل الجزيرة العربية . . هذا الشاعر العظيم فقد كان عصره فى اخر ايام الدولة العباسية . . عندما عم الجهل . . وساد الفقر . . وشملت الفوضى جميع الامة الاسلامية . . فقل تداول الشعر . . والأدب . . ونضبت اخبار الشعراء ، غير أن بعض كتب التاريخ . . والقليل منها مثل كتاب ( التكملة لوفيات النقلة ) ضم بعض من ترجمة ابن المقرب . وشعر ( ابن المقرب ) لم يطبع الكثير

منه . . ولم ينتشر شعره للاسباب التي ذكرناها من انحطاط الدولة العباسية . . وقد أوشك الديوان ان يختفى ويؤد . . لكنه لحسن الحظ طبع سنة ( ١٣٠٧ ) من الهجرة بمكة المكرمة . . ثم طبع سنة ( ١٣١١ ) من الهجرة بالهند . . ثم طبع أخيرا بدمشق . . وهي آخر طبعة له . . على نفقة الشيخ على آل ثانى

ويتكون هذا الديوان من ثمانمائة وعشرين صفحة . . من القطع الكبير . . وعدد قصائده عشر ومائة قصيدة . . وابن المقرب فى كل شعره ذو نفس طويل حيث ان معظم قصائده يتجاوز السبعين بيتا . ومن جياد قصائده :

بعثت تهدد بالنوى وتوعد

مهلا فان اليوم يتبعه غد

لا تحسبي ان الشباب وشرخه

يبقى وان جماله لا ينفد

عشر ويخلق شطر حسنك كله

ويذم ما قد كان منه يحمد

فتغنمى عصر الشباب فانه

ظل يزول وصفو عيش ينفد

وضعى يدا عندى ترقك مهجتى

ان الكريم الحر تملكه اليد

وتيقنى ان الشباب لناره

حد ويطفيها المشيب فتبرد

والبخل بالشئ المحقق تركه

اسف يدوم وحسرة تتجدد

ومن قصيدته الدالية ذات الحكم يقول :

العز ما خضعت لهيبته العدى

واقام بالفكر الملوك واقعدا

والمال ما وقاك ذما او بني

علياك او بقى لقومك سؤدا

والجود ما بلت به رحم وما

أوليت ذا امل اعدك مقصدا

والحلم فى بعض المواطن ذلة

فاصفح وعاقب واعجلن وتأيدا

ما كل حلم مصلحا بل طالما

غر السفيه الحلم عنه فافسدا

كل السيادة فى السخاء ولن ترى

ذا البخل يدعى فى العشيرة سيدا

ومن الخساسة ان تكون على العدى

غيثا وفى الادنين ليثا ألبدا

ذو الحلم يجهل والتغافل ذلة

والصبر مر والملوم من اعتدى

وقوله من البائية المشهورة :

الى كم مناجاة الهموم العوازب

وحتام تأميل الظنون الكواذب

لعلك خلت الذل حتما او العلي

حراما وان الشر ضربة لازب

ارى الناس مذ كانوا عبيدا لغاشم

وخصما لمغلوب وجندا لغالب

وما بلغ العلياء الا ابن حرة

قليل افتكار فى امور العواقب

ومن لم يعض الدهر من قبل عضوة

بنابيه اضحى مضغة للنوائب

ولا تتوهم ان اكرامك العدى

سخاء وان العز ضيم الاقارب

لعمرك ما عز امرؤ ذل قومه

ولا جاد من يعطى عطية راهب

خليلي عن دار الهوان فقوضا

خيامي وزما لارتحال النجائب

ولا تذكرا عندى لعل ولا عسى

فما بعسى يقضى نجاح لطالب

لحا الله نواما على الهم والبرى

قصاراه والدنيا على فوت ذاهب

ارى همتى لا تقتضينى سوى العلى

وليس علا دون النجوم الثواقب

ويقول ايضا :

ولولا انتقال البدر من برجه الذي

             به النقص لم يدرك كمالا واسعدا

وله :

ولا تؤخر فعلا صالحا لغد

فكم غد يومه غاد ولم يؤب

اشترك في نشرتنا البريدية