الادب المهجرى خالد وشعراء المهجر في الذؤابة وايليا ابو ماضي امير الشعر
لقد غمز فى قناة الشعر المهجرى وحاول أناس الانتقاص من منزلة شعرائه وهذا شئ طبعي فلا نعرف عظيما سلم من وتر الواترين . ورمي القمة الشماء والدوحات الباسقة السامقة المثمرة ديدن بعض النفوس وصدق الشاعر اذ يقول
وان يؤاخذني الاعدا ببادرة
فليس يرجم الا مثمر الشجر
ولقد رمى المهجريون وادبهم بسهام ريشت بعد أن سممت ثم أطلقت بعد أن أبعدت مرماها . . وبالمقابل فقد انطلقت سهام أخرى تساويها فى المقدرة وتضادها فى الاتجاه . " والضد يظهر حسنه الضد " وهكذا يرفع المهجريون الى الثريا ثم ينزلون الى ما تحت الثرى وهذا الاختلاف يدل على العظمة والخلود . وعندما أتصدى لتعريف الادب المهجرى " لا أجارى من قال : انه كنز لم تظفر العربية بمثله وهو يضاهى أرقى الآداب العالمية الحية " كما لا أجاري من قال فى سورية : " انه هجين تعوزه العافية " أو من قال عنه فى مصر " انه صناعة بيانية مزورة عن الذوق الادبي
صورة
العربى الاصيل السليم " أو من قال عنه فى لبنان : " انه عبد الصورة الجامدة والاستعارات والكنايات البدائية " " وانما اقول بتواضع انه ادب جميل الطلعة ظريف النبرة عبقرى اللسان والجنان ، شريف الوسيلة والغاية اضطلع برسالة التجديد ورسالة الاصلاح فاداها خير اداء وابتدع لنفسه شخصية قوية مرشحة للبقاء.
فأدباء المهجر براء من كل ادعاء ومطمع ، لا يفاضلون أحدا ، ولا يطلبون من أحد شهادة امتياز ، ولا يتوقعون جزاء ولا شكورا على ما يحسنون . غيرهم ينادى باقليمية الادب وغيرهم يتشبث باقطاعية الادب ، غيرهم يطارد الشهرة ، ويعالج أبواب المصالح الشخصية ، أما هم فآدابهم تسع أدباء العالم قاطبة وتشدهم بالاكثر الى أدباء العرب اخوانهم فى الدم وشركائهم فى اللغة والوطن والاهداف
ان يختلف ماء الحياة فماؤنا
عذب تحدر من غمام واحد
أو يختلف نسب يؤلف بيننا
ادب اقمناه مقام الوالد(١)
اذا قالت حذام فصدقوها
فان القول ما قالت حذام
وان كان الادب المهجرى فى جملته لا يخلو من رنق وشوائب تكدر صفوه وتعطى فرصة للانقضاض فى وحشية عليه( ٢ )ولكن مهما
قيل فيه فان الادب المهجرى أدب أدى مهمته وسوف يخلد ما تتابع الملوان ، ان أصحابه يبذلون ما فى وسعهم من أجل رفع أهداف الأدب واعلاء ركزه وهذا هو رب " السمير " وترب القوافى وسمام العدا وغيظ الحسود " يهاجم رقعاء الصحافة فى المهجر الذين يسيئون ولا يحسنون الى اهداف الادب النبيلة ولا يهمهم الا كسب رزقهم ولو على حساب الادب والرقص على أنقاضه وعندما زار الشرق لم يجد حال الادب فيه أحسن منها فى المهجر فقد ردد الآهات فى المهجر ولكنه فى المشرق بكى حزنا لحالة أدب أصيب بعقم النساء فبكى وان قلبه يتمزق
"آه قل المجيدون وكثر المتشاعرون ، سنة الطبيعة أن يتوالد البعوض بالملايين ولا تلد الصقور الا نزرا . لم اجتمع بشاعرية ضاحكة فى هذه الرحلة ، بل وجدت الشعراء مصابين بأمراض النساء النفسانية ، فهم كالنساء يغرهن الثناء ، وكالنساء يميلون الى البكاء ، أما قرائحهم فجافة كالارض الموات تحتاج الى سماد كثير وتعب أكثر قبل أن تخضر وتنبت شيئا . أما انهم يتسلقون على رفات حضارة انطوت ، وأما انهم يتسلقون على ادب غريب سيصير رفاتا ، وانت لو جمعت كل الشعراء المجيدين المحدثين لم يكونوا شاعرا عالميا واحدا ( ٣)
هذا رأيه في شعراء الشرق وأدبه وهو رأى يبعد عن الخطل ويدنو من الصواب وليس بوسع من جند نفسه للادب ورسالته الا ان يوافق على الرأى رغم ايلامه وقسوته.
وقسا ليزد جروا ومن يك راحما
فليقس احيانا على من يرحم
ايليا ابو ماضي احق بامارة الشعر من شوقي
لست ممن يريدون نشر النشارة ولا ممن يجعلون للشعر اميرا لان لكل شاعر وكل أديب سمات ينفرد بها عن غيره وتميزه ويكون بها أشعر فى جانب حالما غيره أشعر منه فى جانب آخر فكيف نحكم حكما مبتسرا لنقول ان شوقيا أو غيره أمير الشعر بلا منازع ؟
وان المعركة التى احتدم أوارها بين الأديبين الاستاذين : العواد والربيع لم تؤت ثمارها وكم كنت أتمنى أن تكون فى ناحية اخرى ولكن ما الحيلة وقد سبق السيف العذل ؟
ان للانسان رأيه وله أن يفضل ما يريد وللآخر أن يرفض هذا التفضيل جملة وتفصيلا والاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية.
أما ان أحمد شوقي امير الشعر والشعراء فقد بويع بهذه الامارة ممن يعرفون الدرهم الزائف من الصحيح أى من أهل الصناعة ومن الشعراء أنفسهم وفي مقدمتهم شاعر النيل وشاعر الشعب حافظ ابراهيم الذى يقول
امير القوافي قد اتيت مبايعا
وهذى وفود الشرق قد بايعت معي
وعليه فان من الصعب بل من الاجحاف الغاء هذه الامارة عمن ألبسها وسربل وتوج بها لآثاره الخالدة التى تثبت هذه الاحقية وجدارة صاحبها بها ، وبالطرف الآخر لا نستطيع ان نرغم انسانا ما على الايمان بهذه الامارة لاسيما وانه يرى ان معه من الدلائل ما يؤيد نفى هذه الامارة
وعندى انه اذا كان لا بد للشعر من أمير فأميره فى الاولين والآخرين هو شاعر العربية الأوحد الذى يقول فيه الشاعر
ما رأى الناس ثانى المتنبي
أى ثان يرى لبكر الزمان
هو فى لفظه نبى ولكن
ظهرت معجزاته فى البيان
ومع هذا فانني لا أغفل عن ان هذا يخالف رأى الدكتور عبد الوهاب عزام " رحمه الله الذي يرى أن شوقيا اشعر من المتنبي ومعذرة فقد جر الحديث بعضه وانما ذكرنا هذا للمناسبة وهي ان الصافى النجفي يرى ان ايليا ابا ماضي أحق بامارة الشعر من شوقي اذ قال حين سأله الفرد ابو سمرا صاحب جريدة " القلم الصريح " عام ١٩٣٢ م قائلا "من هو امير الشعراء بنظرك ؟ " فقال
" صرحت في حديث عقدته مع جريدة " الأسبوع المصور " عن الشعراء ، من حيث قوة النظم وقوة الانتاج : " شوقي " اما من حيث قوة الشاعرية والشعور الصادق فاميرهم ايليا ابو ماضى ، وان حكمي لايليا لم اصدره عن ديوانه القديم ، بل عن ديوانه الاخير المسمى " بالجداول " هذا رغم انى متشائم وهو متفائل فى الحياة " ( ٤)
والذي أميل اليه ان أباماضى خليفة شوقي ، كما ان شوقيا خليفة المتنبى مع الفارق البعيد بين الاخيرين والقريب بين الاول والثاني فمرتبة ايليا تأتي بعد مرتبة شوقي ولا تبتعد ، ومرتبة شوقي تأتى بعد المتنبى ولا تقترب
-وللبحث صلة-

