١ - النثر عند ايليا ابي ماضي لايليا شاعر المهجر نثر فني ( ولو شعر منثور وفيه شعر ابن ه - لهذا الذي لا اجد اسما له باب في المتشاعرين الذين اعياهم الشعر المودون المقفى وارتفع عنهم النثر بفنيته فلجأوا الى ما يسمى بالشعر الحر واين منه ومنهم الحرية فهو وهم عبيد الركاكة والسخافة والضحالة وان صفق له من لا يقلو عن قائلية ضحالة وسطحية فلقد اثبت الشعر العربى وجوده فاين هو هذا الدعي الزنيم الذي لا نعرف امه ولا اباه انما يهمنا ان المولود ولد كسيحا ولا يزال كسيحا وسوف يحيا كسيحا لا يستطيع حتى الحبو حتى يلفظ آخر انفاسه لانه زبد " فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض "
ولا يسعني الا ان اردد مع ايليا آهه " آه قل المجيدون وكثر المتشاعرون سنة الكون ان يتوالد البعوض بالملايين ولا تلد الصقور الا نزرا " .
والمهم في الامر ان البعوض اخذ بالملايين وصدق الشاعر اذ قال : -
بغاث الطير اكثرها فراخا
وأم الصقر مقلاة نزور
والمهم ان الشئ بالشئ يذكر والا فلي مع الشعر الحر لقاء أمل ان يكون قريبا لافرغ ما بجعبتى فيه . ومحور القول هو نثر ابي ماضى وكم اتمني أن اجد كتابا فيه ولكن هيهات وما بيدى الا النزر اليسير جمعته من هنا وهناك وكله نشر بالسمير التى أصدرها وجعل شعاره فيها :
انا لا اهدى اليكم ورقا
غيركم يرضى بحبر وورق
انما اهدى الى ارواحكم
فكرا تبقى اذا الطرس احترق
فايليا الصحفى اللامع والشاعر المغرد هو أيضا الثائر النحرير وهو وحده كما قال نعيمة : " الخليق بأن تدرس مقالته التى لا تذهب وقود يومها " ( ١ ) .
فالقيثار الذي يعرف عليه أبو ماضي انغام القريض هو نفسه الذى يسطر به نفثات اليراع النثرية . نعم " ما اغرب الحياة وأعجب أطوارها تخلع علينا الشباب المونق حتى اذا وثقنا انه لنا استردته منا . استرداد النادم وتحرك فينا الاشواق والشهوات والاهواء ، ثم تتعجل قتلها كأنها تخاف وجودها على ذاتها وتخلع حولنا الفراديس الجميلة وتفتح ابصارنا عليها حتى اذا احببناها وهمنا بها وصبرنا على علم بذاتها صرخ القبر ونادى ، اقتربوا الى التراب يا أبناء التراب فاذا كل ما كان كأنه لم يكن ( ٢ ) "
فهو يعجب من هذه الحياة ومتناقضاتها وتقلباتها بنثر شعري يتلاعب بالشعور ويرقص الوجدانات في فلسفة حائرة لن يستطيع ادراك كنهها الا من أوتى حظا وافرا من الفهم والادراك . وأين هذا ممن عناهم ابو ماضى بمقالة " السرطان لا يداوى بالمراهم " الذي يقول فيه :
والله ان يغدو هذا المجهر الذي اطلع عددا من اقطاب الادب والفكر مسرحا يحمل فيه السفهاء والادعياء الذين اعجزهم ان يكسبوا رزقهم من سبيل آخر ، فاقتحموا الصحافة وكل رأس مالهم الشتائم والدسائس والانفس التى تفرح بالأثم مضافا الى ذلك الاعتقاد بأن الشعب غبي ، وانه لا يميز الغث من السمين وسيان عنده الاسفنج والعجين وقبح الله ان يستغرق العقلاء المفكرون فى النوم وانجم الادب الصافي تسطع حولهم وتتألق ، وبلابل تغنى لهم وتصدح ، حتى اذا سمعوا صيحات السفهاء المنكرة فركوا اجفانهم وتثاءبوا وقالوا : أف للجرائد ، تبا للصحافيين ( ٣ ) "
هكذا قال عن رقعاء صحافة المهجر فماذا عن رقعاء ومتطفلي صحافة المشرق ؟ !
اعذروني عن الاجابة فكلكم يعرفها والمعروف لا يعرف .
والخاتمة فى نثر ايليا هذه الاسطر بألفاظها الشعرية التى تسيل رقة وتتدفق عذوبة : " تستعير السمير من شهر أيار الطالع على الدنيا بالزهور والعطور والاغاريد ، الحامل فى اردانه إلى الكائنات جرثومة الحياة ورمز البعث والتجديد تحية متألقة كصاح العيد فيها من الرتبع أرج أزهاره ، ونضرة أشجاره ، وحنين جداوله وانهاره ، وجمال آصاله وأسحاره ،
وجمال رموزه وأسراره ( ٤ ) .
فهذا هو نثر ابي ماضى سهولة لفظ مع ووضوح معنى مع عدم ابتذاله وان وجده مبتذلا انشأه ننشأة أحرى . هذا هو نثر ايليا سلسا سانغا للقارئين ، هذا هو ايليا فى نثره كما هو فى شعره . فى نثره شاعر بالشعور والانفعالات لا بالتقاطيع والأوزان وفي شعره شاعر بكل مقومات الشعر وسمات الشعراء الاصلاء وصدق من قال : الاسلوب هو الرجل .
٢ - ايليا ابو ماضى ورفاقه فى المهاجر واحترام الاديان !!
من البدهي أن معظم المهاجرين مسيحيون ولهذا لن نحاسبهم كمسلمين ولكن سحاسبهم على عدم المبالاة بأي دين سماوى ، قد انفوا من أى حاجز سماوى أو غيره في طريق بحثهم عن الحقائق الكونية فى حيث مغلف بالحيرة التى لا تهتدى الى انبلاج صباح . يقول : ان المذاعب الانقلاب فى الاعناق زرييفة فى قييد حرية . ومن أجل أن يخرج من ز فى ويرمى بالاصفاد جانبا عليه ان يتبرأ من كل دين و مذهب ويكفر بكل نبي مرسل و سكن كتاب سماوى على
وسائله أي المذاهب مذهبى
وهل كان فرعا في الديانات أم اصلا ؟
واي نبي مرسل اقتدى به ؟
واي كتاب منزل عندي الأغلى ؟
فقلت لها لا يقتني المرء مذهبا
وان جل الا كان في عنقه غلا
وصار كتابي كل ما يطلق العقلا
وصار كتابي الكون لا صحف تتلى ( ٥ )
. بهو وورنافه يحضرون لا يهتدون وابه حيرة بهون إذا قيست بطلاسم ايليا التى يختمها ب . لمست أدوى . :
ان يك الموت قصاصا
أى ذنب المطهارة ( ٦ ) ؛
واذا كان نوابا
أى فضل للدعارة ؟ !
واذا كان وما فيه
جزاء او خسارة
فلم الاسماء : اثم وصلاح ؟ !
لست ادري
اوراء القبر بعد الموت بعث او نشور ؟ :
فحياة الخلود ام فناء فدثور ؟ !
أكلام الناس صدق ام كلام الناس زور ؟ !
اصحيح ان بعض الناس يدري ؟ !
لست ادرى
ان اكن ابعث بعد الموت جثمانا ، وعقلا
اتررى ابعث بعضا ؟ ام ترى ابعث كلا ؟
اترى ابعث طفلا ؟ ام ترى ابعث كهلا
ثم هل تعرف بعد الموت ذاتى ؟
لست ادرى
اننى جنت وامضى واذا لا اعلم
انا لغز ودهابى كمجيني طلسم
والذي اوجد هذا اللغز لغز مبهم
لا تجادل . . ذو الحجى من قال اني
لست ادرى
والقصيدة طويلة كلها استفهامات لا جواب لها عند الشاعر .
وليس فالاكثرية من المهاجرين غارقة فى الحيرة الى الاذقان ، فهذا نسيب عريضة يقول :
حياة شك وموت شك
فلنغمر الشك بالمدام
وهذا شكرالله الجر لا يدري من الناحية منهما عند الله : المومس أم الراهبة ؟ :
ان تجد راهبة الدير تصلي وتصوم فانظر المومس في الفحشاء تهوى وتقوم من ترى يا صاح عند الله منهن العظيم
وتجاه هذه الحيرة المغرقة يقول الاستاذ عزيز اباظه ( ٧ ) :
. ومن المعلوم في الوان الفلسفة الحديثة حتى فن ديكارت " وضع له مذهبا محدد الاصول ولعل انتفاع أدباء المهجر بالادب الاوربى اورثهم هذه النزعة فشكوا في كل شئ ولم يهتدوا الى اى شئ . .
فأما شكهم فى كل شئ فصحيح واما انهم لم يهتدوا الى أى شئ فلا نوافق عليه وعلى الاستاذ اباظه ببعاته . ومن المؤسف ان ببرز القوميات فى ادب المهاجرين بروزا مشينا ، على نحو ما نرى عند القروى فى مثل قوله :
سلام على كفر يوحد بيننا
واهلا وسهلا بعده بجهنم
فقد . مزقت هذى المذاهب شملنا
وقد حطمنا بين ناب ومنسم
هبوا لي عيدا يجعل العرب وحدة
وسيروا بجثمانى على دين برهم ( ٨ )
وهذا الريحاني يقول : " اليس فى وسع المرء أن يعيش فى هذا العالم دون أن تطبع روحه بمطابع الملة وتصبغ بصبغة الطائفية ؟
فالدين عندى ما انار القلب ومتى كان ضمير جارى كنور الشمس حيا نقيا وقلبه كوردة تتفتح فى الفجر لتستقبل ندى السماء فلا فرق عندى ان ذكر بين الدراويش أو سجد مع ميسوعيين أو اغتسل من نهر الكنج مع البوذيين فهو المؤمن - هو صادق فى دينه - هو رجل الله الأمين ( ٩ )
وهذا مهجرى آخر يستهجن أن يبغض أخاه من أجل الدين ولأنه رفض أن ينجو على يده :
اما كفاه قصاصا ما سيلاقيه من عذاب الآخرة الرفضه اعتناق مذهبى ( ١٠ ) .
ويطول الحديث لو استقصينا أقوال المهاجرين الشائنة التى لا تعترف بدين ولا تقدس أى رسالة . ونحب أن نورد هذا وكفى لأبى ماضى . فنسمعه يترنم :
كم روعوا بجهنم ارواحنا
فتألمت من قبل أن تتألما
ما كان من امر الورى أن يرحموا
اعداءهم الا ارق وارحمما
ليست جهنم غير فكرة تاجر
الله لم يخلق لنا الا السما
هذه نماذج من مهيع المهاجرين الذي ترسموه فى نظرتهم للأديان فجهنم لا وجود لها وليست الا فكرة تاجر ومن هذا التاجر ؟ سوى ايليا ؟ . . فقد عرفناه تاجرا فى مصر وفي أمريكا ، والحقيقة اننا نرتكب شططا إذا طلبنا من المهجريين أن يحترموا الاديان السماوية ، لان معظمهم امريكي قلبا وقالبا لذلك حادوا عن الطريق السوية وأبعدوا عن سواء السبيل .
٣ - الحنين إلى الوطن عند أبي ماضي :
البعد عن الوطن ومراتع الصبا ومسارح الخلان يثير اللواع ويذكى المدامع ويفجر ينابيع الآلام والاحزان :
واشقي شقي في الورى قلب شاعر
نبا الحظ عنه والتقى الحب والفقر
وأحس الشعر هو النابع من عاطفة قوية حباشة ومن قلب مدمى قد فجرته بنات الليالي وأوصاب الايام ، وكلما أبعد الانسان عن الوطن حن اليه فى اشتياق مهما لقى من النسيان والتجاهل والجحود والتنكر والضياع فلا يبرحه حتى ينسى كل سيناته اليه ويراه كله حسنات ، وأقسى اللحظات هي التى يودع فيها الانسان عزيزا عليه سواء اكان وطنا أم انسان فهو يلتفت بغيبه فإذا غاب المودع عنه تلفت القلب كما يقول الشريف الرضى
وتلفتت عيني فمنذ خفيت
عني الطلول تلفت القلب
صورة فنية رائعة ولا غرو ، فرب هذا البيت رب الروائع من القول .
والمهاجرون هاجروا مرغمين تحت ظروف . قاهرة عندما رماهم الدهر بالمكروه فتصبروا وهاجروا وكل واحد منهم يردد :
تصبرت عنها مرغما وهجرتها
وهجرانها عندى امر من الصبر
هاجروا بالاجسام أما القلوب والمشاعر فهي فى الوطن مهما أسى جرحه الزمان الموسي كما يقول امير الشعراء أحمد شوقي عندما نفى الى الاندلس :
اختلاف النهار والليل ينسى
اذكر ، لى الصبا وأيام انسي
وسلا مصر هل سلا القلب عنها
او اسي جرحه الزمان المؤسي
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني اليه فى الخلد نفس
شهد الله لم يغب عن جفوني
شخصه ساعة ولم يخل حسى
وليس شوقي بالأول ولن يكون الاخير الذي لم يغب وطنه عن جفونه والنظر نحوه ولم يخل حسه من التفكير فيه والشغف به فهذا ابن الرومي يتيمه حب الوطن فيتغنى
ولى وطن آليت الا ابيعه
وألا أرى غيرى له الدهر مالكا
لقد الفته النفس حتى كأنه
لها جسد ان غاب غودر هالا
وحبب اوطان الرجال اليهم
مآرب فضاها الشباب هنالكا
اذا ذكروا اوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذاكا
ولعل المهجريين قد رفدوا الشعر العربي بفيض زاخر من الحنين لا يوجد ضريبه فى الشعر العربى جميعه من عصر المهلهل وامرئ القيس الى الآن . وليس اربى استقصاء الحنين عند المهجريين فذلك يكلفني جهدا مضنيا ووقتا طويلا وانما أردت ان اقصره على صاحب وطن النجوم ( ١١ ) :
في قطرة من مياه لبنان وبلبل من بلابله يذيع محاسنه للدني . . لنصغ اليه يقول فى مخاطبته الوطن الحبيب :
وطن النجوم انا هنا
حدق اتعرف من انا ؟
انا ذلك الولد الذي
دنياه كانت هاهنا !
وانا من مياهك قطرة
فاضت جداول من سنا
انا من ترابك ذرة
ماجت مواكب من مني
انا من طيورك بلبل
غنى بمجدك فاغتني
حمل الطلاقة والبشاشة
من ربوعك للدني
كم عانقت روحي رباك
وصفقت في المنحني
لله سر فيك يا لبنان لم يعن لنا
ولقد سمع الشاعر همسا بأنه قد نسي الوطن وهذا غير ممكن أبدا فالمرء قد ينسى كل شئ فى الدنيا الا الوطن ، قد ينسى المباهج والمساوىء ، لكنه مهما سلا هيهات ينسي الموطنا :
زعموا سلوتك ليتهم
نسبوا الي الممكننا
فالمرء قد ينسى المسئ
المفترى والمحسنا
والخمر والحسناء والو
نر المرنح والغنا
ومرارة الفقر المذل
بلى ولذات الغني
لكنه مهما سلا
هيهات ينسى الموطنا
وفى قصيدته " تأملات " يقول :
ومليحة في وجهها الق الضحى
والسحر والصهباء من اقوالها
قالت اينسي النازحون بلادهم ؟
ما هاج حزن القلب غير سؤالها
الارض سوريا احب ربوعها
عندى ولبنان اعز جبالها
والناس اكرمهم على عشيرها
روحي الفداء لرهطها ولآلها
فهو يؤكد حبه الذى امتزج بتربة سوريا وشدا ، الى جبال لبنان ، واكرم الناس عنده أهل سوريا ولبنان فهم ابناء الوطن والوطن حبيب اليه وابن الحبيب حبيب والشهب الساطعة الثاقبة هى تلك التى فى أفق لبنان أو فى سماء سوريا ، فهو يتنسم الريح التى
نهب من لبنان ليجده مضمخه بالعبير المنضوع من أذيالها :
اني لأعرف ريحها من غيرها
بنوافح الاشذا من اذيالها
وليس هو بكاذب بل هو صادق لانه عاشق بعد عن حبه . فلا اكرم من الريح التى تنقل له أشذاء هذا الحب النائى فيجد فيها بلسما لجراحه ، ويكاذب أيضا فى قوله :
والشهب اسطعها التى في افقها
ليس الجمال الحق غير جمالها
فلقد قال عاشق مثله بأن الشمس التى تضئ در حبيبته أسطع وأحسن ما تكون على تلك الدار لأن بداخل الدار الحبيبة شمسا اخرى تخترق أشعتها جدران دارها فتلتقى الاشعتان صيد . . ولا يستقران الا فى قلب المدنف فتتراقص فيه الامال نشوى طروبا .
وابو ماضى مغرم بتلك الديار التى خطر بساحها وأخذ لغته من لغي أطفالها فى ظل ضيغمها وعطف غزالها . فهى ملهمته وهى باعثة آماله الخائبة المستكينة .
تلك المنازل كم خطرت بساحها
في ظل ضيغمها وعطف غزالها
وملأت عقلي من حديث شيوخها
واخذت شعري من لغي اطفالها
وشدوت مع اطيارها . وسهرت مع
اقمارها ، ورقصت مع شلالها
وسجدت للالهام مع صفصافها
وضحكت للأحلام مع وزالها
والآمال هي غذاء الفوس الكليمة . . ألم يقل الشاعر :
امال النفس بالأمال أرقبها
ما اضيق العيش لولا فسحة الأمل
وايليا أبو ماضى له امنيات . وأمله ان يرى وطنه ويكتحل من ترابه قبل ان يوا . الحمام . ولكن الاعوام تتوالى والأمل المرتقب لا يتحقق وتبقى صور الجمال واللقاء مجرد تمثال تراه البصيرة ولا يراه البصر :
مرت بي الاعوام تقفو بعضها
وثب القطا تعدو الى آجالها
وتعاقبت صور الجمال فلم يدم
فى خاطرى منها سوى تمثالها
واخيرا وبعد طول انتظار تقع المذكورة وتتحقق الامنية التى قال عنها أبو ماضى :
تشتاق نفسي قبل يغمضها الردى
لو انها اكتحلت ولو بترابها
ويزور لبنان قبل الموت مرتين فى سنه ١٩٤٦ وسنة ١٩٥٧ م .
ولكنه لا يستقر فى بنا الاول حتى يعاوده الشوق العارم الى وطنه الثاني لكما ان له هنا الكثير من الاهل والأعزة كذلك له هناك فهو موزع القلب بين لبنان الذي طالما حن في النبياع ، وأمريكا التى استوطنها فحنت عليه بين أهله المستوطنين فهو فى وداع وهذا ما يهد القلب ويحطم الاعصاب فكأن النوى قد اتخذته طريدة لها دائما :
يا ويح نفسي كم تطاردني النوى
وتهد منى القلب والاعصابا
ودعت خلف البحر امس احبة
وغدا اودع ها هنا الأحبابا ( ١٣ )
وبعد . فماذا يريد الشاعر ايليا ؟ اله امنيات يرنو لتحقيقها ؟ ولعل منها ان يكون طبر أو أو يبتغي مالا وقصورا ! ولكن الشاعر ينفي هذه واضر ايليا فى هذه المحاوزة :
يا ايها الشاعر المعني
حيرني داؤك العياء
هل تشتهي ان نكون طيرا
فقلت كلا ولا غناء
هل تشتهي ان تكون نجما ؟
اجبت كلا ولا بهاء
هل نشتهي المال ؟ قلت : كلا
ما كان من مطلبي الثراء
ولا قصورا ولا رياضا
ولا جنودا ولا اماء
وليس ما بي يا رب داء
ولا احتاج إلى دواء
ولا اريد الذى لغيرى
ذا حكمة كان ام قضاء
لكن امنية بنفسي
يسترها الخوف والحياء !
وما هذه الأمنية التى يحجبها الخوف والحياة . ربما لتفاهتها وسذاجتها .
فقال يا شاعرا عجيبا
قل لي اذن ما الذي تشاء ؟ !
فقلت يا رب فصل صيف
فى ارض لبنان أو شناء
فانني ها هنا غريب
وليس في غربة هناء
ارايتم هذا المطلب الذي يحجبه الخوف والحياء ، والذي لم يعدل به الشاعر أى
مطلب آخر فى الارض ولا في السماء ؟ والشاعر فى مندوحة من النوم والإزدراء لهذا المطلب الطفولى لأن الحب كما يقال اعمى .
وحسنا فى كل عين من زود . وعو لا يود الا فصل صيف أو شتاء فى ربوع لبنان الحبيب ، وربما كان هذا هو اللقاء الذى سوف يتهم به الشاعر لان لبنان ارضه كأى ارض وناسه كالآخرين . ونية يؤمن دعا الكثير من أبنائه الى الهجرة منه . ونيه نعمى وكل شئ وضده فأي ميزة تجمعه الأمنية الوحيدة للشاعر ؛ ليس ثم ميزة ميزه عن جميع بلاد الدنيا الا الحب الذي امتزج بدماء ابنائه والوفاء الذى ضربت جذوره بجذورها فى قلوب المهاجرين الغرباء وليس فى غربة هناء .
هذا نموذج مصغر من الحنين عند أبي ماضى . بل قطرة من بحر . وغيض من فيض واملى اننى نقلت صورة صادقة عن الهيام الى حد الجنون والذهول إلى الوطن عند أبي ماضى خاصة . والمهجربين عامة . وان لم يـأت بأمثلة من شعرهم ، ولكن البحث عن ايليا أبى مايض هو عندي أصدق صورة لهم . ليس فى الحنين فحسب فى كل غرض من اغراض الشعر . فهو الرائد ، والرائد لا يكذب أهله . وقد قرأنا ما ذكر بأن الشاعر فى حب الوطن ورقصاته طربا عند ذكراه .
اذا كان رب البيت بالدف ضاربا
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

