الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

دراسات ادبية, الاصمعى

Share

- ۲ -

ولعل العداوة التى كانت مشبوبة بين الأصمعى وأبى عبيدة قد امتزجت من كراهيتين : دنيوية ودينية ، أما الدنيوية فهي المعاصرة والمنافسة الناجمة من تنازع البقاء والحظوة عند الخلفاء ، وأما الدينية فلاختلاف مشاربهما ومذهبهما ، فقد كان صاحبنا سلفي العقيدة والهوى يمجد السلف ويستقصى آثاره ويروى للناس أخباره وأشعاره ، على حين كان أبو عبيدة شعوبيا متعصبا على العرب ينتقصهم وينال منهم وربما مال بهواه - احيانا - إلى الخوارج

فكلاهما يمثل فكرة تناهض الأخرى وتكيد لها ، فالأصمعى عربى متعصب على العجم وابو عبيدة شعوبى متعصب على العرب ، ولكل منهما أنصار يشدون ازره ويعلون ذكره وحسبك ان تستعرض معى هذه الصورة من الصدام الخفي لندرك منه هذا المعنى الذى أسلفت :

يقول اسحق بن ابراهيم الموصلى للفضل بن الربيع :

عليك أبا عبيدة فاصطنعه فان العلم عند أبي عبيده

وقدمه وآثره عليه ودع عنك ( القريد بن القريدة)

يعنى بذلك الأصمعى ، ولكن أبا سعيد يأبى الا أن يكيل لهم الصاع صاعين فيقول .

إذا ذكر الشرك فى مجلس    أضاءت وجوه بنى " برمك "

وإن تليت عندهم آيه           أتو بالأحاديث عن " مزدك"

والحق أن الأصمعى كان مؤمنا بتعاليم الاسلام حتى إنه ظل طوال حياته يأخذ نفسه بطريقة السلف ويلتزم فى ذلك حددو الدين ، فلقد حمل اليه مرة

إناء من الفضة فرده على صاحبه وقال له إن رسول صلى الله عليه وسلمتهى أن يشرب فى آنية الفضة .

وقد رئى يوما راكبا حمارا دميما ، فقيل له : أبعد براذين الخلفاء تركب هذا؟! فأجاب متمثلا :

ولما ابت إلا طراقا بودها        وتكديرها الشرب الذي كان صافيا

شربنا برنق من هواها مكدر    وليس يعاف الرنق من كان صاديا

ثم قال : هذا وأملك دينى ونفسي أحب إلي من ذلك مع ذهابهما .

ظرف :

ومع كل هذا الوقار الذى عرف له فقد كان ظريفا خفيف الروح رائع الدعابة فاذا مزح حرك الرصين وأضحك الحزين ، وكانما كان يعتقد ان للجد موضعا لا يصلح فيه الهزل وللهزل موطنا يستسمج معه الجد .

وهكذا النفوس الكبيرة نجد فيها الجد العابس احيانا والدعابة المرحة حينا ليحدد ذلك من نشاطها وليجمع اليها شتات قوتها - فهذا ابو سعيد كان كثيرا ما ينشد بيتيه :

يا أمة الله ألم تسمعى   ما قال  عبدالملك الأصمعى

واحدة أثقلنى حملها      فكيف لو قمت على أربع

وهو يومئ كأنه يقوم على أربع . وهذه ولاشك صورة فريدة من عالم ورع يتسم بالوقار والهيبه .

ونحن إذا استعرضنا هذا اللون من دعاباته ألفينا أن تندره لا يخلو من تهكم لاذع من ذلك النوع الذى فطر عليه الظرفاء الأذكياء ، وبمثل هذا كان يبلغ من خصمه العنيد أو تلميذه الغافل ما لا يبلغه بهجر القول او التفريع الشديد ، فمن ذلك أن تلميذه الزيادى قرأ عليه يوما هذا البيت :

أغنيت شأنى فأغنوا اليوم شأنكم     واستحمقوا في لقاء الحرب أوكيسوا

فصحف فقال : أغنيت شأنى فقال الأصمعى : فأغنوا اليوم تيسكم ومن طريف مار روى ما يقصه علينا محمد بن عبد الكريم قال : سمعت الأصمعى يقول . أتى إعرابى إلى نخاس فقال له : ياعم ، اشترلي حمارا ليس بالقصير المحتقر ولا بالطويل المشتهر ، إذا ركبته هام وان ركبه غيرى خام ، وإن خلا الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق ، إن أكثرت علفه شكر وإن أمللته صبر ، فقال النخاس : اصبر حتى إذا مسخ ( حكيم المدينه ) حمارا شريته لك

وبعد . فلما شق على خصوم الأصمعى أن يجرحوه فى علمه تصايحوا فى الناس بأن الرجل بخيل يستهويه المال ، ولكنى أكاد أعتقد أنه برئ من هذا النقص الذى حاولوا أن يفضوا به من مكانته ظلما وعدوانا .

ولعل هذا الاتهام قد جاءه من أنه كان يرى أن من مروءة الرجل صيانة ماله وبعده عن مواطن التبذير ، وهو لهذا جمع مالا كثيرا قبل منصرفه إلى البصرة فعاش فيها موفور الكرامة غير محتاج إلى لئيم . وإن اعتداده بالمال هو الذي جعله يستحسن قول أبي العتاهية :

أنت ما استغنيت عن (م) حبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه ساعة جادك قوه

فابو سعيد لم يزد أن رأى فى المال رأى العقلاء ، إذا انه ما كان يذوب فى باطل ولا يجمد فى حق .

اشترك في نشرتنا البريدية